عاجل

تقرأ الآن:

جوزي بوفي..من حقول فرنسا إلى البرلمان الأوروبي..دون عقدة


العالم

جوزي بوفي..من حقول فرنسا إلى البرلمان الأوروبي..دون عقدة

جوزي بوفي…شخصية مثيرة.

كان من بين الأكثر حماسة ضمن أفواج المحتجين المناهضين للعولمة في مدينة سياتل الأمريكية. شارك في تحطيم مطعم ماك دونالد في طور البناء، وساهم في تدمير حقول للمزروعات المعدلة وراثيا قاده مباشرة إلى السجن كعقاب عما فعله. كما اقتحم مقرات شركات متعددة الجنسيات في مبادرة من مبادراته الاحتجاجية ذات الصدى الإعلامي الواسع.

جوزي بوفي فلاح معتز بمهنته، لكنه تخلى منذ عامين عن حياة الريف في منطقة لارزاك جنوب غرب فرنسا، ليتقمص بدلة السياسيين، فهو اليوم نائب في البرلمان الأوروبي..ودون عقدة كما يشرح ذلك:

“لا أعتقد أنني بعتُ نفسي للشيطان. بل أظن أنني حاضر في المكان الذي تُتَّخذ فيه القرارات وأشارك في صنعها. لكن، في الوقت ذاته، لا أتخلى عن الكفاح الميداني الذي أعتبره مهما. في الظرف الحالي، أكافح، على سبيل المثال، ضد التنقيب عن الغاز في الأراضي الشيستية، وضد الرخص الجنونية التي تُعطى للشركات متعددة الجنسيات في هذا المجال. بالنسبة لي، من المهم أن أجمع بين الكفاح محليا والنشاط على المستوى الأوروبي وحتى الدولي”.

جوزي بوفي انتهى، بعد سنين طويلة من الكفاح الميداني المعادي عادة لكل ما يمت للسلطة بصلة، إلى الاندماج في لعبة المؤسسات التي يبدو أنه يحسن المناورة فيها.

تابعنا نشاطه طيلة يوم كامل في مدينة ستراسبورغ من البرلمان إلى الأوروبي إلى النضال على المستوى المحلي.

يبدأ يومه بمراجعة البرنامج الذي ينتظره في مكتبه الصغير، برفقة مساعديْه، قبل الانطلاق في العمل.

جوزي بوفي يعلق عن أجواء عالمه الجديد المعقَّدة:

“يجب فهم الآليات فهما جيدا وتوخي الفعالية، لأنك إذا لم تفعل ذلك، قد تجد نفسك تضيع وقتك في البرلمان الأوروبي. نحن مطلوبون من أجل العديد من القضايا. لذا، إذا لم نحدد غاياتنا وسلوكنا قد نتيه في زخم هذه القضايا. عندما جئتُ إلى البرلمان الأوروبي ، كان لديَّ هدف واضح وهو مسألة الزراعة، التجارة الدولية، وركزتُ جل نشاطي على هاتين المسألتين”.

لم يكن من السهل أن نتبعه خلال تحركاته لكثرتها. كان شديد الهرولة…وراء هدف محدد وهو تغيير النظام قدر الإمكان من داخله. انتخُب بوفي في العام ألفين وتسعة باسم الخضر، وباسمهم أيضا أصبح نائب رئيس لجنة الفلاحة، ما يمنحه موقعا إستراتيجيا في ميدان صنع القرار الفلاحي أوروبيا.

عند خروجه من قاعة الاجتماع في البرلمان، وجدناه مرفوقا برئيس الكتلة البرلمانية للخضر دانيال كوهن بينديت. في العام ألفين وخمسة، كان موقفاهما خلال الاستفتاء على الدستور الأوروبي في فرنسا متعارضين تماما.

اليوم، تبدو تلك الخلافات من الماضي…

النائب الأوروبي ورئيس كتلة الخضر كوهن بينديت يتحدث عن تلك الخلافات:

“بعض الانتقادات التي عبَّر عنها آنذاك لم تكن خاطئة. أما نحن، فقد اخترنا حينها شيئا آخر، وقلنا: رغم هذه الانتقادات، الدستور خطوة إلى الأمام. هو كان يقول رغم هذه الخطوة إلى الأمام، لا يمكن التصويت عليه. والمشكلة لا تكمن في ضرورة أن نكون متفقين على كل شيء بل في أن نكون في فضاء سياسي مشترك يسمح لنا بأن نخوض معارك سياسية معا ثم نتناقش عندما تختلف وجهات نظرنا”.

جوزي بوفي يضع النقاط على الأحرف ويقول إنه لم يناهض البناء الأوروبي بل كان ضد نموذج كلُّ ما يهمه هو الانتاجية.

جوزي بوفي:

“قبل كل شيء، أنا فيدرالي. وأعتقد فعليا اليوم أن أكبر عقبة في وجه أوروبا هي الدول الوطنية التي تعيق تقدم البناء الأوروبي. ونرى ذلك من خلال مسألة الميزانية. الميزانية الأوروبية تشكل أقل من واحد بالمائة من مجموع الناتج الداخلي الإجمالي للدول الأعضاء في الاتحاد الأروبي. أمرٌ سخيف. يجب أن تفهم الدول الوطنية أن مستقبل خمسمائة مليون مواطن أوروبي يمر عبْر ميزانية حقيقية وبالتالي عبْر أوروبا فيدرالية”.

خلال استراحة الغذاء، توجهنا إلى وسط مدينة ستراسبورغ وتحديدا إلى حانة تقليدية آلزاسية. خلال تناول الغذاء، كان جوزي بوفي يُجري نقاشا مع الصحفيين المحليين والأوروبيين.

أما المواضيع التي دار حولها النقاش فهي المحاصيل المعدلة وراثيا، المضاربة حول المواد الأولية، والتغيرات المناخية. بوفي اغتنم المناسبة للإعلان بأنه اختير صبيحة اليوم ليقوم بتحرير التقرير حول الأسمدة المستخدمة في الزراعة.

بوفي يدير النقاش براحة كبيرة وبدبلوماسية. في السابق كلفه عدد من تدخلاته الإعلامية الجريئة ثمنا باهظا.

جوزي بوفي:

“إذا لم تكونوا حاضرين، يُقال لكم أنتم بعيدون عن الميدان ويؤاخذ عليكم ذلك. إذا شوهدتم عدة مرات في التلفزيون، يُقال: الآن، أصبحتَ تحتكر المشهد. المشكلة تكمن في أن تحقيق التوازن أمر في غاية الصعوبة. فيما يخصني، أحاول أن أكون حاضرا ومرتبطا بالأحداث التي تتعلق بمهمتي”.

خلال هذا اللقاء، تحدث جوزي بوفي عن آخر إصداراته، وهو كتاب يتضمن حوارا طويلا أجراه معه الصحفي الفرنسي جان كاترومير ويستعرض فيه جوزي بوفي تصورَه لأوروبا بعيدا عن الصورة النمطية التي تقدمه عادة كمعارض دائم للصرح الأوروبي.

الصحفي جان كاترومير يقول:

في شخصية بوفي، هناك شيء من آسْتِرِيكْسْ والغاليين، هناك الشّارب، والمبادرات ذات الصدى الإعلامي الكبير على غرار تحطيم محل الماك دونالد وتدمير المحاصيل المعدَّلة وراثيا. فالأمور بالتالي بسيطة: هناك الأبيض والأسود. والإعلام يكره اللون الرمادي. لكن، يجب أن ننظر بوضوح شديد إلى الأشياء، لقد استَغَل بوفي هذه الصورة الكاريكاتورية عن شخصه. وانتفع بها، لأن في نهاية المطاف قد يكون صورةً لما يريد المواطنون أن يكونوا عليه، صورةً لشخص بسيط مثلهم ودون تعقيدات، لأن الأشياء المعقدة مُنفِّرة.

عودة إلى البرلمان الأوروبي لحضور اجتماع فريق العمل حول الشرق الأوسط. بوفي حريص بشدة على المشاركة في الاجتماع، خصوصا وأن المجتمعين استضافوا سفير فرنسا الأسبق لدى الأمم المتحدة ستيفان هيسيل. دبلوماسيٌ محنك ومؤلف كُتيِّب أثار جدلا واسعا وبيع في كامل أنحاء أوروبا. ستيفان هيسيل من أصدقاء جوزي بوفي والخضر..هذه هي نظرتُه لصديقه جوزي بوفي:

“أعتقد أن لدينا أكثر مما نحتاج من الناس اللامعين الذين لا ينجحون في شيء.

في المقابل، لدينا قلة من الوقحين، وعندما يكون لدينا واحد منهم يجب أن نتشبث به، لأن وقاحَته هي التي ستنير لنا الطريق إلى القيم الحقيقية”.

الساعة تشير إلى الثامنة مساء. يوفي يترك بناية البرلمان بديكوراتها وأفرشتها الفاخرة ليتوجه إلى ضاحية من ضواحي ستراسبورغ التي توصف بالصعبة من أجل دعم المرشحين الخضر المحليين في الانتخابات المحلية المقبلة. في هذا التجمع، نكتشف من جديد جوزي بوفي بصراحته وبجرأته التي افتقدناها منذ دخوله البرلمان الأوروبي. هنا يطلق العنان لنفسه، وبعد أن ينتبه إلى أنه نائب أوروبي ايضا وأن للصراحة حدودا، يستدرك ضاحكا:

“على كل، أنا حرٌّ، ولا أبالي بشيء..أنا لأوروبا. لذا، أستطيع أن أقول ما أريد هذا المساء….”