عاجل

“السماء تنتظرني” هو عنوان كتاب مي الجديد، أنجزته بعد محاولة اغتيالها منذ ثلاث سنوات بتفخيخ سيارتها !
حتى اليوم أجري لمي تسعٌ وعشرون عملية جراحية بعد أن فقدت يدها وساقها!
 لم تنجح محاولة قتلها بالتخفيف من نشاطها الدائم!

استقبلتنا في منزلها في بيروت، وحدّثتنا عن اعمالها الكثيرة كيف ترى لبنان اليوم: “قتلوني! نعم قتلوني! هل تتخيلون امرأة تملك نصف جسد؟ أنا المرأة المستقلة. لقد قارنوني بالفراشة لأنني لم أكن أمشي على الأرض، لم يكن لدي الوقت للمشي! كنت دائما على عجلة من أمري. اقدّم اربع مرات في الأسبوع برنامجا سياسيا صباحيا، أقدم نشرة الاخبار، أدرّس في الجامعة، أتابع أطروحة الدكتوراه، وكان لدي أيضا حياة إجتماعية نشطة! أعاقوني! كانوا فعلا يريدون قتلي!

بالنسبة لي، أنا فتاة عشت الحرب. كان عمري عشر سنوات حين بدأت، ومنذ ذلك الوقت أعيشها. الحرب محفورة في داخلي. كنت أسكن على خط التماس، من الجهة الشرقية، أي من الجانب المسيحي لبيروت. إذن بالنسبة إلي، إنها مسألة استمرارية وجود المسيحيين في لبنان.
وفيما يخصني، القضية الأولى كانت وتبقى سيادة استقلال وحرية لبنان..

 عندما قررت دراسة الصحافة، والعمل في هذا المجال، لم يكن الأمر فقط لأسباب سياسية! لكنني كنت أحب التلفزيون. كنت أقول لوالدتي دائما: لا أريد أن أمر في هذه الدنيا دون أن يلاحظني أحد! لكن على كل حال، في ذلك الوقت لم أكن أتخيل مطلقا انني سأصل إلى هذا المكان. أي أن أحظى بهذه الشهرة العالمية بعد الإعتداء الذي كنت ضحيته”.
 
بعد نجاتها من التفجير، أصبحت مي المعروفة بمواقفها المناهضة لسوريا، رمزا لحركة الرابع عشر من آذار. هذه الحركة سُمّيت تيمنا بالمظاهرة التي تمت في هذا النهار من عام ألفين وخمسة، في ذكرى مرور شهر على اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.
عاش لبنان أحداثا كثيرة منذ ذلك النهار: إنسحاب القوات السورية من لبنان، الحرب الإسرائيلية عام ألفين وستة، وصولا الى المواجهات الأخيرة. 

واليوم، اللبنانيون ومي موعودون بولادة حكومة وحدة وطنية، إلا أن أملها بسلام لبنان أصبح ضئيلا، كما تقول: للأسف، حتى اليوم، في كل مرة نظن فيها اننا وصلنا الى نهاية النفق، نجد أننا من جديد، نعود أدراجنا الى الوراء. في السابق، كنت أتأمل وأحلم وأؤمن انه سيأتي يوم ينتهي فيه كل هذا الظلم والحزن. لكنه الاستقلال حتى يأتي يوم يعود فيه السوريون بطريقة أو بأخرى.. ربما ليس من خلال القوات المسلحة، لكن من خلال عملائهم في لبنان، أي السياسيين الذين يأتمرون لسوريا، وكذلك المقربين من إيران.  فإن الوضع حينها سيكون كما لو أن الثورة لم تحصل، ولذلك انا أشعر اليوم بكل هذا الغضب.

من يملك السلاح في لبنان؟ إنهم عملاء سوريا. من أين تأتي الأسلحة؟ من الحدود مع سوريا. إيران ترسل أسلحتها الى سوريا، وسوريا تسمح بمرورها الى لبنان، بهذه الطريقة يتسلحون. واليوم، ماذا تفعلون؟ تمدون يدكم لسوريا كأن شيئا لم يكن؟ فقط من أجل إنجاح القمة؟ قمة المتوسط؟ قمة حوض المتوسط؟

لماذا سوف يشاركون باحتفالات الرابع عشر من تموز؟ يمكن للرئيس السوري أن يشارك في الإجتماعات، لست ضد ذلك. لكن أن يشارك باحتفال الرابع عشر من تموز، بالنسبة لي، يعني تبريئه مئة في المئة، والقول أن هذا النظام ليس إرهابيا وليس قاتلا. إذا كنا فعلا مع استقلال هذا البلد الصغير، يجب الإنتظار قليلا، قبل تبريء من احتلوه طويلا، ومن منعوا قيامته.

بكل جرأة. إنه اسم برنامج مي  التلفزيوني، والذي يبث كل اسبوع منذ عودتها الى شاشة ال أل. بي. سي. عام ألفين وستة. فحريتها في التعبير لا تمسّ، كما تقول: “انا امرأة عانت فعلا من كل سنين الحرب. أريد السلام. اريد ألا يبقى أولاد إخوتي في بلاد الإغتراب. فربما كرّست كل حياتي  لعملي لكن لدي أولاد إخوة ثمانية، أريدهم أن يعودوا إلى لبنان. أريد أن يتمكنوا من العيش في لبنان السعيد. ولبنان يستحق أن يعيش بسعادة، حيث كل الطوائف تحترم بعضها.

علينا أن نحترم معتقدات الآخرين! يريدون أن يتبنوا طريقة التفكير هذه، فليفعلوا ذلك في ديارهم! دون أن يفرضوها عليّ!
أنا لا اريد ان استمر بالحرب مع إسرائيل حتى نهاية الأزمان! بالنسبة لي، بما أن أرضي حُرّرت يمكنني بطريقة دبلوماسية أن أن أجد حلا لمشكلة مزارع شبعا… إسرائيل هي العدو أنا لا أعترض على ذلك أبدا! لطالما عملت إسرائيل لمصالحها الخاصة. لكن لا أريد أن  استثير إسرائيل. لا أريد أن أدفعها لكي تأتي وتضربني، وتعلن الحرب عليّ، وتدمر كل الجسور، لأعيد بناء كل البنية التحتية مرة جديدة. إنتهى الأمر، إنتهت الحرب. 

أريد أن أعيش في بلد حرّ فيه معارك لكن معارك سياسية، وليس معارك بالأسلحة. لن يتمكن حزب الله من أخذ لبنان بالقوة، لن ينجح هذا الأمر أبدا على المدى الطويل. لأنه ستقوم دائما إنتفاضة ضده، كما هو قاوم اسرائيل. لن يوافق السنّة على ذلك. الموحدون الدروز لم يقبلوا، والمسيحيون لن يقبلوا أيضا.

علينا أن نتعلم العيش سويا بسلام! عانينا من الحرب وويلاتها وكفى!”.