عاجل

عاجل

أمين معلوف: أميراً للأدب في أستورياس

تقرأ الآن:

أمين معلوف: أميراً للأدب في أستورياس

حجم النص Aa Aa

بحضور فيليب دو بوربون أمير أستورياس وملكة إسبانيا صوفيا. تم توزيع جوائز أستورياس لعام ألفين وعشرة. وكان للكاتب اللبناني أمين معلوف حصة جائزة أمير استورياس للأدب. كما ألقى صاحب سمرقند بعد تسلمه الجائزة كلمة هذا نصها.

“السمو الملكي ، أصحاب السعادة ، أعزائي أعضاء المجلس ، أيها الأصدقاء الأعزاء، تمتلكني فرحة عارمة عند تلقي جائزة مؤسسة أمير أستورياس، أريد أن أعرب عنها، كجميع المتكلمين الآخرين في لغة سرفانتس، بورخيس، وغارسيا لوركا. للأسف، اللغة القشتالية هي لغة أحب سماعها، وقراءتها، وأفهمها نوعاً ما. لكنني غير قادر على استخدامها بالدقة التي تستحقها. الليلة يملؤني الخجل، فأنا استخدم لغة من الجانب الآخر من جبال البيرينيه وهي الفرنسية، وبلكنة من الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، وهو موضع اهتمام مؤسستكم وبلدكم، الا وهو التنوع في العالم.

هذا التنوع في العالم، هذا التنوع الثقافي غير العادي الذي يميز كل المجتمعات البشرية اليوم، جميعا بتنا ننشده، ولكن أيضا، نعاني منه أحياناً. فكما هو ثروة لبلادنا، فإنه أيضا مصدر للتوتر. فالأمم المبنية على أساس التنوع العرقي والهجرة هي من بين الأكثر ديناميكية في العالم، يكفي النظر وراء المحيط الأطلسي لنقتنع بذلك. لكن هذه الدينامية كثيرا ما تكون مصحوبة بالشعور بالضيق، والتمييز والكراهية والعنف.

التنوع في حد ذاته ، ليس بنعمة ولا بنقمة. هومجرد واقع، وحقيقة. فالعالم عبارة عن فسيفساء من الأشكال، ومع الوقت بلادنا ، ومدننا ستأخذ شكل هذا العالم. والسؤال هو ليس ما إذا كنا نستطيع العيش معا رغم اختلافاتنا اللغوية أو العرقية أو الدينية ، السؤال هو كيف نعيش معا ، وكيفي نجعل تنوعنا رصيدا بدلا من مأزق.

العيش معا ليس من طبيعة البشر. فردّ الفعل العفوي في كثير من الأحيان هو رفض الآخر. والتغلب على هذا الرفض، يأخذ عملية طويلة من التربية المدنية. فعلينا أن نكرر للأجيال أن هوية البلد ليست صفحة فارغة حيث يمكنك كتابة أي شيء، أو صفحة مكتوبة مسبقاً ومطبوعة. هي صفحة تتم كتابتها، هناك تراث مشترك — مؤسسات وقيم وتقاليد، وأنماط حياة، على الجميع الالتزام بها ولكن أيضا على الجميع ألا يتردد في المساهمة فيها، وفقا لمواهبه الخاصة، ولحدسه الخاص به. وتثبيت هذه الرسالة في أذهان أجيال اليوم ، من وجهة نظري، هي مهمة ذات أولوية بالنسبة للنخب الثقافية.

الثقافة ليست ترفا يمكننا تحمله إلا في الأوقات الجيدة. تتمثل مهمتها في طرح الأسئلة الأساسية : من نحن؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ ما الذي نحاول بناءه؟ ما هو المجتمع الذي نسعى له؟ ما هي الحضارة التي نصبو إليها؟ وعلى أي قيم؟ وكيف نستخدم الموارد الهائلة التي يقدمها لنا العلم؟ وكيف نحولها لضمانات للحرية بدلاً من العبودية؟

دور الثقافة يزداد أهمية في الفترات الحاسمة والمليئة بالحيرة. وعصرنا هو زمن الحيرة. وإذا كانت تنقصنا اليقظة، فالقرن الذي بدأ لتوه سيكون قرن الانحدار الأخلاقي — وأقول هذا بكل حزن، ولكني واثق من كلماتي. قرن من التقدم العلمي والتكنولوجي، لا شك. لكن قرنُ الانحدار الأخلاقي. تأكيد الهوية يتفاقم، وفي كثير من الأحيان بالعنف، وبشكل متراجع ما يضعف التضامن بين الأمم وداخل كل دولة، ما يضيق الحلم الأوروبي، ويسبب التآكل في القيم الديمقراطية؛ فسنرى لجوءاً متكرراً للحملات العسكرية والقوانين الاستثنائية.. . والعديد من الأعراض الأخرى.

لمواجهة هذا الانحدار المضطرد لا يحق لنا أن نعفي أنفسنا، أو أن نستسلم لليأس. اليوم، شرف الأدب، وشرفنا جميعاً، هو أن نحاول فهم تعقيدات عصرنا، واستنباط الحلول التي تبقي عالمنا مكاناً جيداً للحياة. ليس لدينا كوكب آخر، وليس لدينا سوى هذه الأرض القديمة، واجبنا هو الحفاظ عليها وإبقاء تناغمها وطابعها الإنساني.

شكرا لكم جميعا على حسن ضيافتكم في هذا الحفل.”