عاجل

سنوات عشر مضت على فاجعة نيويورك، وعشرون سنة على انهيار الاتحاد السوفييتي. عدو القرن العشرين لليبرالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والذي كان المحرك الأساسي للسياسات العسكرية الغربية والتي تبلورت بتشكيل حلف الناتو الذي انضوى تحت كنفه معظم حلفاء واشنطن وإلى جانب هذا الحلف استخدمت الولايات المتحدة مجموعة دول من حلفائها خارجه لمحاربة الشيوعيين في كل مكان ولاسيما الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بعد غزوه من قبل الجيش الأحمر في العام 1979. وقد نجحت في تجنيد مجموعات كبيرة من الحركات الاسلامية وعلى رأسها حركة طالبان. وبن لادن كان واحدا من “ المجاهدين” الذين خاضوا المعركة ضد “ الملحدين“وعلى ارتباط مباشر بجهاز المخابرات المركزية الأمريكية. لكن حلفاء الأمس تحولوا إلى أعداء اليوم، بل أنهم باتوا العدو الأول الذي حل محل الاتحاد السوفييتي. وتحولت الحرب ضد الشيوعية إلى حرب ضد الإرهاب. وحلت أمريكا محل الاتحاد السوفييتي السابق في حرب جديدة في أفغانستان وجرت معها حلف الناتو لأول مرة خارج الحدود الأوربية. الحرب ضد الإرهاب التي استعرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر انضمت إليها دول عديدة في العالم ولاسيما في العالم العربي والاسلامي. ورغم كل المحاولات المبذولة والجهود الحثيثة لاستئصال شأفة الإرهاب والمنظمات والحركات التي ترعاه وعلى رأسها القاعدة، فإن العمليات الإرهابية بقيت مستمرة. وكان آخرها عملية ساحة الفناء في مراكش منذ أيام قلائل. وعمليات القاعدة في المغرب العربي.
في حمأة الثورات العربية وتأججها في اليمن وسوريا والبحرين، وقبلها في تونس ومصر، والتي جذبت أنظار العالم إليها، طالعنا الرئيس الأمريكي باراك أوباما بخبر مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن وإلقاء جثته في البحر. لتثار أسئلة كثيرة. لماذا اختارت واشنطن هذا التوقيت تحديدا طالما أنها تمكنت من رصد المكان منذ شهر آب أغسطس الماضي؟ ألم يكن من الممكن القيام بها قبلا؟ أم أن هذا التوقيت مرتبط بتوقيت آخر، وبأحداث أخرى على الساحة العربية؟
هل أن المخابرات الباكستانية كانت على علم بمكان بن لادن منذ وقت طويل ولم ترغب في تسريب هذه المعلومات لوكالة الاستخبارات الأمريكية، وقامت مؤخرا بالتعاون معها في محاولة لتحسين العلاقات الامريكية الباكستانية بعد أن تدهورت في الآونة الأخيرة بسبب انتهاك القوات الامريكية للسيادة الباكستانية في العمل فوق أراضيها لملاحقة أعضاء طالبان باكستان؟ وهذا ما يفسر تحليق مروحيات أمريكية ثلاث في العمق الباكستاني والقيام بعملية الاغتيال على مسمع إحدى الكليات العسكرية الباكستانية المتواجدة على مقربة من المكان؟ ولكن بماذا نفسر تصريحات الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف والرئيس الحالي آصف زرداري التي أكدا فيها أن لا علم لباكستان بهذه العملية على الإطلاق، وهذا يعني أن الولايات المتحدة ارتكبت انتهاكا فاضحا للسيادة الباكستانية، ووضعت الحكومة الباكستانية في موقف محرج جدا أمام الشعب الباكستاني؟
لماذا لم تظهر إلى الآن أية صورة لبن لادن القتيل تؤكد فيها مقتله بالقول وبالصورة، وهي لا شك قامت بتصوير العملية من بدايتها حتى نهايتها، وقامت بتصوير بن لادن بعد مقتله من كل جانب؟
ما هو المغزى من التخلص من الجثة بهذه السرعة. بعد ساعات قليلة من العملية ورميها في البحر مع علمها أن الإسلام لا يبيح إلقاء الجثث في البحر إلا في حالة عدم إمكانية دفنه في البر، وأن ذلك سيثير بالتأكيد مشاعر الكثير من المسلمين حول العالم؟
وهل في مقتل بن لادن ورمي جثته في البحر سيكون بداية نهاية القاعدة في العالم؟ أم أنها ستكون بداية لولادة جديدة لحركة لم يعد يسيطر عليها بن لادن منذ فترة طويلة وباتت كل جهة تتصرف على هواها وتفرخ منظمات أصغر منها في أكثر من بلد، والكل يعلم اليوم أن أيمن الظواهري هو الزعيم الفعلي للقاعدة؟ معظم المحللين الذين تناولوا هذه العملية يؤكدون أن القاعدة ستقوم بالرد على مقتل بن لادن، ربما لن يكون الرد سريعا ولكنه أكيدا. وهذا يعني أن أجهزة الأمن الأمريكية والباكستانية بشكل خاص ستكون على أهبة الاستعداد ولمدة طويلة تستنفذ فيها الكثير من الجهد والمال للحيلولة دون وقوع عمليات جديدة. باختصار إن عملية قتل بن لادن أثارت أسئلة أكثر بكثير من تقديمها لأجوبة. بانتظار رؤية أكثر وضوحا لما حدث وما سيلفظه بحر الأسرار الأمريكي.

رياض معسعس