عاجل

تقرأ الآن:

لبنان الجريح من منظور أوربي: وحيد بين دمار الحرب وبريق أمل المصالحة


أوروبا

لبنان الجريح من منظور أوربي: وحيد بين دمار الحرب وبريق أمل المصالحة

مخيم شاتيلا في بيروت الغربية في لبنان…. في ألف وتسعمائة واثنين وثمانين عاش مجزرةً رهيبة، وهو اليوم يأوي خمسة آلاف لاجئ فلسطيني يعيشون في ظروف صعبة جدا.
السلطات اللبنانية ترفض منح الأربعمائة ألف فلسطيني المنتشرين عبر كامل البلاد حقوقهم المدنية بحجة عدم المساس بحقهم في العودة إلى فلسطين.

أحد شباب المخيم: “حزب الله،..السيد حسن نصر الله… نحن في النهاية نعترف به ونصدقه أكثر مما نصدق رؤساءنا، لأنه رجل صادق. ولم يخلف وعوده أبدا”.

الحياة الصعبة في المخيم يعكسها أيضا غضب هذا العامل البسيط:
“أوضاعنا المعيشية في لبنان “زفت” (شديدة السوء). وكل التنظيمات الموجودة تقوم على المحسوبية، كلهم كذابون، لا أحد يساعدك. وإذا طلبت العون من جمعية إنسانية، يقولون لك:“الله يكون في عونك” ولا يفعلون لك شيئا… ما ذا تريدني أن أقول أكثر مما قلتُ… أنا أقتات أحيانا من المزبلة….(مع السلامة)”.

التوتر الدائم بين لبنان وإسرائيل يغذي شعبية حزب الله، حركة المقاومة الشيعية المذهب، حيث أصبح هذا الحزب، الذي يملك جناحا عسكريا قويا، لاعبا في الحياة السياسية اللبنانية لا يمكن تجاوزه. وقد حصل على ثلاثة عشر مقعدا في البرلمان من بين مائة وثمانية وعشرين في انتخابات يونيو/حزيران الماضي. وهو الآن أحدُ أبرز القوى المعارضة في لبنان.

علي فياض، كبير استراتيجيي حزب الله، لا يؤمن بإمكانية اندلاع حربٍ جديدة مع إسرائيل. ويقول:
“لا يبدو أن هناك حرب إسرائيلية قريبة، وذلك لأسباب عديدة. الإسرائيلي جرب الحرب ووجدها مكلفة. وليست لديه ضمانات لتحقيق أهدافه من خلال هذه الحرب، وفهم أن لبنان ليس لقمة سائغة وأن المقاومة قادرة على الدفاع عن هذا البلد”.

في لبنان، يبدو المشهد السياسي كفسيفساء. فالسلطة البرلمانية تُمارس وِفق تقاسمٍ محددٍ مسبقا على أسسٍ طائفية.
بمقتضى اتفاق الطائف الذي أنهى خمسةَ عشر عاما من الحرب الأهلية، تم تقاسمُ السلطات البرلمانية في هذا البلد بين المسيحيين والمسلمين ويشارك في إدارتِها ثمانيةَ عشر تيارًا.
الخلافات السياسية عطلت تشكيلَ الحكومة لأكثر من أربعة أشهر حتى الآن، وهذا ما أبقى مقاعدَ البرلمان شاغرةً باستثناء بضعةِ اجتماعاتٍ تتعلق أساسا بتصريفِ الأعمال.

اغتيالُ رئيسِ الحكومةِ السابقِ رفيق الحريري في الرابع عشر من آذار من عامِ ألفين وخمسة ثم الانسحابُ السوري من لبنان، ساهما ليس في خلق ثنائية قطبية سياسية فحسب بل عمَّقا الخلافاتِ بين الشيعة والسنة.

تحالفُ الرابع عشر من آذار المعادي لسوريا والموالي للغرب، يرأسه سعدُ الحريري ويتمتع بدعم المملكة العربية السعودية. التحالف حصل على الأغلبية البرلمانية. غير أن اتفاقا وقَّعه مع حزب الله سنة ألفين وثمانية يفرض عليه أن يفسَح مكانا للمعارضة حتى داخل الجهاز التنفيذي. وهذا ما يشرحُه وزيرُ الداخلية السابق والنائبُ البرلمانيُ عن حركة المستقبل أحمد فتفت:

“فيما يتعلق باغتيال السيد الحريري، هناك شكوكٌ كبيرة تطرح نفسَها بشكلٍ دائمٍ حول تورط المخابرات، لأن المخابرات هي التي كانت آنذاك تُدير كلَّ المسائل الأمنية في البلاد. بالنسبة إلينا، أمامَنا مسألتان في الوقت الحالي: عقدُ تحالفٍ على المستوى الداخلي وهو أمر طبيعيٌ يدخل في إطار الممارسة السياسية.. وتشكيل حكومة وحدة وطنية التي تُعتبر ضروريةً للبلاد على المستويين السياسي الداخلي والإقليمي.

تحالفُ الثامن من آذار، الذي يجمع الحزبين الشيعيين حزبَ الله وحركةَ أمل من جهة، والحزبَ المسيحي الماروني الذي يقوده الجنرالُ ميشال عون من جهة أخرى. هذا التحالف تدعمه سوريا وإيران، وهو يعارض بوضوح المشاريع الأمريكية في المنطقة.

علي فياض يتحدث هو الآخر عن تحالف حزبه مع العماد ميشال عون، فيقول: “خلال الفترة الماضية التحالف أظهر تضامنا عاليا وكان يتعاطى بطريقة متماسكة، لكن نحن في حزب الله لدينا قرار نهائي بأن نؤيد العماد ميشال عون، ووقفنا وراءه خلال هذه الفترة فيما يتعلق بكل المطالب بخصوص تشكيل الحكومة”. سيمون أبي رَمْيَة، النائبُ البرلمانيُ عن التيار الوطني الحر، المسيحي الماروني والعلماني، يشدد على أهمية تقاربِه مع حزبِ الله:

“ لا يجب أن يفوتَنا أن الشيعةَ في لبنان يشكِّلون ثلثَ السكان وأنهم جزءٌ أساسيٌ في النسيج الاجتماعي اللبناني لا يمكن إقصاؤه هكذا وكأنه لا شيء. هذا البلدُ في طورِ إعادةِ البناء، وأساسُ إعادةِ البناء هو المصالحةُ الوطنية. إذن، صحيح أنه كانت لنا خلافات سياسية وإيديولوجية مع حزبِ الله، وهذه الخلافات تدل على أن ما أنجزناه مع بعض حتى الآن شيء عظيم”.

الحزب الاشتراكي التقدمي الذي يتزعمه وليد جنبلاط والذي يمثل نحوَ أربعماِئةِ ألفِ درزيٍ، بعد أن كان معاديا لحزبِ الله، أصبح اليوم يساند تشكيلَ حكومةِ وحدةٍ وطنيةٍ مثلما يوضحُ ذلك النائبُ وائل أبو فاعور:

“إلى غاية 2005، كان السياسيون منقسمون بين مَن يساند سوريا ومَن يُطالب بحمايةِ السيادةِ الوطنية. بعد ذلك وفي أعقاب العديد من الاغتيالاتِ وأحداثٍ وصراعاتٍ أخرى في المنطقة، أصبحت الأمورُ أكثرَ خطورةً. الآن، لدينا أغلبيةُ السُّنِّيين من جانب وأغلبية الشيعة من جانب آخر، وهناك أيضا جهات أخرى، ومذاهب أخرى مشتتة بين هذين الطرفين الكبيرين. وهذا ما يستدعي منا أن نكون أكثرَ حذرا”.

في الظرف الحالي يعيش لبنان بدايةَ مصالحةٍ سياسيةٍ ساعدت على تحقيقها الأجواءُ السياسية الدولية الحالية برأي الخبيرِ السياسي وليد شرارة:

“أعتقد أنه بشكل عام وعلى مستوى كلِ المنطقةِ، نحن نعيش مرحلةَ ما بعدِ النفوذ الأمريكي. أي نحن نعيش مرحلةَ إعادةِ تشَكُّلٍ سياسي مصحوبا بعملية مصالحةٍ وطنية وعودةِ بعضِ الانسجام السياسي بين مختلِف القوى السياسية بعد فشل الهجمة الأمريكية على المنطقة”.

روبرت فيسك، مراسل صحيفة “ذي إندبندنت” البريطانية في الشرق الأوسط، يرى أن إدارة النفوذ السياسي في لبنان على أسسٍ طائفية كما هو جارٍ الآن يشكل عقبةً كبيرة في وجه دِمقرطة الحياةِ السياسية:

“المشكلة في لبنان تكمن في كون نظامه الطائفي لا يتماشى مع الرغبة في بناء دولة عصرية. وهو نظام يجب أن يكونَ فيه رئيسُ الجمهورية دائما مسيحيا مارونيا ورئيسُ الحكومة دائما مُسلما سنيا ورئيسُ البرلمان دائما مسلما شيعيا. لكن، لو تخلى لبنان عن الطائفية، لن يصبحَ لبنان، لأن هوية لبنان طائفية. إنه بلدٌ جميل بشعب مُتعلم، له جبالٌ تكسوها الثلوجُ وآثارٌ رومانية وقصورٌ تعود إلى الصليبيين: إنها كسيارةِ الروللز رويس لكن بعجلاتٍ مربعة وليست دائرية كالمعتاد. لذلك، لن يمكنَها الإقلاعُ، وذلك بفضل الانتدابِ الفرنسي الذي خلق هذا النظام. وهذا بالذات لبُّ المشكلة الآن”.

في المنظور الأوربي من بروكسل، لبنان ليس في صُلبِ اهتمامات البرلمان الأوربي المنبثقِ عن انتخابات يونيو/حزيران الماضي.

البلجيكية آنيمي نِيْتْسْ-أُوتَّبْرُوكْ عضوةُ البرلمان الأوربي توضح:

“رفضُ التحاور مع حزب الله أو حركة حماس أو حتى تقديرَنا بأن مواصلة عزلهما سياسةٌ حكيمة هذا لا يعود بالضرورة لمساندتنا دولةََ إسرائيل، التي أدعمها بدوري شخصيا. هذه مسألة أخرى. هناك مَن يساند إسرائيل ويدعم في نفس الوقت إقامةَ سلامٍ دائم”.

رغم الهدوء السائد هنا على واجهة البحر مع غروب الشمس، ورغم اطمئنانِ المتنزهين والصيادين، وحتى الفنانين، يبقى لبنان أحدَ بلدان الشرق الأوسط الأكثر هشاشةً. وتبقى كلُ الاحتمالات مفتوحةً في هذا البلد وفي كاملِ المنطقة… وربما أكثر من ذي قبل.

في الحقيقة هذا بالذات ما يستوجب اهتماما أكبر بالمنطقة من طرف الاتحادِ الأوربي.