عاجل

عن سن أربعة وثمانين عاما، يعتبر برينت سكووكروفت من الشخصيات السياسية الأمريكية الأكثر تأثيرا. فقد كان في البيت الأبيض في حقبة سقوط جدار برلين، حيث كان مستشار للأمن القومي في إدارة الرئيس جورج بوش الأب. منصب شغله مع الرئيس جيرالد فورد.

في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، كان برينت سكوكروفت أحد مساعديه العسكريين.

رغم كونه قريبا من عائلة بوش، كان معارضا لحرب العراق الثانية. برينت سكووكروفت ساعد الرئيس باراك أوباما مؤخرا على اختيار أعضاء فريقه للأمن القومي. يورونيوز حاورته.

يورونيوز : كيف تلقيتم خبر وشوك سقوط جدار برلين؟

برينت سكووفورد : كانت هناك تقارير متضاربة وغير واضحة تماما. هل كان في طريقه نحو السقوط أم لا؟ كانت عبارة عن إشاعات. هل سيشمل ذلك برلين أم لا؟ وفي قلب هذه المرحلة من الحيرة، دخل المستشار الإعلامي، مارلين فيتزواتر Fitzwater على الرئيس قائلا : “سيكون من الأفضل أن تتحدثوا مع الصحافة حول ما يحدث”. وقلت حينها :“لا نعرف ماذا يحدث، كيف يمككنا التحدث مع الصحافة؟”.
أحد الصحفيين قال : “سيدي الرئيس، لا تبدو الغبطة على محياكم. كنت أظن أنكم ستكونون فرحين بالرقص على الجدار؟”
ورد قائلا:“لست النوع من الرؤساء المبتهجين”. ما كان يعنيه أولا هو أن الشك ما زال يلف ما يحدث. وأيضا لكي لا يظهر منتشيا. لأننا كنا قلقين لحظتها من ردة فعل غورباتشي. فهل سيعرضه ما يحدث لتهديد المتشددين في الكرملين الذين قد يشعرون بأنه يتخلى عن الاتحاد السوفياتي؟.”

يورونيوز : كيف ساهمت الولايات المتحدة في سقوط الجدار؟

برينت سكووفورد : أعتقد أننا ساهمنا جميعا في سقوطه بوقوفنا بحزم أمام الاتحاد السوفياتي. عندما وصل الرئيس بوش إلى سدة الحكم، كان هناك الكثير من الناس يقولون : الحرب الباردة قد انتهت.
لا شك في أن خطاب غورباتشيف كان مختلفا، جد واعد وجد مشجع.
لكن الحرب الباردة الحقيقية كانت انقسام أوروبا. وهذا لم يتغبر حينها. في جميع أنحاء أوروبا كانت هناك قوات سوفياتية. لذا وضعنا هدفا واضحا : محاولة إخراج القوات السوفياتية من أوروبا. لقد نجحنا في ذلك بإخراجهم من ألمانيا الشرقية.

يورونيوز : كيف تغير العالم بعد 1989؟

برينت سكووفورد : لم يعد تهديد الحرب النووية فوق رؤوسنا. لهذا، فالأمور تغيرت جذريا. وبطريقة أخرى، لم يعد ذلك المشكلة الأساسية والوحيدة في العالم : عالم منقسم إلى كتلتين. عوض ذلك، مشاكلنا اليوم هي في نطاق أصغر، لكنها في كل مكان. إنه عالم مختلف.

يورونيوز : بعد سقوط الجدار، بقيت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة. عشرون عاما مرت والولايات المتحدة تكافح في العراق وأفغانستان. هل هذه المستنقعات تشكل تهديدا للقيادة الأمريكية؟

برينت سكووفورد : العولمة أدت إلى تآكل سلطة الدولة القومية. أصبح حل المشاكل ممكنا أكثر فأكثر عن طريق التعاون بين الدول. لا أرى قيادة الولايات المتحدة كما يراها البعض هنا في السنوات الأخيرة، أي الاعتقاد : “يجب المضي قدما، الآخرون سيتبعوننا”. لم يعد الوضع كذلك.

يورونيوز : كنتم معارضين لحرب العراق الثانية. برأيكم، ما هي الاستراتيجية الصحيحة التي يجب اتخاذها في أفغانستان؟

برينت سكووفورد : مشكل أفغانستان معقد للغاية. لو أننا لم نكن في أفغانستان اليوم، أعتقد أننا لن نذهب مرة أخرى هناك. لككنا اليوم هناك فعلا، ولهذا، فقد خلقنا ظروفا خاصة، ما يعني أنه لا يمكننا القول “الأمور ليست على ما يرام، دعونا نتراجع ونغادر المكان”. إنها منطقة غير مستقرة.
أظن اننا وضعنا الاسترانيجية الصحيحة اليوم. استراتيجية تتمثل في مكافحة التمرد عوض مكافحة الإرهاب.

يورونيوز : ما هو الفرق ما بين مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد؟

برينت سكووفورد : دعوني أضرب لكم مثلا. إذا كانت استراتيجيتكم هي مكافحة الإرهاب، واكتشفتم مكان قائد في طالبان، فستهاجمونه. إذا أدى ذلك إلى مقتل مدنيين، إنها مأساة. لكنها تعتبر أضرارا جانبية. عوض ذلك، إذا كانت استراتيجيتكم هي مكافحة التمرد ورأيتم نفس ذلك الشخص الشرير، فلن تهاجموه لأن قتل المدنيين سيضر كفاحكم أكثر من نفع القضاء على ذلك الشخص الشرير. هذا هو الفرق.

يورونيوز : ما هي أهم الأخطاء التي ارتكبها البيت الأبيض في سياسته الخارجية بعد سقوط جدار برلين؟

برينت سكووفورد : أحد أهم الأخطاء كان الابتهاج المبالغ فيه لسقوط الجدار ونهاية الحرب الباردة…. لقد نسينا أن ذلك كان إهانة وطنية للشعب الروسي… كان ذلك بالتأكيد صدمة بسيكولوجية….
خلال تلك الفترة، نسينا ذلك ولم نعر له اهتماما كافيا. ولهذا قمنا بأشياء عمقت الشعور بالإهانة وأظن أننا رأينا ذلك بجلاء مع الرئيس بوتين.. لقد سمعته يوما يقول: “عندما كنا على الأرض، دستم علينا ووسعتم حلف الناتو إلى الحدود الروسية، قمتم برفض معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية… اليوم استعدنا قوتنا ولن نقبل بعد الآن ذلك”.
أعتقد أن هذا التصرف البسيكولوجي يُعقد التعاون مع روسيا في ملفات يعتبر التعاون فيها مهما بالنسبة لنا : إيران والإرهاب وعدة ملفات أخرى. لذا أظنها أحد أكبر الأخطاء التي قمنا بها.
ارتكبنا خطأ آخر : لقد كانت لنا سلطة لم تكن لأحد من قبل في العالم، منذ الإمبراطورية الرومانية على الأقل. لكن غالبا ما اعتقدنا أنه بإمكاننا فعل أي شيء بدون طلب مساعدة أي كان. كان ذلك خطأ آخر.

يورونيوز : هل هناك جدران جديدة آيلة للسقوط؟

برينت سكووفورد : لا أرى شيئا آخر أكثر رمزية من جدار برلين كما كان للحرب الباردة. كان رمزا ملموسا لانقسام قوي بين نظرتين لما يجب أن يكون عليه النظام العالمي.

يورونيوز : ما زالت هناك جدران في العالم. إنني أفكر في الجدار الإسرائيلي…

برينت سكووفورد : في بعض الأحيان يمكنكم التبرير : الجدران تساعد على تجنب الحرب لأنها تبقي أناسا يكرهون بعضهم البعض منفصلين. لكن بشكل عام، الجدران تمنع الحوار. الحوار الذي يبقى الوسيلة الوحيدة لحل المشاكل. لا يمكنكم حل المشاكل بالجدران….