عاجل

عاجل

الكاتب مَا جْيَانْ: "أحداث تيانانمين لم تحقق التطورات التي أحدثها سقوط جدار برلين في ألمانيا"

تقرأ الآن:

الكاتب مَا جْيَانْ: "أحداث تيانانمين لم تحقق التطورات التي أحدثها سقوط جدار برلين في ألمانيا"

حجم النص Aa Aa

نحن الآن في الرابع من يونيو من عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين. السلطات الصينية، وبعد أسابيع من التريث، قررت إنزال الجيش إلى الشارع لمواجهة التجمعات الاحتجاجية الطلابية في ساحة تيانانمين. المحتجون كانوا يطالبون بإحلال الديمقراطية في الصين محل نظام الحزب الواحد.آلاف الجنود اقتحموا الساحة وقمعوا بشدة هذه الحركة التي تعد الأكبر في تاريخ الصين الشيوعية.

في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر من عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين، انهار جدار برلين الذي قسَّم ألمانيا طيلة عقود إلى شطرين، وجرف معه النظام الشيوعي بأكمله. ما سمح بالتقاء آلاف الألمان الشرقيين والغربيين حول أنقاض ما أصبح يعرف بجدار العار وإعادة توحيد ألمانيا.

في معرض فرانكفورت الدولي الحادي والستين للكتاب، حضرت الصين بقوة من خلال صور ورموز الثقافة الصينية، لأن بكين اختيرت ضيفَ شرف خلال هذه التظاهرة الثقافية الدولية الكبيرة. وضمن المعروضات الصينية، لمع كتاب “ما جيان“، المنشقِ الصيني عن النظام الشيوعي، والذي يحمل عنوان:“غيبوبة بِيكين”.
من قلب معرض فرانكفورت، تنقل قناة يورونيوز حوارا مع الكاتب الصيني المنشق مَا جْيَانْ حول الحركة الديمقراطية في الصين والتغيرات الجارية في هذا البلد.

أورونيوز:
السيد جيان نحتفل هذا العام بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين و بالذكرى العشرين أيضا لمجزرة ساحة تيانانمين. الألمان تناقشوا كثيرا حول سقوط الجدار وتبادلوا الأفكار حول ماضيهم. أود أن أعرف كيف ناقش الصينيون ماضيهم؟

ما جيان:
حتى نفهم كيف تم التفكير من جديد في هذين الحدثين، عليك بالتمعن في كيفية معالجتهما خلال هذا المعرض وكيف تمت إعادة قراءة الحدثين خلال العشرين سنة الأخيرة في البلدين. ففي الوقت الذي راجع فيه الألمان تاريخهم القريب، فضل الناس في الصين خلال العقدين الأخيرين أن ينسوا ما جرى في بلادهم حيث ظهر واقع جديد. كتابي، على سبيل المثال، يروي كيف كان واقع الصين آنذاك، بينما تعمل الديكتاتورية الحاكمة على محو هذه الذكرى الأليمة من الأذهان.
شاب يُطلق عليه النار، يخترق الرصاصُ رأسَه ويدخل في غيبوبة مثل بلدي. فيعيش إثرها في ما يشبه حياةً معلَّقة مثلما وقع لبلدي. أحيانا العلاقة بين الشعب والديكتاتورية تتخذ شكل صراع على الذاكرة أيضا. الدكتاتورية لا تحاول محوَ الذاكرة فحسب بل تخلق واقعا من نوع جديد، واقعا وهميا.
السلطة تريد إعادة بناء تاريخٍ مٌفَبْرَكٍ مثلما يجري في أدب الخيال. أعتقد أنه أمر رهيب أن تعمد الحكومة الصينية إلى تكميم أفواه الذين لا يريدون نسيان الحقائق الفعلية المتمسكين بكشفها أمام الناس.

واقع الصين اليوم يذكرني بكتاب جورج أورويل الدي يحمل عنوان: 1984. في هذا الكتاب يتوصل بطل القصة إلى معرفة الحقيقية باكتشافه الماضي الصحيح وكل ما تم فعلُه لاستئصال هذا الماضي من الأذهان. أظن أن الوضع في الصين حاليا أسوأ مما كان عليه سنة ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين، لأن لا أحد يشتغل على هذا الماضي ومقارنته مع الواقع الحالي.

أورونيوز:
في ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين، ورغم الجدار الذي كان لا يزال يفصلهم، كان الألمان، على علم بما كان يجري في ساحة تيانانمين، مما منحهم الأمل في نزول طلبتهم إلى الشارع للمطالبة بالتغيير. هل كان لسقوط جدار برلين ارتدادات مماثلة في الصين؟

ما جيان:
لو فكرتَ من جديد في الوضع السائد آنذاك، سوف ترى أن في تلك الفترة وقعت انعكاسات متتالية حيث كانت أحداث تيانانمين أولَ ما انهار متسببا في سلسلة من الانهيارات الأخرى بما فيها النظام الشيوعي الذي كاد أن يسقط. لكن الغريب في الأمر أنه تمكن من إعادة بناء هياكله بسرعة فائقة. وبعد هذه الأحداث وما جرى في ساحة تيانانمين شرع النظام في “تطهيرٍ” عميق جدا ومُحكمِ التنظيم. العديد من القادة السياسين عُزلوا من وظائفهم وأُجبِروا على قول أشياء مختلفة جذريا عما قالوه خلال المظاهرات. العديد من الأشخاص قُتلوا. خلال هذه الفوضى، كان من الصعب جدا الحصول على معلومات عما كان يجري في الخارج وخاصةً في الغرب. وحتى خبر سقوط جدار برلين لم يصل إلى جميع الناس بل لم يصل إلى أغلبية الصينيين.

بعد أحداث الرابع من يونيو/حزيران، لم يحدثْ في الصين تفكيرٌ مماثل لما حدث هنا في ألمانيا إثر سقوط جدار برلين. والفارق الأكبر يتمثل برأيي في كَوْنِ ألمانيا قامت بثورة سلمية خالية من العنف. طيلة سنوات مات خلق كبيرعند محاولة العبور إلى الغرب هروبا من ألمانيا الديمقراطية، لكن سقوط الجدار كان حدثا سلميا دون صدامات عسكرية. وتكشف مذكرات وزيرِ داخلية ألمانيا الديمقراطية سابقا أنه تلقى الأوامر بإنهاء الثورة بكل الوسائل، لكنه لم يفعلْ. وما جرى في الرابع من يونيو/حزيران في الصين، لم يكن ليحدثَ في ألمانيا. من جهة كان الألمان يحتفلون بالحدث دون إراقة دماء ولا عنف، وفي المقابل لدينا حكومة صينية جندت مائتي ألف جندي لقمع حركة الاحتجاج الطلابية. وهذا ما يسمح لي بالقول إن الشيوعية الألمانية والشيوعية الصينية مختلفتان عن بعضهما البعض، وقد يكون للفكر الإنساني الأوربي دور في ذلك. في الصين جرت الأمور بشكل كان الأهم فيه بالنسبة للنظام هو أن يحافظ على وجوده.

أورونيوز:
في ألمانيا توجد حاليا موضة زيارة شرق ألمانيا لقضاء عطلة من حين لآخر حول بحيرات في إقليم لاند وإعادة اكتشاف المنطقة والاطلاع على ما تغير وما لم يتغير منذ عهد الشيوعية وكيف.

ما جيان: في الصين، ثمةَ مشكلةٌ أيضا بين لغة الخطاب والسياسة. فالذي حدث خلال العقدين الأخيرين ليس تحولا ثقافيا فحسب بل إنسانيا أيضا، حيث تغيرت هذه اللغة حسب ضرورات السياسة. وإذا ألقيتَ نظرة على النت فلن تجد أثرا لكلمات كـ: “أربعة يونيو/حزيران” أو “مجزرة تيانانمين“، كما لن تعثروا على أثر لكتابي “غيبوبة بيكين”. بالنسبة لعدد من الكتاب الصينيين المصنفين في خانة المنشقين، لم يتمْ إقصاءُ مؤلفاتهم فحسب من طرف الرقابة، بل تم إلغاؤهم من الوجود كأسماء وكبشر أحياء وكأنهم لم يكونوا أبدا. وقد غير النظام الصيني حتى أسلوب الحديث عن هذا الحدث إلى حد أن الذين يواصلون الكلامَ عنه بالعبارات الصحيحة يشعرون وكأنهم يعيشون على كوكب آخر أو أنهم جاؤوا من عالم موازي. كلما تحدثتُ إلى طالب صيني، هناك سؤال يُطرح في كل مرة: هل أنا أكذب ولماذا أكذب؟ لماذا لا أحب بلدي؟ مفهوم “مجزرة تيانانمين أصبح مجهولا تماما لدى شباب اليوم. ولا يمكنهم فهمُه لأنه لا يشكل جزءا من واقعهم الحالي. مقابل ذلك، سقوط جدار برلين أثرى اللغة المستعملة حيث ظهرت كلمات جديدة في بلدك زادت في ثراء ثقافتكم. هذا التطور لم يحصل في الصين. كل ما تقولُه لي يثير في نفسي التأمل في كل ما جرى خلال القرن العشرين. أعتقد أن التقدم والتطور لن يتحققا دون التفكير في ماضينا، وهذه هي المشكلة الأكبر في الصين. نحن في الخلف، لأننا لا نعرف مَن نحن، وماذا سنكون في المستقبل. يبدو أن الأهم في الوقت الحالي في بلدي هو المال فقط. في الصين، يحاولون شراء كلَّ شيء وهذا لا يكفي. أعتقد أن الأنظمة الغربية مطالبةٌ باحترام قيمها وعدمِ الخضوع لجبروت المال، وسيكون ذلك مفيدا للغرب وللصين أيضا. جدار برلين: arabic.euronews.net/1989-2009