عاجل

موريتانيا في دوامة الإرهاب

تقرأ الآن:

موريتانيا في دوامة الإرهاب

حجم النص Aa Aa

آفة الإرهاب التي بدأت في تونس في نهاية الثمانينيات وتفاقمت في الجزائر في منتصف التسعينيات وامتدت إلى المغرب فيما بعد، استيقظت عليها موريتانيا فجأة في العام 2005 بذهول حيث نُفذتْ أول عملية إرهابية ضد الجيش الموريتاني في حزيران 2005.
مئة وخمسون إرهابيا يهاجمون ثكنة عسكرية في منطقة المغيطي.. الحصيلة: خمسة عشر قتيلا وخمسة عشر جريحا ومقتل ستة إرهابيين.

هذه العملية الإرهابية استُنكِرت بشدة من قِبل الأحزاب السياسية الموريتانية التي تظاهرت في شوارع نواقشوط للتنديد بها.

بعد يومين فقط الإدارة الأمريكية التي كانت تخطط لتجعل من موريتانيا حاجزا مانعا ضد تمدد الإرهاب إلى جنوب الصحراء، قامت بمناورات عسكرية في إطار برنامج “أفريكوم”. كما تؤكده هذه الصور في ا لصحراء الموريتانية. فرنسا وافقت على مضض على التدخل الأمريكي في مناطق نفوذها لأنها، وحسب دبلوماسي رفيع المستوى، لم تكن ترغب أن تكون في الخطوط الأمامية. لكن الإدارة الأمريكية أوقفت التعاون العسكري مع موريتانيا بعد انقلاب عبد العزيز لتدهور العلاقات بين البلدين.
على أية حال، المناورات الأمريكية لم تنجح في كبح جماح الإرهاب. إذ جاءت العملية الثانية مع نهاية العام 2007 في منطقة الغلاوية. الحصيلة: مقتل ثلاثة جنود.

في الأول من فبراير من العام 2008 هجوم على السفارة الإسرائيلية في نواقشوط التي لم تتعرض لأي اعتداء منذ إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين في العام 1999. الحصيلة: ثلاثة جرحى من الفرنسيين المارة. وقد أمر الجنرال ولد عبد العزيز بإغلاق السفارة في أعقاب الغارات الإسرائيلية على غزة.

صورة العلاقات بين البلدين لم تتوضح منذ ذلك الحين.

تبعتها عملية ثالثة على الجيش الموريتاني في سبتمبر 2008 في منطقة تورين. الحصيلة هنا ثقيلة: مقتل اثني عشر عنصرا من الجيش وُجدوا جثثا مقطوعة الرؤوس. وحسب مصادر محلية، لم يُفتح أي تحقيق في أي هجوم تعرض له الجيش.

أجهزة المخابرات الغربية تؤكد أن للقاعدة خلايا كثيرة نائمة في موريتانيا توقظها متى تشاء فالساحل بات أفغانستان الجديدة بالنسبة لها.

توجهنا بالسؤال إلى وزيرة الخارجية الموريتانية الناها بنت جدي ولد مكناس التي أكدت عكس ذلك:

“ أود أن أنبه أنه لا توجد مراكز تدريب للقاعدة على الأراضي الموريتانية ولا توجد أيضا أي خلايا للقاعدة في موريتانيا، ولكن طبعا هناك تسلل من جهة دول مجاورة ونحن نسعى للحد من هذه الظاهرة الخطيرة”.

انطلقنا إلى وزارة الإعلام حيث قابلنا وزير الإعلام محمد ولد البخاري الذي أكد لنا أن الوضع تحت السيطرة.

“حاليا، هناك وحدات عسكرية مسلحة مجهزة ومدربة جدا متنقلة تحمي الحدود الموريتانية وتحمي المناطق التي يمكن أن تكون عرضة لهذا النوع من المجموعات الإرهابية. ونتبادل أيضا المعلومات مع كل الأطراف التي قد تكون لها فائدة في هذا الموضوع لمكافحته وتوقيفه عند هذا الحد. على العموم، بإمكاننا أن نقول إن موريتانيا الآن دولة آمنة، ولله الحمد، وتحت السيطرة، كل الأمور تحت السيطرة ولله الحمد”.

وعندما توجهنا إليه بالسؤال عن التعاون العسكري بين موريتانيا وفرنسا، تكتم والتزم الصمت فكل سؤال حول هذا الموضوع يُعتبر خطا أحمر.

فرنسا التي باتت تخشى أكثر من أيِّ وقتٍ مضى تفشي ظاهرة الإرهاب والهجرة السرية خاصة بعد انسحاب الأمريكيين، لم تخف هذا التعاون، إذ أثناء تواجدنا هناك، أوفدتْ رئيس الأركان ضمن زيارة مبرمجة سابقا، حسب دبلوماسي فرنسي رفيع في نواقشوط، رغبة منها في رسم إطار تعاون أمني وعسكري بين البلدين.

رئيس الأركان الفرنسي جان لويس جورجلان قال:
“نحن بحثنا بطبيعة الحال مع الجنرال في البداية الوضع في المنطقة وخاصة التعاون العسكري الذي من شأنه أن يقرب بين جيشينا. وفي هذا الصدد، بحثنا مسألة التدريب التي يمكن أن نقوم بها معا”.

ولكن، هل للإسلام في موريتانيا دور في دفع البعض إلى التشدد؟ في وسط العاصمة، ذهبنا يوم جمعة لنزور المسجد الكبير. المؤمنون يأمونه من كل حدب وصوب، يقيمون الصلاة ثم يعودون من حيث أتوا ولم نلحظ أي تطرف في الخطبة.

للإسلام حزب سياسي يمثله، “حزب التواصل الإسلامي“، التقينا نائب أمينه العام.

نائب رئيس الحزب الإسلامي محمد غلام الحاج شيخ يعلق: “هؤلاء الذين يقتلون الأبرياء في الجزائر وفي موريتانيا وفي أي مكان هم يتحدثون أدعاء بأنهم يتكلمون باسم الإسلام وإنما الإسلام بريء من هذا. الإسلام لا يأمر بالقتل. الإسلام بعيد كل البعد عن هذا الأمر. ولكن، هناك شذوذ حاصل في بلادنا كما هو حاصل في بلاد الغرب أيضا. كما قلتُ الجماعات الدينية في الجيش ا لجمهوري الإيرلندي والطوائف المسيحية التي تتقاتل، كل ذلك ليس باسم الديانة المسيحية. أي الديانة المسيحية ليست هي مَن فعل ذلك. لماذا الشذوذ بالنسبة للعالم الإسلامي حيث يُنظر إليه على أساس أنه خرج من عباءة الإسلام. مثلا الجماعة التي فجَّرت الأنفاق وقتلت الآلاف في اليابان لماذا لا يقال إن البوذية هي التي قتلتْ؟ لماذا لا ينظر إليه كذلك ويحصر في زاوية ضيقة ويقال إن من فعل هذا.. هو هذا الانحراف وليس الديانة البوذية أو الديانة المسيحية أو الديانة اليهودية؟”.

من الأحزاب العلمانية في موريتانيا حزب قوى التقدم. ذهبنا نسأله إذا كان هذا الفقر الذي نشاهده سببا أساسيا في تفشي الإرهاب.

محمد ولد مولود:
“لا يمكن أن يقال إن الفقر هو السبب فهذا البلد كان فقيرا وبقية البلدان العربية فقيرة ولم نُشاهد مثل هذه الظاهرة ولكن هي موجودة في كل المنطقة. مثلا في إفريقيا تظهر على شكل جماعات إرهابية مسلحة ماوفياوية وغير مافياوية وحركات تأخذ كل الأسماء في بلدان غير إسلامية وكذلك في أمريكا الجنوبية وفي آسيا. إذن هناك ظاهرة التذمر في الجنوب بصفة عامة. فعلا المنطقة الإسلامية تعاني من أمور خاصة بها كالإهانات الشديدة إضافة للسيطرة والغبن.. الإهانة التي تعاني منها الشعوب الإسلامية والعربية في فلسطين في العراق وفي أفغانستان وفي تشيشينيا، هناك شعور أن المسلم كمسلم يهان ويعتدى عليه”.

لكن في الصحافة الموريتانية هناك من يشير بإصبعه في مقالات شبه يومية بأن المعركة ضد الإرهاب مازالت بعيدة المنال.

كان هذا آخر غروب شهدناه في موريتانيا وغدا سيكون يوما آخر.