عاجل

عاجل

في مصر ... تمشي بآلة تصوير في الشارع إذن أنت عميل إيراني

تقرأ الآن:

في مصر ... تمشي بآلة تصوير في الشارع إذن أنت عميل إيراني

حجم النص Aa Aa

في ظل مناخ الرهاب والفوبيا والشك الذي يجتاح مصر من الأجانب والذي أشاعه التليفزيون المصري على جميع قنواته في محاولة من النظام لزرع الفوضى في الشارع المصري وإفهامه أن ما يحدث من انفجار شعبي ما هو إلا مؤامرة خارجية من أصابع تريد العبث بأمن مصر وشعبها، أصبح الخروج بآلة التصوير في الشارع مغامرة حقيقية قد تعرض صاحبها للخطر والوقوع في فخ الاتهامات المجهزة مسبقا بالخيانة العظمى والعمالة لجهات خارجية. وهذا ما حدث بالضبط مع المصور الفوتوغرافي المصري حمدي رضا الذي ساهم بشكل فعال في تصوير وتوثيق الانتهاكات التي قامت بها قوات الأمن المصرية في حق المتظاهرين المناهضين لنظام الرئيس مبارك يوم 28 يناير/كانون الثاني وما تلاه من أيام وحتى يومنا هذا، والذي تم توقيفه في الشارع من قبل قوات الأمن ومعاملته على أنه عميل إيراني بسبب آلة تصويره ولحيته الصغيرة. حمدي رضا تحدث مع يورونيوز عن تجربته مع الأمن والجيش المصريين وهي التجربة التي استمرت ما يقرب من يوم وليلة.

يقول حمدي: “ يوم الأربعاء الحزين 2 فبراير/شباط الماضي كنت في ميدان التحرير أصور هجوم مؤيدي مبارك وبلطجية نظامه على المعتصمين السلميين العزل في الميدان، قضيت ليلتي هناك في شقة مطلة على الميدان وغادرت في الصباح الباكر للعودة إلى منزلي، وهو يقع في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة ويدعى أرض اللواء، أخذت تاكسيا وفي أثناء مرورنا بشارع الجلاء أوقفتنا نقطة تفتيش لرجال الشرطة وكانوا بصحبة أحد ضباط الجيش. أنزلوني من السيارة وقاموا بتفتيشي وعندها وجدوا آلتي تصوير رقميتين في الحقيبة فأصابهم الغضب الشديد وبدأو باتهامي بالعمالة لإيران وعندما طلبوا التحقق من شخصيتي أعطيتهم هويتي التي توضح أنني فنان تشكيلي فسألني ضابط الجيش لماذا أقوم بالتصوير إذا كنت رساما، فأوضحت له أنني مصور أيضا والأهم من ذلك أنني مصري وأهتم بشؤون بلادي. الشرطيون لم يصدقوا هذا وقالوا إن أوراقي مزورة وبدأوا في معاملتي بقسوة ولولا ضابط الجيش لكانوا اعتدوا علي بالضرب المبرح. احتجزوني لمدة ثلاث ساعات وفي أثناء ذلك جاءت مجموعة من ضباط مباحث أمن الدولة من الرتب العسكرية الكبيرة فيهم لواء، هذا اللواء بصق في وجهي وأخذ يقول بنبرة تهديد إن مصيري السجن وتهمتي هي الخيانة العظمى وأرادوا اصطحابي إلى أحد مراكزهم العتيدة، وفي هذه اللحظة تدخل ضابط الجيش وأخبرهم أن الجيش هو المخول الآن بالتحقيق في مثل هذه الحالات ومنعهم من اصطحابي، ثم طلب مني مرافقته.

ذهبت معه إلى أحد نقاطهم المتمركزة في شارع الجلاء أمام مبنى صحيفة حكومية مشهورة، وهناك وجدت صحفيا فرنسيا من أصل لبناني يعمل مراسلا لقناة “أر تيه” الفرنسية بالإضافة لصحفي قبرصي، وللأمانة كان الجيش يعاملنا معاملة إنسانية. أدخلوني إلى مكتب ضابط آخر وقاموا بتفتيشي مرة أخرى وهذه المرة وجدوا آلة تصوير واحدة ولكني لم أتكلم فقاموا باستدعاء أحد المصورين للكشف على آلتي نظرا لأنها على ما يبدو كانت ذات تقنية متقدمة بالنسبة لهم. كان المصور الذي أحضروه متعاطفا معي فقام بمسح كل الصور الموجودة وأخبرهم أنه لم يجد شيئا، وهنا انتابني شعور بالتحدي فأخبرت الضابط أن ما يريده من صور موجود على آلة التصوير الأخرى التي سرقها الشرطيون، فأرغى وأزبد وطلب من جنوده التوجه إلى نقطة تفتيش الشرطة لاستعادة الآلة الأخرى قائلا: اذهبوا واحضروا الآلة الأخرى من أولاد العاهرة هناك، وبالفعل نجحوا في استعادتها وقام المصور باستخراج بطاقة الذاكرة منها وأعطاها للضابط. طلبوا مني الجلوس وبعد فترة من الوقت بدأ الجنود في الخروج بسلاحهم بسرعة مما أعطاني إحساسا بأن هناك شيئا ما يجري في الشارع فطلب منا ضابط آخر مرافقته ليقوم بإخفائنا في إحدى الدبابات خوفا علينا من غضب مؤيدي مبارك الذين كانوا منتشرين في المنطقة وفي الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير. مكثنا عدة ساعات ثم طلبوا منا الخروج للذهاب إلى المكتب ليستكملوا إجراءات التحقيق، وفي التحقيق أخبرني الضابط أن شكلي يبدو مألوفا ومشهورا ولهذا السبب فقط سيقوم بالإفراج عني ولولا ذلك لقام باحتجازي. كانت الساعة قد اقتربت من التاسعة وعندما هممت بالخروج نصحوني بالبقاء معهم حتى الصباح خشية أن يتعرض لي البلطجية في الشوارع خاصة وأنهم قد بدأوا في الانتشار بعد دخول حظر التجول حيز التنفيذ منذ عدة ساعات.
أعلمني جنود الجيش بأن أفضل الأوقات للتجول في المدينة تنحصر بين الساعة السادسة صباحا إلى التاسعة صباحا حيث إن البلطجية سيكونون نائمين أو متعبين من السهر طوال الليل. في الصباح قبل مغادرتي طلبت استرداد متعلقاتي التي كانت عبارة عن هاتفي المحمول وبطاقات الذاكرة وآلتي التصوير فأعطوني الآلتين فقط ورفضوا إعطائي البطاقات لأنهم يريدون أخذ ما عليها من صور، وعندما استفسرت عن هاتفي الذي رأيته لآخر مرة في يد الضابط، بدت عليهم الحيرة وقالوا إنهم لا يعلمون عنه شيئا وأنه من الخير لي أن أنجو بحياتي وألا أطالب بشيء تافه مثل الهاتف، وهكذا صادروا مني متعلقات تبلغ قيمتها خمسة آلاف جنيه.

عدت إلى بيتي ولم يعرف أحد من الناس خبر توقيفي عدا أصدقائي المقربين، ومع ذلك كان الناس ينظرون إلي بريبة نظرا لعلاقتي بعدد كبير من الفنانين الأجانب الذين أدعوهم إلى منزلي والذين يشاركون في صالة المعارض بالمركز الثقافي الذي أقمته في نفس المبنى وأطلقت عليه “أرت اللواء“، مما كشف لي حجم غسيل المخ الذي يمارسه الإعلام المصري على عقول هؤلاء الناس البسطاء الذين كانوا يشاركوننا الثورة حتى مساء الثلاثاء الأول من فبراير/ شباط قبل أن يلقي مبارك خطابه”.
يذكر أن جريدة “اليوم السابع” المستقلة المصرية قد نشرت خبر اعتقال حمدي على موقعها الإلكتروني بوصفه عميلا إيرانيا وهو الفعل الذي ربما يكون قد ساهم في إطلاق سراح حمدي بسبب تدخل بعض الشخصيات التي تعرفه جيدا كما أخبرني هو بنفسه.

الصور المعروضة هي صور التقطها حمدي رضا أثناء المواجهات مع قوات الأمن في “جمعة الغضب” يوم 28 يناير/كانون الثاني

حسين عمارة