عاجل

لم يكن مستغربا أن نسمع أصوات المصريين تنادي بالعدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي الجذري في مصر. فالآلاف التي تدفقت في شوارع المدن المصرية كالتيار الهادر، تهتف بسقوط النظام، قد وصلت إلى مرحلة الانفجار. إلى نقطة اللاعودة.ولكن..
ثلاثون عاما من سيطرة الحزب الواحد، والرئيس الأوحد، جعلت من بلد الأهرامات إحدى أصغر الدول العربية تأثيرا في محيطها مع ضخامة حجمها، وعراقة تاريخها، وموقعها الاستراتيجي الفريد. كما فاقمت الفاقة، جراء فساد إداري ومالي مستشر في جسد الدولة بكل مرافقها. الانتخابات الأخيرة التي رفضتها أحزاب المعارضة لعدم شفافيتها زادت في تذمر المصريين الذين باتوا تواقين لرؤية وجوه جديدة ونظيفة اليدين إسما وفعلا. وجاءت الثورة الشعبية التونسية لتعطي مثالا حيا يحتذى به في جميع البلدان العربية التي تعاني شعوبها ما يعاني الشعب التونسي والمصري.ولكن..
إذا عطست مصر أصيب العالم العربي بالأنفلونزا، بهذه الكلمات عبر أحد المثقفين المصريين بالدعابة المعروفة عن المصريين. فالعالم العربي بأكمله يسرق النظر من خصاص الباب منتظرا” عطسة مصر” حتى تبدأ حرارته بالارتفاع. فمصر تدخل في مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث ستحمل دون شك في طياتها عهدا جديدا أقرب إلى معطيات القرن الواحد والعشرين منه إلى القرن العشرين. تبدأ بغياب رؤوس كبيرة عن الساحة، اعتاد المصريون رؤية صورها على الشاشات الصغيرة المصرية في قيامهم وقعودهم. ولكن..
المصريون من جيل الفترة المباركية، والذين لم يشهدوا سوى هذه الصور منذ ولادتهم حتى زكمت أنوفهم، يشكلون نسبة كبيرة من الشعب المصري، والقسم الأكبر من العاطلين عن العمل، والقابعين تحت أسفل السلم الاجتماعي، ( أكثر من ستة ملايين عاطل عن العمل، حوالي عشرين مليون مصري تحت خط الفقر، ستة ملايين يعيشون مساكن عشوائية، أكثر من عشرين مليون أمي، ثمانمائة مليار جنيه الديون الخارجية والداخلية). ينتظرون تغييرا فعليا بكل ما أوتوا من فارغ صبر، وحزم البطون. فمصر تقف على مفترق طرق وعر المنعطفات والمعارج: فإما التغيير بوضع نقطة نهائية في صفحة العقود الأخيرة وطيها لبدء صفحة جديدة أكثر نصاعة، وبوجوه أكثر نضارة وشبابا، أو وضع فاصلة ، والاستمرار في نهج “المباركية” بعجرها وبجرها. ( مرحلة الرئيس حسني مبارك البالغ من العمر 82 سنة، والذي استلم الحكم في مصر منذ اغتيال سلفه الرئيس أنور السادات في العام 1981). في الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستقام في العام 2011. ولكن..
المصريون الذين بلغ فيهم ضيق ذات اليد مبلغا وخيما، وضاقوا ذرعا بالوعود السرابية في التغيير وتحسين أوضاعهم المعيشية، وحملوا همومهم ثقيلة على ظهورهم، وضاقت بالكتمان صدورهم، هل سيتقبلون بقلب مفتوح، وابتسامة عريضة، وتصفيق حاد عملية توريث سياسي ولدا عن والد ؟ ربما ولكن..
الأيام المقبلة لا محالة حاملة في طياتها بذور أيام عصيبة ستعيشها مصر تحت وطأة خيبة الأمل في التغيير. فالمصريون بسكينتهم المتفجرة في أية لحظة والتي يصعب رصدها بمعايير التحليلات السياسية والاجتماعية، و التقارير المخابراتية، تجعل جلهم يرفضون رفضا قاطعا عملية التوريث السياسي التي يتم التحضير لها ،. ويطالبون بالغاء قانون الطواريء ( قانون الطواريء معمول به منذ العام 1981، وتم تمديده مؤخرا لمدة عامين)، وبتأمين العيش الكريم، فهل تتجاهل الرؤوس العليا هذه المؤشرات؟ ربما ولكن..
اليوم يحرق المصريون أنفسهم احتجاجا على أوضاعهم المزرية، ويقدمون أنفسهم قرابين للوصول إلى حريتهم ولقمة عيش كريمة. كما فعل بطل تونس ورمز ثورتها محمد البوعزيزي. ورغم أن وزير الخارجية المصرية قال مستهزئا بأن عدوى الثورة التونسية يمكن أن تصل إلى مصر مجرد كلام فارغ. فيبدو أن هناك من لا يتقن قراءة المؤشرات الشديدة الوضوح أمامهم. ولا يمكنهم أن يستشفوا المستقبل. فجرثوم الثورة التونسية يبدو أنه تسلل إلى مخدع كل مصري. فالكيل لم يعد يتسع لقطرة أو قطرتين، وإذا ما طفح الكيل، فهل ننتظر الويل، في بلد أبي الهول؟ وهل سترتفع حرارة الوطن العربي إلى حد الانفجار بعد أن عطست مصر؟
ربما ولكن …
رياض معسعس