عاجل

لكل ثورة شعاراتها، فالثورة الفرنسية التي أشعلها الفرنسيون بعد قرون من حكم ملكي متسلط ، كان الشعار الأكثر ترديدا على الألسن:” أخوة، مساواة، حرية”. وهذه الكلمات الثلاث كانت تختصر تطلعات شعب، وتعكس مطالبه التي افتقدها، فالأخوة كانت ترمز إلى إعادة توحيد الشعب الذي قسمته الملكية إلى ثلاث فئات: “النبلاء، رجال الكنيسة، الرعاع“، أما المساواة فكانت ترمز إلى تحقيق العدل بين فئات الشعب والمساواة أمام الفرص التي كانت منعدمة تماما، أما الحرية فكانت تعكس المطالبة بإنهاء حالة القمع والقهر والتعسف التي كانت سائدة خلال قرون.

بالنسبة للثورة الروسية فقد كان الشعب الروسي يهتف بشعار:” الخبز، السلام، الأرض”. وهو شعار عكس حالة الجوع التي كان يعيشها الشعب الروسي تحت حكم القياصرة، ورفض الإقطاع، وتحقيق السلام لأن الثورة اندلعت إبان الحرب العالمية الأولى.
اليوم ونحن نعيش أياما تاريخية، سيسطرها التاريخ كأول ثورة شعب حقيقية ضد حكامه في العالم العربي منذ قرون ( باستثناء الثورات التي قامت ضد الاستعمار). وضع الشعب بعفوية شعاراته التي ترد على متطلباته الأساسية التي حرم منها.

الثورة التونسية التي اندلعت على غفلة من سيد قصر قرطاجة الذي كان ينام وحرمه المصون على حرير الطمأنينة التي وفرها لهما، ولما لف لفيفهما، رجال الأمن، والمخابرات، والميليشيات، والعصابات.أطلقت شعارها الأول الذي اختصر بكلمة فرنسية واحدة : “ ديغاج“، أي: إرحل أو بتعبير أدق: “إنقلع” كما ينطقها الشرقيون. وهذه الكلمة التي يستعملها الفرنسيون عندما يرغبون في طرد شخص ما ولكن بلهجة تحقيرية، هذا ما أراد التونسيون أن يقولوه لسيد قصر قرطاج : “إنقلع”. بعد ثلاث وعشرين سنة من حكم متسلط، ومتجبر، ومفسد. ونجح الشعب التونسي في طرد الطاغية خلال أيام معدودات. أما الشعارات الأخرى التي هدرت بها الحناجر، والتي كانت تغص بالحرقة والمرارة، كانت أيضا تعكس متطلبات الشعب. فالشعار هو عبارة تختصر ببلاغة المشهد الثوري، وتلم بمطالبه. شعارات تحمل رغم بساطتها ألام سنين القهر والحرمان، في مقدمة هذه الشعارات كنا نسمع أبيات أبي القاسم الشابي الخالدة.

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر

أما ما نظمه الشعب فكان أيضا شديد البلاغة والتعبير:
“التشغيل استحقاق، يا عصابة السراق“، “بن علي يا جبان، شعب تونس لا يهان“، “تونس حرة حرة، بن علي على برَّه “، “خبز وماء، وبن علي لا“، “أوفياء أوفياء، لدماء الشهداء“، “الشهيد الشهيد، على المبادئ لا نحيد“، “بن علي في السعودية، والحكومة هي هي“، “الشعب يريد إسقاط الحكومة” “اعتصام اعتصام، حتى يسقط النظام”.

وسقط النظام سقوطا مدويا، سمعت أصداؤه في أركان المعمورة، وفي العواصم العربية ذوات الشعوب المقهورة. فمنها من صمت “صمت الطرشان“، وكأن هذه الثورة قد اندلعت في كوكب “أفتار“، ومنها من استخف بنظرية العدوى، وكأن الأمر لا يعنيه لأنه محصن ضد جراثيم الثورات. لكن الماء هي اختبار للغطاس عندما يهدر الطوفان. فالإعصار الثوري بدأ عصفه في تونس، وبالأمس انتقل قصفه إلى مصر وانتقلت معه نفس الشعارات وفي مقدمتها: “ ديغاج” التي كتبت على لافتة كبيرة، الموجهة إلى حسني مبارك هذه المرة ونظامه الجاثم على صدور المصريين منذ ثلاثة عقود عجاف. فسمعنا “ مصر حرة حرة ومبارك على بره “، “ وأنتم السابقون ونحن اللاحقون” و “ الشعب يريد إسقاط النظام”. وسواها. هذه الشعارات جاءت متشابهة مع الشعارات التي طرحت في الشارع التونسي، لأن الشعوب العربية ككل تعيش الحالة ذاتها وبالتالي ستهتف نفس الشعارات، فسنسمع كلمة “ ديغاج” في معظم عواصم ومدن البلاد العربية قريبا، تهتفها الحناجر لطرد جلاديها، هذا الطوفان الجارف لا بد وأن يجرف معه هذه الأنظمة واحدا تلو الآخر كأحجار الدومينو، وسيتسلق الطغاة سفينة النجاة، من كل بلد زوجين، فارين من الغرق ومن نقمة الأيادي التي كبلوها بالأصفاد لسنين طويلة، حيث لا تنفعهم أجهزة مخابرات، ولا ميليشيات، ولا المبالغ الفلكية الراقدة في المصارف الأجنبية. فلشعوب العربية ستصرخ عاليا بكلمة: ديغاج.

رياض معسعس
رئيس القسم العربي