عاجل

خمسة وأربعون ألف متفرج حضروا مباراة جمعت سنة ألف وتسعمائة واثنين وأربعين، بين فريق محلي هاوي من مدينة كياف وفريق نازي تابع للجيش الألماني غداة إحتلال ألمانيا لأوكرانيا. مباراة قُتل على إثرها كل أعضاء النادي الأوكراني، ذنبهم الوحيد، بحسب الدعاية السوفياتية، أنهم فازوا بهذه المباراة التي سميت بعدها بمباراة الموت.

مباراة تحكي اليوم قصتها عديد التماثيل التي نصبت في العاصمة الأوكرانية لتكون مرجعا للأجيال حول كيفية دفع هواة في كرة القدم ثمن حقد سياسي نازي.

حقدٌ كروي تداولته الروايات والأساطير لسنوات عديدة ولكن بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي تعالت أصوات بعض الوجوه التي عايشت هذه المباراة لتكذب كل ما قيل عنها.
ومن بين هؤلاء، فلادلين بوتيستين، إبن أحد اللاعبين الذين شاركوا في هذه المواجهة، حينها كان يبلغ من العمر ثماني سنوات: “ المباراة كانت حقا متوترة، بعض الأساطير تقول بأنها تميزت بخشونة مفرطة، لكنني لم أرى ذلك، لدي صورة إلتُقطت مباشرة بعد نهاية المباراة، الجميع يبدوا فيها بصورة جيدة ولا شيء فيها يوحي بوقوع أعمال عنف أو شيء من هذا القبيل”.

وبعد أشهر من نهاية المباراة، ألقى الجيش الألماني القبض على معظم لاعبي النادي الأوكراني الذين كانوا يعملون يومها في مصنع لطهي الخبز بأحد شوارع كياف، والد فلادلين بوتيستين كان من بين هؤلاء اللاعبين الموقوفين : “ أُلقي القبض عليهم في الثامن عشر أغسطس من نفس العام، وبحسب والدي فإن سيارة تابعة للجيش الألماني اقتربت من المصنع واقتادت أعضاء الفريق إلى مقر الشرطة السرية الألمانية ( الجيسابو) حيث أمضى والدي ثلاثة وعشرين يوما هناك”

هذه المقابلة الكروية أقيمت في ملعب “زينيت” بكياف، ملعب سمي إبتداءا من العام ألف و تسعمائة و واحد و ثمانين بملعب “ ستارت ستاديوم” تخليدا لذاكرة النادي الأوكراني أفسي ستارت.

فالنتين تشتشرباتشاف من أول المؤرخيين والصحافيين الأوكرانيين الذين حاولوا كتابة قصه هذه المباراة بكل موضوعية بالرغم من الرقابة السوفياتية التي سلطت على إصداراته، كتابه الملقب “ حنين كرة القدم السوفياتية” تم اصداره مباشرة بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، كتاب يتطرق فيه إلى التلاعب الدعائي الذي ميز مباراة الموت : “ مباراة الموت كما تم تداولها لم تحدث على أرض الواقع، النادي الأوكراني سبق له أن فاز قبل هذه المواجهة بمجموعة من المباريات كما أن القائد الألماني في كياف أنذاك قام بحظر جميع اللقاءات حتى لا يفقد الألمان مصداقيتهم وهيبتهم. لكن لماذا تم إلقاء القبض على لاعبي أفسي ستارت وحل فريق دينامو كياف؟ :” الألمان كانوا على دراية بأنشطة نادي دينامو السرية لصالح الشرطة السوفياتية. اللاعبون الموقوفون تم استجوابهم بصورة أحادية وعندما لم يتمكنوا من إثبات ضلوعهم في هذه الأنشطة تم إرسالهم إلى معتقل سيرتس” يجيب فلادلين بوتيستين. “ثلاثة لاعبين فقط من فريق أفسي ستارت كانوا ينتمون إلى نادي “دينامو“، و قبل المباراة اجتمعوا في كياف، البعض منهم كان قريبا للانضمام إلى نادي دينامو الذي كان حقا عميلا لللشرطة السرية السوفياتية، أما فريق ستارت فلم يكن سوى فريقا كرويا يمثل كياف” يضيف فالنتين تشتشرباتشاف.
“ تم زج تسعة لاعبين في المعتقل، قبل أن يتم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات، مجموعة تعرضت بعدها للقتل ومجموعة ثانية كانت متكونة من تويتشاف وكوماروف وبوتيستين، أما غونشارينكو وسفيردوفسكي فقد ألقي القبض عليهما فيما بعد “ يقول فلادلين بوتيستين.

بالنسبة إلى بعض المؤرخين، اللاعبون الأربعة الذين تم إعدامهم في عام إثنين وأربعين من القرن الماضي كانوا ينتمون إلى نادي “ديناموالعميل” ولا علاقة لكرة القدم في هذه التصفية.

قصة مباراة الموت عادت لتحيا من جديد في فيلم يجسد الأحداث التي سبقت وتخللت وتلت المباراة، فيلم مُنع من عرضه في أوكرانيا بسبب مخاوف السلطات هناك من إثارة مشاعر الكراهية قبل إنطلاق اليورو.