عاجل

تقرأ الآن:

"الطريق الأوربية إلى ثقافة الغجر": عندما تحاول الثقافة ما فشلت في تحقيقه السياسة


أوروبا

"الطريق الأوربية إلى ثقافة الغجر": عندما تحاول الثقافة ما فشلت في تحقيقه السياسة

تاريخ الغجر في أوربا هو تاريخ السفر الدائم والترحال… الترحال عبر كامل أوربا منذ قدومهم لأول مرة من الهند قبل مئات السنين. لكن، هذا المشوار هو أيضا قصة معاناة طويلة من الاضطهاد والتمييز العنصري والإقصاء والفقر. ولا تزال هذه المعاناة قائمة إلى اليوم في كامل أرجاء قارتنا الأوربية؛ من التهميش والأحكام المسبقة إلى الشبهات التي تنسجها الصور النمطية في الأذهان. لكن هنا في شرق سلوفينيا، السكان المحليون، سواء كانوا غجرا أو لا، انخرطوا في مشروع يهدف إلى كسر جدار الجهل بالآخر الذي يتسبب في عزل الغجر عن بقية المجتمع.

قرية كامنتشي الغجرية الواقعة في إقليم بْرِيكْمُورْيِِيه تعتبر قاعدة انطلاق مشروع يرعاه مجلس أوربا من أجل كسر حاجز الجهل بين الغجر ومحيطِهم الاجتماعي. المشروع عبارة عن “طريق” أوربية إلى تراث وثقافة الغجر، وشبكة سياحية دولية لتشجيع الاتصال المباشر بينهم وبين غيرهم. تم إطلاق مشروع كامينتشي خلال ترأسِ سلوفينيا مجلسَ أوربا. لكنه يكتسي طابعا أوربيا بحتا مثلما يشرح ذلك رئيس ديوان الأقليات الوطنية في الحكومة السلوفينية:

“لا زلنا نواجه بعض الصور النمطية بخصوص الغجر ، ويمكنني أن أذهب حتى إلى القول إن نمط التفكير السلوفيني ضيقٌ جدا. ويبين هذا المثال في بريكمورييه أن علينا توسيع آفاق تفكيرنا. علينا تخطي الحدود وربط الصداقات مع الأمم المجاورة، بإمكاننا أن نحققَ تقدما في هذا الاتجاه حتى مع الجالية الغجرية”.

يشكل الرقص والغناء روحَ الثقافةِ الغجرية، وأدت حياة السفر الدائم والترحال إلى انتشار هذه الثقافة عبر كامل أنحاء أوربا، ما جعلها تتحول إلى جزء لا يتجزأ من ثقافة القارة.المشروع الأوربي، لا يهدف فقط إلى الاحتفاء بثقافة الغجر وتمجيدها بل أيضا إلى تفكيك الهالة الغرائبية المحيطة بها وبشعبها وتحدي سوء الفهم الذي تعاني منه.

الصحفي البريطاني الغجري جِيْكْ بُووَرْزْ كان من المدعويين إلى حضور هذا الحدث:

“أمنيتي هي أن يدفع مشروع “الطريق الأوربية إلى الغجر” الناسَ إلى الاحتكاك بالأقليات الأوربية. كل الأوربيين يعرفون الغجر، فهم يرونهم على جانبي الطريق وفي المخيمات التي يتجمعون فيها، ويسمعون عنا أشياء عن طريق الروايات والأفلام، لكنهم في الحقيقة لا يعرفوننا. لذ،ا إذا نجح هذا المشروع في جلبِ الناس إلينا، عندئذ سيشرعون في التعرف علينا فعليا.

سبق إطلاقَ مشروع الطريق الأوربية إلى ثقافة وتراث الغجر تنظيمُ ندوة في مدينة ليندافا المجاورة.هناك التقى الغجر وممثلو المنظمات المهتمة بهم لمناقشة أفكار وغايات المشروع وتبادلوا الخبرات المتعلقة بالمبادرات الخاصة بالثقافة الغجرية عبر كامل أوربا.

إيرينا غيديكوفا المسؤولة لدى مجلس أوربا عن تنمية مشروع الطريق إلى الغجر تشرح لنا كيف وُلدتْ الفكرة:

هذا مشروع أوربي انطلق منذ عشرين عاما يُسمى“الطرق الثقافية لمجلس أوربا” ويُعتبرأسلوبا شديد الفعالية لتعزيز الوعي بوحدة أوربا وبوحدتها الثقافية التي نعتبرها جوهرية.وهكذا، أمام عدم كفاية السياسات الاجتماعية والتربوية والمساعي السياسية لاستيعاب هؤلاء الغجر وإدماجهم، بدا لنا ضروريا أن نحاولَ التأثير على السلوكات المتجذرة بعمق في نفوس الأغلبية تجاه الغجر، وذلك من خلال إقامة روابطَ الطرفين.

مقر انعقاد الندوة احتضن معرضا للصور حول الجاليات الغجرية. المصور نِينُو بُوشْيَا اكتشف مؤخرا فقط بأنه غجري الجذور. وهو يحكي بصُوَرِهِ حياةَ الغجر منذ نحو عشرين عاما، وزاد اهتمامُه بهم منذ أن أصبح يعيش بجوراهم. ويقول:

“اهتمامي بالموضوع بدأ منذ مطلع التسعينيات عندما انفجرت الحرب في يوغسلافيا سابقا. كان الغجر آنذاك من بين اللاجئين من الحرب. ولاحظتُ حينها أنهم مختلفون كثيرا عن غيرهم من اللاجئين، ولديهم نظرة أخرى إلى الحياة، وأسلوب آخر في التواصل مع الناس، بل لديهم ثقافة أخرى. وكنتُ من المرافقين لهم على الطريق خلال الهروب من الحرب، لأني بدوري كنتُ لاجئا”.

ليست سلوفينيا سوى جزءٍ من مشروع الطريق إلى الغجر الذي سينسِج الروابطَ بين مختلِف التجمعات الثقافية الغجرية عبر أوربا مع الأمل في أن يُقْدم السياح على زيارتهم وتحسين معرفتهم بهم. المشروع يركز أيضا على أهمية تحدي الأحكام المسبقة بواسطة توعية الشباب.
نجما فن الراب السلوفينيان مُراتْ وجُوصْ يقودان حملتين كبيرتين في بلدهما ضد العنصرية، وقد قررا دعمَ هذه الحملة الخاصة بالغجر.

“أعتقد أن الشباب أكثر تقتحا على التنوع العرقي والثقافي. بدليل أننا نجحنا بغنائنا في تحقيق بعض التقدم في هذا المجال. الناس الذين يستمعون إلينا يصبحون عادة أكثرَ وعيا بما يحدث، وأظن أن الأمورَ في تحسن بفضل ما نقوم به”.

لا يمكن لمجلس أوربا أن يدخل معركة إقصاء الغجر بمفرده. البرلمان الأوربي قدم دعمه ومساعدته من أجل تنسيق المبادرات الهادفة إلى مكافحة التمييز العنصري ضد الغجر وتشجيع إدماجهم في محيطهم.
المجرية ليفيا ياروكا وهي برلمانية أوربية تعد الأكثر نشاطا في هذا المجال، وهي ذاتُها غجرية، توضح: “عندما تحضر المعرفة الحقيقية بالغجر عبْر الاتصال بين الجماعات الإثنية والأفراد، تزول الحواجز ويتنامى الشعور بوجوب وضع أيدينا في أيادي بعض”.

عودة إلى قرية كامنتشي حيث أُطلِق رسميا مشروع طريق مجلس أوربا إلى ثقافة الغجر وتراثهم بمساعدة زعيم القرية. وقد شرعت كامنتشي في استقبال مجموعات صغيرة من السياح بشكل منتظم، الأمر الذي أدى إلى بداية تغير ذهنيات السياح والناس المجاورين للغجر على السواء.

لودفيك ليفاتشيتش، زعيم القرية
“لقد تعوَّد الناس أن ينظروا إلينا نظرة سلبية جدا. غير أن ما يجري هنا، جعل الغجر يشعرون في كامل أنحاء سلوفينيا باعتزاز كبير. الآن أكثر المواقع السياحية شهرة في المنطقة هو قريتنا هذه: كامنتشي”.

لقد عرف مشروع الطريق إلى الغجر نجاحا مدويا.وعلى مجلس أوربا وشركائه القيام بالمزيد. ويجب أن يكون الغجر أنفسهم في قلب حركية التغيير هذه. أما رسالة هذه المبادرة فهي أن كسر الحواجز التقليدية بين الغجر وغيرهم ممكن من بوابة الثقافة ومقنع حتى للغجر أنفسهم بضرورة مساعدة أنفسيهم.