عاجل

القرافة هي المقبرة بلغة المصريين وقرافة القاهرة الواقعة بين جبل المقطم وأواخر حي الحسين، هي مدينة من المقابر يصعب على المرء تحديد مساحتها لاتساع رقعتها، قبور من ورائها قبور، ومدافن تتلوها مدافن. ومن عادة المصريين منذ القدم، وهي عادة متوارثة عن الفراعنة، أن تخصص كل عائلة مدفنا لها يتألف من حجرتين أو أكثر، حجرة تخصص للدفن، وأخرى لاستراحة الزائرين. وكلما ازدادت العائلة غنى وشأوا، ازداد مدفنها اتساعا وأناقة، حتى يخال المرء أنه أمام مسكن حقيقي. وهذه المقبرة المعروفة بالقرافة كتبت فيها قصص وروايات، منها ما يتحدث عن بيع الموتى لطلاب كلية الطب للتشريح، ومنها ما يتحدث عن سحق عظام الجماجم لمزج مسحوقها بمساحيق أخرى مخدرة لتباع بأغلى الأثمان، كان آخرها رواية نسف الأدمغة للكاتب المصري المعروف، والذي رحل مؤخرا، خيري شلبي.

والغريب في أمر هذه المقبرة أنها ولعهد ليس بعيد، من القرن الماضي، لم تكن تضم سوى الأموات، ولا يسمع فيها سوى الصمت والسكينة. ولكن ومنذ عض ناب الفاقة والفقر شرائح عريضة من المجتمع المصري، بعد تزايد أعداد السكان، وانتشار البطالة، مع الأزمة الاقتصادية المستفحلة، وغلاء الأسعار
بسبب سياسة الانفتاح التي انتهجها الرئيس أنور السادات، ومن بعده حسني مبارك، والهجرة الريفية المتدفقة على القاهرة، لم يعد بمقدور الكثير من المصريين توفير سكن لعائلاتهم التي يزداد عدد أفرادها بشكل مضطرد، فلم يجدوا أمامهم سوى هذه المقابر مأوى لهم، فتحولت القرافة إلى مكان مبهم لا تميز فيه إن كان أحياء سكنية للأحياء، أم مرقدا سرمديا للأموات.

فشقت فيها شوارع عشوائية، تدخلها السيارات، بل وبات فيها حوانيت وتجارة، ولا تتفاجأ أذا دخلت منزل أحدهم ، أو بالأحرى مقبرة أحدهم أن تجد أولادا يعرصون بكرة ناصبين هدفا بين قبرين، أو ربة منزل تسند ظهرها إلى قبر وهي تحضر طعام العائلة، أو لاقطا هوائيا على أحد الأسقف يستقبل أشارات محطات تلفزيونية دولية ورب العائلة يشرب الشاي ويدخن الشيشة.

كعائلة الصبي فرج (الذي يطل من الباب في الصورة ) الذي يذهب إلى مدرسة قريبة من الحسين ثم يعود أحيانا كثيرة إلى منزله “ المقبرة “ ليلا.
توجهت إليه بالسؤال:
ألا تخاف من الأشباح؟
الأشباح يخافون مني.
المثل يقول: “لا تنام بين القبور فترى أحلاما موحشة” ألا ترى أحلاما موحشة؟
-أحلامي جميلة يابيه
-ألا تزعجون الموتى في رقدتهم.
-عارف يابيه، داحنا بقينا عائلة وحده نحن نسليهم.
وضحك كثيرا. فالمصريون ينكتون ويضحكون حتى في أحلك أوقاتهم، ففي القرافة الحياة حلوة والموت أحلى.

رياض معسعس