عاجل

تقرأ الآن:

عالم الاجتماع والمؤرخ الفرنسي الألماني الأصل ألفرد لا ينفك يرددها منذ خمسين عاماً هي التالية: "أريد أوروبا، أريد أوروبا".


العالم

عالم الاجتماع والمؤرخ الفرنسي الألماني الأصل ألفرد لا ينفك يرددها منذ خمسين عاماً هي التالية: "أريد أوروبا، أريد أوروبا".

سؤال: السيد غروسّر، أوروبا على حافة الغرق.. هل هيّأتَ لها زورق النجاة؟

غروسر: ليس لدي زورق إنقاذ، لكن يمكن أن يكون هناك كارثة ونتائجها تنتشر في كل مكان. هناك إفلاس في العديد من الدول. لا يمكن التغلب على الإفلاس من دون تخفيف وتيرة النمو الذي نحتاجه أيضاً للتخفيف من الإفلاس. وإذاً نحن في دوامة في دائرة مفرَغة. وسيكتشف الأوروبيون أنه لا يمكن أن يكون لهم عملة نقدية مشتركة من دون أن يكون لديهم سلطة مشتركة على الموازنات المالية والضرائب.

سؤال: يقول المحللون إننا ما زلنا في بداية الأزمة. هل هناك أسباب سياسية لهذه الأزمة؟

غروسر: أولاً المحللون كانوا دائماً على خطأ. وهذه المرة هم مخطئون أيضاً. لم يقل أحدٌ من المحللين إن الأزمة اليونانية مقبلة ولم يقل أحد إن الأزمة ستكون حادّة، إذاً بمعنى معين أخطأ المحللون. ويقول الخبراء إنهم علميون لكنهم غير علميين. وأرى أن أحد الأسباب السياسية هو عدم وجود تنسيق كاف بين الأوروبيين، عدم وجود أوروبا ذات سلطة مركزية على الصعيد الاقتصادي والمالي. في العام 1945 وقفتُ ضد وحدة أوروبا الدفاعية، وكان أحد الأسباب التي دفعتني إلى ذلك الموقف هو ما معنى وجود جيش مشترك من دون أن تقود هذا الجيش سلطة سياسية مشتركة؟ ومنذ أن أنشأنا اليورو كتبت (وبإمكاني أن أقدّم الدليل على ذلك) ما يلي: “حسناً أنا مع اليورو ولكن ما معنى عملة مشتركة ليست لها سلطة مركزية تتخذ الإجراءات اللازمة كالسياسة المالية والضريبية؟

سؤال: وهل أوروبا المشروع السياسي موجودة جاهزة في درج من الأدراج يكفي أن نُخرجها منه؟ أم أن أوروبا القوية والموحدة على الصعيد السياسي هي حلم من الأحلام الوهمية؟

غروسر: كلا أوروبا ليست حلماً وهمياً بل هي ضرورة واقعية لا بد منها. لكن أحداً لا يُقرّ بهذه الضرورة ويا للأسف. بدأ ذلك سنة ألف وتسعمئة وثلاث وخمسين وفرنسا قالت لا لأوروبا السياسية. لذلك فشل فيما بعد الدفاع الأوروبي المشترك. وفي فرنسا هناك دائماً رأي سلبي اختصره في ذلك الوقت جورج بومبيدو سنة أربعة وستين بقوله: “على فرنسا أن تلعب دور أوروبا” ولم يقل: “على فرنسا أن تلعب دوراً في أوروبا”. قال إن أوروبا يجب أن تكون فرنسا. هذا الغرور الفرنسي هو سبب الأزمة الأوروبية.

سؤال: ما هي مخاطر أوروبا الموحدة سياسياً؟ أي ما الخطر من أوروبا السياسية؟

غروسر: ليست هناك أي مخاطر ولا أرى في ذلك إلا الخطر الذي يهدد مشاعر الغرور القومية فقط.

سؤال: هل تتقرر السياسة الأوروبية في بروكسيل؟ أم في برلين أم في باريس؟

غروسر: لا في هذه ولا في تيك ولا في تلك. باريس وبرلين تسعيان إلى الكلام بصوت واحد لكي يؤثرا في الدول الأوروبية الأخرى. بعد اتفاقية لشبونة صار من الصعب معرفة أين توجد السلطة الأوروبية. فمثلاً لا أحد يعرف مَن عليه وأين عليه أن يقرر في مجال السياسة الخارجية المشتركة: هل هو من صلاحيات رئيس المفوضية الأوروبية؟ أم من صلاحيات نائبة الرئيس المكلّفة بهذا الملف؟ أم من صلاحيات رئيس المجلس الأوروبي؟ يبدو أن الجميع يتخبطون في دوامة وأسوأ ما في الأمر أن أحداً لا يعرف كيف تكون السياسة الأوروبية المشتركة.

سؤال: هل يمكن أن تكون اتفاقية لشبونة هي الوثيقة الصالحة لمستقبل أوروبا؟

غروسر: أعتقد أنها تصلح أساساً ومنطلقاً.. ولعلّ الأزمة سترغم الحكومات بما فيها الحكومتين الفرنسية والألمانية على الاقتناع بضرورة أوروبا متماسكة تتمتع بالمزيد من السلطات.

سؤال: ما رأيك بالمؤسسات الأوروبية؟

غروسر: البرلمان يقوم بعمل جيد جداً وحقق إنجازات مهمة جداً. وهو يكتسب المزيد من الوزن والأهمية. لكن يا للأسف لا يقدّر أحدٌ أن هذا البرلمان هو مؤسسة أنشئت بأسلوب ديمقراطي. في ألمانيا يعرفون ذلك أكثر مما في فرنسا. المفوضية الأوروبية تعمل بأفضل مما كان متوقعاً منها، خصوصاً حين انضمت دول جديدة. كل حكومة تسمّي مفوّضها. ورئيس المفوضية عليه أن يختار المفوّضين تبعاً لكفاءاتهم وليس تبعاً لجنسياتهم.

سؤال:
مارأيك بالرئيس الدائم لأوروبا، هل يتمتع بما يكفي من صلاحيات؟

غروسر: كلا ليست لديه سلطة ولا صلاحيات. لكنه يعمل ما في وُسعه. الأمر أكثر تعقيداً أيضاً في ما عنى رئيسة الدبلوماسية الأوروبية لأن عليها أن تتكيّف مع هذه الوظيفة. عليها أيضاً أن تعرف صلاحياتها. عليها أن تُسيّر إدارة هائلة الاتساع ومهمات موسعة. من هنا منشأ الخلط بين رئيس المفوضية ورئيس البرلمان ووزيرة الشؤون الخارجية. هذا الخلط يجعلنا لا نعرف من يمثل أوروبا؟ من هو سفيرها في الخارج؟ هناك فوضى في هذا المجال. أعتقد أن الرئيس الأوروبي ارتاح من منصب رئاسة الحكومة في بلده بلجيكا لأن الوضع هناك أكثر تعقيداً. هنا يقوم بعمله على نحو هادئ وفعّال.

سؤال: على أوروبا أن تتمدد وتتوسّع الآن أم عليها أن تتقلّص ؟

غروسر: يجب ألا تتقلّص بأي حال من الأحوال.يجب ألا تخرج منها أي دولة عضو فيها. ومنذ البداية كان الوضع على هذا النحو: يوجّه الجميع النقد لأوروبا لكن الجميع يريد الانضمام إليها. ثمة ملفات معقدة لدول تريد الانضمام، لكني أعتقد أن الملف التركي ليس ملفاً معقداً ولا صعباً. علينا أن نقول لتركيا افعلي مثل سويسرا. استفيدي من الفوائد الأوروبية من دون أن تكوني عضواً في أروبا. استفيدي اقتصادياً من دون أن تتحملي تبعات سياسية. وإلا فقد نتورّط في حرب مع العراق أو مع إيران الخ.. هناك مثلاً عمليات عسكرية تركية في كردستان العراقية. لا نريد كردستان مستقلة لأننا نخشى مما قد يفعله الأكراد في تركيا.

سؤال: كنت على الدوام من أنصار أوروبا وتدافع عن أوروبا. ما هي نصيحتك للأجيال المقبلة؟

غروسر: أولاً أنا لم أدافع عن أوروبا أنا أردت أوروبا دائماً وفعلت كل ما في وُسعي لكي يكون هناك المزيد من أوروبا. يمكن لنا أن نُري الجيل الناشئ ما فعلناه حتى الآن وما هو موجود وقائم حتى الآن. ولو أننا قدّمنا لروبرت شومان سنة ألف وتعمئة وخمسين ما لدينا اليوم لكان في غاية الحبور والسرور. الآن لدينا أقل مما كنا نحلم به لكن لدينا أيضاً أكثر مما كان يمكن فعله.