عاجل

لم يعد مستهجنا أمام الناظر العربي، رؤية سفك الدماء في شوارع المدن العربية من قبل أجهزة السلطة كما حصل في المدن التونسية والجزائرية، أو سماع تصدع الأرض العربية على وقع الهزات الانفصالية حتى ولو حطمت مقياس ريختر، وأدت إلى انسلاخ جزء كبير منها كما وقع في جنوب السودان. أو احتلال دولة عربية وتحطيمها من قبل دولة أجنبية، كما حصل في العراق، فالعربي بات فاقد الأمل، وعديم الثقة بزعمائه الذين خذلوه في كل محفل، ومرغوا أنفه في التراب مع كل مطالبة عادلة أو احتجاج ملح.
 
فالأجيال الأولى التي استقبلها القرن العشرون، وتحديدا قبيل الحرب العالمية الأولى، حداها الأمل في مستقبل مزهر، تنعم فيه بالحرية، والديمقراطية، وبحبوحة العيش الكريم، والصعود مع الصاعدين إلى معارج الحضارة والتقدم. ألم يطلقوا على هذه الفترة “عصر النهضة“ ، وجعلوها دروسا في مناهج تاريخنا وقدسوا روادها، كالشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وفارس الشدياق، وسواهم؟ ألم يعدوا الناس بأن هذه النهضة ستحي عظام العالم العربي التي باتت رميما بعد قرون طويلة في كهوف الجهل، والفقر، والقهر، والمرض؟
 
بعد قرن من ذاك الزمان يتساءل الناظر العربي أين هي هذه النهضة؟ وأين هي الحرية؟ و أين هي الديمقراطية، وأين هو العيش الكريم؟ كل الشعوب التي كانت مقهورة ومغلوبة على أمرها في زوايا الأرض الأربع، والتي مرت بفترات مشابهة، تراها اليوم تنعم بنهضة حقيقية، ولها وزنها في الميزان الدولي. ألم يكن الصينيون تحت سيطرة الاستعمار الياباني البريطاني؟ ألم تكن الهند (والباكستان) تحت التاج البريطاني أيضا؟ ولم ينالا استقلالهما إلا بعد ثورتين عارمتين الأولى مسلحة والثانية سلمية؟ واليوم تقارعان القوى الكبرى وتبزهما اقتصاديا، والأمثلة على ذلك كثيرة. فلماذا مازال العرب يدورون إلى الآن في دوامة الأزمات التي لا نهاية لها؟
 
ربما أجاب البعض على هذا السؤال بالجواب التقليدي القائل: إنها قوى الاستعمار، والامبريالية، والصهيونية العالمية. والقوى الخارجية، وهو جواب محبب لهذه الأنظمة، وما زالت تتشدق به.
 
هكذا جواب لم يعد يقنع أحدا. هل هذه القوى، التي نعلق على مشجبها كل مصائبنا، هي التي فرضت التوريث السياسي، وتزوير الانتخابات؟ أو تفشي الفساد والرشاوى؟ هل هذه القوى هي التي زجت في السجون العربية آلاف المعتقلين السياسيين، وقتلت الآلاف من المعارضين المطالبين بالحرية والديمقراطية، واللقمة الكريمة؟ هل هي أيضا التي كانت سببا في أزمات التعليم، والصحة، والسكن، والمواصلات، والبطالة … وسواها من الأزمات المستعصية والمزمنة حتى باتت الشعوب العربية مؤسسة عالمية لإنتاج المآسي والتطرف؟
 

هل تعاني الأنظمة العربية من نقص مادي، وضيق ذات اليد تجعلها غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه شعوبها؟ كل الدراسات الاقتصادية تؤكد بما لا لبس فيه، أن موارد الدول العربية كافية لحل أزماتها لو أنها لم تتعرض للسرقات الفادحة، وسوء الإدارة، والفساد المالي، بل أن بعضها لديه فائض مالي مريح يمن به على دول غربية، ورغم ذلك تعصف به الأزمات والاحتجاجات. فأين هو بيت الداء إذن؟
 
في علم السياسة، إن أي نظام يفشل في حل أزمات بلاده يفقد شرعيته في الحكم، وعليه التنحي وإفساح المجال لمن هو أجدر منه في حلها، وإخراج البلاد من محنتها. ولكن هل هناك نظام عربي واحد، رغم غرقه حتى شحمة أذنيه في الأزمات، والفساد، مستعد للتنحي؟ سؤال سهل الإجابة عليه. إذ يكفي للناظر العربي أن يجول ببصره على الخارطة العربية كي يرى أن زعماء العرب الأشاوس قد التصقوا بكراسيهم منذ عشرات السنين غير آبهين بآلام شعوبهم ومآسيهم، وكأن الأمر لا يعنيهم، فكلمة شرعية لا تدخل في قاموس السياسة العربي، فالكلمة الوحيدة التي تعرفها هذه الأنظمة والتي تعطيها شرعيتها، رغم أنف شعوبها هي كلمة: قمع.
 
اليوم في العشر الثاني من القرن الواحد والعشرين، مازلنا ننتظر عصر النهضة الذي وعدنا به القرن الماضي. ولكن هل يمكن للنهضة أن تثمر في السجون؟ وتحت وطأة أجهزة المخابرات، ورصاص قوات الأمن؟ واحتكار السلطة وتوريثها؟ النهضة تجيب على هذا السؤال بالنفي القاطع.
 
إن معظم الشعوب العربية هي التي نهضت ودفعت ضريبة دم غالية لنيل الاستقلال وطرد الاستعمار من أراضيها، ممنية النفس بتحقيق الرخاء والرفاهية والحرية، ولم تكن تتوقع يوما أن أنظمة الاستقلال ستكون أشد بطشا عليها من الاستعمار، وأكثر فسادا.
لقد تحملت هذه ما تحملت، من فقر، وقهر، وذل، وبما أن الشعوب كالماء تبحث دائما عن منفذ، فلا بد لها يوما أن تضرب جدار السد الذي حجزها طويلا عن تحقيق نهضتها, كما حصل في الثورة التونسية الشعبية الحقيقية، وتغرق هذه الأنظمة التي يبدو أنها لم تتعظ من دروس سابقيها الذين أغرقهم الطوفان الثوري وبصق عليهم التاريخ.
رياض معسعس
رئيس القسم العربي