عاجل

هذا الرجل الذي يعتمر القبعة خسر معركته ضد الكرملين بعد ثماني عشرة سنة أمضاها رئيساً لبلدية موسكو. كان مديراً لشؤون عشرة ملايين ونصف المليون مواطن روسي يعيشون في العاصمة موسكو وأميناً على مائتي مليار يورو أي ما يعادل ربع الناتج القومي لروسيا أما اليوم فإن يوري لوجكوف لم يعد رئيساً لبلدية موسكو. إنه آخر الكبار الذين وضعهم بوريس يلتسين على رأس مناصب رفيعة في البلاد فقد تبوّأ هذا الشيوعي العتيق منصب رئاسة بلدية موسكو سنة اثنتين وتسعين. كالعديد من أبناء جيله في تلك الفترة المضطربة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبدأ بإدخال تغييرات جذرية على المظهر الخارجي للعاصمة فبدّل حلتها القاتمة وألبسها حلّة جديدة تليق بالرأسمالية الموسكوبية الباذخة المترفة لكن وراء هذا المظهر الباهر أخذت موسكو تعاني من غلاء المعيشة الفاحش والفساد والتلوّث.
يُشيد أنصار لوجكوف بالإنجازات العمرانية الضخمة التي حققها مثل الطريق السريع المحيط بالعاصمة وكنيسة السيد المخلّص.
لكن هذا النهوض العمراني لم يُخف الشقة التي ازدادت اتساعاً بين الأغنياء والفقراء والتي تظهر للعيان خارج أحياء العاصمة المترفة. ويتهمه مناوئوه بأنه لم يصُن المباني التاريخية وضحّى بها من أجل مشاريع المقاولين التجارية.
بين هؤلاء المقاولين زوجته التي كانت موظفة بسيطة في البلدية وهي اليوم المرأة الأكثر ثراءً في روسيا. إذ تقدَّر ثروتها بثلاثة مليارات دولار. وهي صاحبة أكبر امبراطورية عقارية في البلاد. وتتهم بأنها على رأس الفساد في روسيا. حتى أن خصوم لوجكوف نظموا حملةً متلفزة جرى بثها الأسابيع الماضية على قنوات مقرَّبة من الكرملين اتهموه بأنه حامي حمى أنشطة زوجته ويشجع على الفساد ويتلقى الرشاوى وبأنه لم يهتم بالموسكوفيين أثناء الحرائق الأخيرة بل اهتم فقط في إيجاد مكان آمن لمناحله الكثيرة التي تدر عليه أرباحاً طائلة من تجارة العسل داخل روسيا وخارجها. لوجكوف قومي روسي متشدد ومتطرف في مواقفه المعادية للمثليين الذين كانت مظاهراتهم تتعرض للقمع بالشدة نفسها التي تقمع بها مظاهرات المعارضة. عيّـنه يلتسين سنة اثنتين وتسعين وأُعيد انتخابه مباشرة ثلاث مرات في ستة وتسعين وتسعة وتسعين وألفين وثلاثة. لكن بوتين ألغى في العام ألفين وأربعة العملَ في انتخاب محافظي المناطق ورؤساء البلديات فمهّد السبيل أمام اقتلاع لوجكوف من منصبه مجازفا بخسارة ملايين الأصوات في حزب روسيا المتحدة التي يهيمن عليها لوجكوف والتي قد لا تصوت لبوتين في الانتخابات الرئاسية المقبلة سنة ألفين واثنتي عشرة.
منذ وقت قصير بدأ لوجكوف يخسر نفوذه وتتهاوى شعبيته، لكن في لعبة السياسة المتحركة في روسيا قد يكون للوجكوف تأثيرٌ فاعل في اللحظة الأخيرة.