عاجل

يوميات صحفي من يورونيوز بالعراق

تقرأ الآن:

يوميات صحفي من يورونيوز بالعراق

حجم النص Aa Aa

وصلت بغداد الثامنة صباحا من يوم التاسع و العشرين, ترتيبات الدخول روتينية لكنها مملة ، تفتيش و إعادة تفتيش أمور تجعلك تخرج عن طورك أحيانا .اليوم الأول كان مخصصا للراحة لكن آليت على أن أتوجه مباشرة إلى شركة الإنتاج التي ينتظرني طاقمها و قررت أن نبدأ التصوير في اليوم الأول .السيد ثائر بركة. منتج تلفزيوني و صديق العمر أنتجت معه الكثير من الأفلام الوثائقية كان منها عن منطقة كردستان . توجهنا سويا إلى الفندق لوضع أغراضي و لم أبق غير نصف الساعة لأستحم و أبعد عني بعض عناء السفر. بملامحي و طريقة كلامي يفهم العراقيون رأسا أنك أجنبي . أحيانا ينتابني خوف من المجهول لكن أمضي لا ألوي على شيء و أقول دائما لنفسي “ ما أطال النوم عمرا و لا قصر في الأعمار طول السهر”.

كانت بغداد التي وجدتها تغيرت ملامحها شيئا فشيئا . زحام في الطريق و سيطرات أمنية توقفك كل مرة للتأكد من هويتك . كل هذا من شأنه أن يربك مواعيدك و يدخل الخلل إلى أجندتك المعدة مسبقا .

أعددت تقريرين اثنين أحدهما عن متعاون مع الجيش الأميركي كان مترجما و أصبح الآن دون عمل بعد أن شعر أن الأميركان خذلوه و تقرير ثان عن الجالية المسيحية في العراق.تمكنت من الالتقاء بالمترجم و كان متخوفا نوعا ما و لم تكن لديه رغبة في التحدث لولا أن عرف ن القناة التي يتحدث إليها هي اوروبية. اطمأن إلي و استمعت إلى معاناته و من ديدني اني اجيد الاستماع إلى “المعذبين في الأرض” فاعيش أحوالهم و أفنى في ظروفهم فناء صوفيا فأصبح انا الآخر و الآخر أنا و ما احسن ان نكونا واحدا في اثنين .عفوا هذه بعض شطحات من الخيال الصوفي تنتابين أحيانا فأنزلق في متاهاتها و أعيش في سكناتها. كنت دائما ارى أن ما يقوله غوته يثلج الصدر فهو يرى “ أن للاحداث و المشاهدات صلة بالعملية الإبداعية” و أرى أن الاستماع إلى الآخر و أن تعيش معاناته يمكنك ان تكون مبدعا حقيقيا و ناجحا لأنك تتقمص الآخر و تعيش حالاته و ظروفه .

بعد مرور يومين من وصولي إلى العراق, مرت بي أحداث كثيرة و ظروف صعبة جمة .. لكن القلق تمكن مني تمكنا قويا و بشكل خاص في ظل الظروف التي يعيشها البلد . الوضع في العراق لا يزال غير مستقر و عدم الاستقرار هذا يشمل كل جوانب الحياة. فإعداد موفد صحفي كمثلي إلى العراق لتقرير خبري ليس أمرا يسيرا .ففي كثير من الأحيان تحول ظروف دون إنجاز مهماتك منها انقطاع الكهرباء و كثرة الازدحام في الطرق و فرض حظر التجوال و إلغاء المواعيد و غير ذلك .

اليوم هو أول يوم دون وجود أميركان في العراق, يتجلى ان الناس مستبشرون كثيرا بعام جديد و رحيل الأميركان و هطول الأمطار التي تعتبر فأل خير يتبركون به الناس هنا في العراق.

ما يثير انتباهك هنا هو طيبة الشعب العراقي و كرمه و أنفته أيضا. الشخصية العراقية معتزة كثيرا بنفسها و تستخدم الكثير من المجاملات في التعاملات اليومية , و يعتبر عدم الركون إلى الأساليب المهذبة أو حتى تلك التي تقترب من المجاملة الزائدة و المبالغ فيها شيئا ما , قلة أدب و نقصا في الذوق.لهذا يجب الاحتراس دائما و الاكتفاء بالإنصات و المشاهدة لأن أي تصرف بحسن نية دون معرفة السياق الاجتماعي قد يجلب إليك أضرارا , كأن يتعلق الأمر بطريقة الجلوس أو الحديث و غيره.فعدم مجاملة شخص ما يقدم لك خدمة يمكن أن يفسر على أنه تقليل من الجهود و نكران لصنيعه
العراقيون يحبون كثيرا التحدث إلى وسائل الإعلام و كأن لديهم فائضا من الكلام المخفي و التعابير المنسية التي طوتها عاديات الزمن و ظروف الحياة الضنكة التي عاشها المواطنون.كلامهم معظمه في السياسة و كل واحد قادر على أن يحدثك في شؤون الحيل السياسية و أساليب السياسيين بكل إسهابية و كأنه محلل من الدرجة الأولى. سائق السيارة الذي رافقني من بغداد إلى كركوك تجلى لي أنه مثقف فوق العادة، يحدثني في شؤون السياسة و تجليات الادب و الثقافة و السياسة.

أعتبر تحدث العراقيين بكل حرية إرهاصا جيدا و نقطة حساسة جدا في إعادة بناء العراق, لأن الحرية السياسية والممارسة الديمقراطية قضايا مهمة جدا حين نرنو إلى الحرية المطلقة في كل مضامينها، و هذا الانفتاح الذي يعيشه العراقيون ينبغي أن يستغله برأيي الإعلاميون في كتاباتهم لكن لما تشاهد القنوات الإعلامية تجدها لا تختلف عن بعضها في كثير , على الرغم من أن عددها يتجاوز المئة قناة لكنها هي تعيد كلاما مكرورا و تشتبه في ما بينها في كثير من الأمور: الأخبار الطويلة و النشرات المملة و التكرار في التحاليل دون ان تصيب الهدف في شيء .

أما بغداد المدينة, فهي ساحرة على الرغم من أنها تفتقد كثيرا إلى مستلزمات الحياة و المدينة, كثرة نقاط التفتيش المزروعة في كل مكان تثير الامتعاض و القلق . كما أن ضجيج السيارات و استخدام السائقين للأجراس المفرط و دون مبرر يؤثر على أعصابك و يقتل روح الإبداع عندك إذا كنت صحفيا يبحث عن أفكاره حتى و هو يستقل السيارة.مثلا يستحسن أن تقول للشرطي في نقطة التفتيش (السيطرة , في الاستعمال العراقي) “ الله يساعدك أو رحم الله والديك “ و هي عبارات تقع من قلوب العراقيين موقعا حسنا و يحبونها لأنها تظهر احترامك لمن تخاطبه أو يخاطبك و تقديرا لجهوده.

الساعة الآن الثامنة صباحا, يجب أن أستعد لبدء يوم متعب مليء بالأحداث و التقارير الجميلة التي أنوي إعدادها لمن ينتظرونني سواء داخل القناة أو على الشاشة, على يورونيوز.


سأتوكل على الله لأبدأ يوما بغداديا جديدا, و لأجس نبض الشارع العراقي في أول يوم دون جنود أميركيين و هو المصادف للأول من يناير 2012

أكملت التقريرين و ما بقي إلا أن أعدهما للإرسال.

ألقاكم قريبا