عاجل

الضواحي الفرنسية مشاكلها متجذرة في التاريخ الحديث وسعي خجول لحلها

تقرأ الآن:

الضواحي الفرنسية مشاكلها متجذرة في التاريخ الحديث وسعي خجول لحلها

حجم النص Aa Aa

قبل ثلاثين عاماً في مينغيت في ليون، بدأت اولى اعمال الشغب.
ثلاثون عاماً من العنف واليأس والتفرقة رغم محاولات خجولة لتحسين بعض احياء ضواحي المدن.
قمنا بزيارة لبعض منها كما تحدثنا الى مسؤولين يسعون لايجاد حل لهذه المشكلة عبر خرق الصور النمطية الموضوعة.
انه موضوعنا لهذا الاسبوع في ريبورتير.
 
 
 
بعد سبعة عشر عاماً على فيلم “الكراهية” الذي يتحدث عن مشاكل ضواحي المدن الفرنسية، وبعد ثلاثين عاماً على بدء اعمال الشغب فيها. المشكلة ما تزال هي نفسها. مزيج لا مثيل له في اوروبا … بطالة، اولاد لا يرتدادون مدارسهم، الشعود بالعزلة والتمييز والحقد … كل ذلك ادى الى خلق تجارة غير شرعية وانتشار الاسلاميين المتطرفين … والى الغضب والعنف.
 
منذ سبعة اعوام، احداث عام الفين وخمسة كانت نقطة تحول في حياة هذه الضواحي ، ومنذ ذلك الوقت لم يتغير شيئاً لماذا؟
 
ويجيب وزير التضامن الاقتصادي والاجتماعي بونوا هامون: 
“لقد تجمعت هنا مشاكل معينة مع تراكم سنوات من اهمال السياسات العامة.”
 
باب ندياي، مؤرخ يجيب بدوره :
“هذه السياسات العامة تميزت باهتمامها المحدود عبر هذه السنوات والذي لم يكن مستمراً.”
 
 
ويرى رئيس جميعية اكلوفو، محمد مشماش، ان المشكلة لم تؤخذ على محمل الجد:
“السبب عدم وجود نية حقيقة لتغيير الاشياء. للاسف، عملية الترقيع مستمرة حيث لم يعد هناك مكاناً لرقعة اضافية. المشكلة لم تؤخذ على محل الجد كما يجب.”
 
ولرئيسة بلدية فينيسيو في ليون، ميشال بيكار تجربتها:
“محلياً كان يمكن القيام باي شيء، لولا انه في البداية لم تهتم الدولة فقط بالامور الكبيرة … و ما نقوم به هو وضع ضمادة على ساق خشبية.”
 
حين تجرى عملية اعادة تجديد وتحسين للمدن، تكون غالباً لاخفاء البؤس. واجهة جميلة تخفي المشاكل ولا تحلها. كما هنا في كليشي سو بوا، في حي شين بوانتو chêne ، pointu ، بدأت اولى اعمال الشغب عام الفين وخمسة. 
 
 
في هذه الابنية، لا تدفئة ولا مصاعد منذ ثلاث سنوات. اربعون في المئة ممن هم دون الخمسة والعشرين عاطلون عن العمل .
 
السكان هنا يرفضون التحدث الينا، لقد فقدوا الثقة بوسائل الاعلام كما بفرنسا.
 
احد الشبان قال لنا إنه لا يجب الا يتحدث الينا، فلا لزوم لذلك …. ويقول إنهم بخير ولو انهم يعيشون كالكلاب.”
 
كذلك سخر منا شاب آخر قائلاً “أليس لديكم امراً آخر تقومون به. فهنا لا توجد سوى المقاهي الفارغة فلا شيء هنا.”
 
مئات التقارير الصحفية اجريت عن ضواحي المدن. لكن بالنسبة لسكانها لم تغير شيئاً باوضاعهم . فلا يرون فرقاً بين وسائل الاعلام والشرطة ..
 
بعيداً عن الانظار، عبدل  وافق ان يتحدث الينا. عبدل ولد في كليشي سو بوا، احدى الضواحي الباريسية. شاب عصامي، يقوم بالرسم على الكومبيوتر. وقد اسس مكتبه الخاص. وقال لنا: 
 
 “كأن فرنسا هي والدي وانا ابنها غير الشرعي. وترفض التعرف الي ، وقد طفح الكيل بالناس. الاهل يدفعون الضرائب كبقية المواطنين، لكنهم يوضعون جانباً كما لو انه تم الاستغناء عنهم في حين كانت الحاجة ماسة اليهم حين احضروا من بلادهم الى هنا . كانت الحاجة اليهم ماسة في الوقت الذي كانت تبنى فيه فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، واليوم لا حاجة اليهم يقال لهم اخرجوا لا نرغب بكم.”
 
سؤال: “هل تشعر بانك فرنسي ؟”
 
عبدل : “أنا ؟ لا “
 
سؤال :” لماذا ؟ “
 
عبدل : “ هكذا  “
 
سؤال : “ ما هو شعورك اذاً ؟ ”
 
عبدل : “ اشعر بانني انتمي للضواحي . “
 
سؤال : “أ انت جاد ؟”
 
  
عبدل : “بصراحة، لا ابداً. اعيش في فرنسا. ثقافتي هي ثقافة فرنسية. لكن حين اواجه المصاعب او احتاج للمساعدة، فرنسا لا تمد لي يدها.”
 
 
المشكلة واضحة اكثر لدى من استعمرتهم فرنسا. استياء غذته العزلة والعنصرية والشعارات التي تتردد.
ان يكون الشبابُ من الضواحي، فهذا غالباً ما يعني في مخيلة الناس انه شابٌ اسود او عربي، غير متعلم، ولا يحترم الاخرين ومستعد ان يحرق السيارات في اول فرصة.
 
للوزير هامون رأيه في هذه الشعارات والصور النمطية الموضوعة عن شبان الضواحي:
“غالباً ، ضواحي يعني شباب يعني قبعات يعني شغب. فلنتوقف.
بداية، يمكن ان نضع قبعة دون ان نسرق محفظة سيدة عجوز … فكيف يمكن ايقاف كل ذلك. يشار الى الضواحي كمكان لا يمكن العيش فيه بهدؤ، حيث جميع الناس تعساء، لا عمل لديهم. يفشل التلاميذ في صفوفهم. هذا لا يعني عدم وجود مشكلة لكن الضواحي ليست فقط مجموعة مشاكل. وحين نتوقف عن النظر اليها بهذه الطريقة سنساهم بان يشعر كل منهم بخير.”
 
اما رئيسة بلدية فينيسيو فتؤكد : 
“نهتم دوماً بالضواحي فقط حين لا تسير الامور على ما يرام. وحين تكون نسبة المخلين بالامن قليلة فلا احد يتحدث عنها. يجب عدم اخفاء التجارة غير الشرعية وغيرها … كما يجب عدم اختصار مدننا وأحيائنا بهذه الامور.”
 
وتقول احدى شابات الضواحي وتدعى هابساتو سي : 
“ لقد طفح الكيل بي. يشار الى هؤلاء الناس بالبنان كما لو انهم سيئون. وحين يتوقف الناس عن القول انظروا انها امرأة اعمال سوداء نشأت في الضواحي عندها يمكن القول إن الامور تحسنت.“ 
 
هابساتو سي، من اصول سينيغالية موريتانية، فتحت اول صالون للحلاقة النسائية والتجميل. هاجسها كسر الصور النمطية التي شاعت بين الناس وخاصة فيما يتعلق بسكان الضواحي.
 
 
وتتحدث عن تجربتها:
“من جاء من وسط فقير جدا، ومتواضع وعاش حياةً صعبة، هو انسان جرحته الحياة وربما يكون ادراكه للامور اعمق من الذي عاش في الحرير.
اما انا فصرت املك الوعي الكافي. بعد ان رأيت والدي يخرج يومياً عند السادسة صباحاً الى عمله من اجل راتب يساوي الحد الادنى للاجور. ولم يتذمر يوماً. انها هدية قدمت لي على طبق، لذلك يجب المحاولة بالقيام بشىء هام.”
  
كيف يمكن اخراج الشباب من حلقتهم المفرغة التي يعيشونها؟ كيف يمكن تحويل اهتمام التلاميذ في حال الفشل الدراسي بدلاً من التفكير في الحصول على المال السهل عبر التجارة غير الشرعية او التوجه الى الاسلام المتطرف.
 
وتحدثت ميشال بيكار عن الاولويات التي تراها هامة في عملية التحسين. 
“الاولية هي في الثلاثي : تعليم، وتدريب، وعمل ، هذه هي الاولوية.”
 
ويتابع محمد مشماش رؤيته للاولويات:
“ لا افصلية لواحدة منها عن الاخرى. انها مجموعة متكاملة. المسكن والعمل والمدرسة انها اولية لكن يجب الانطلاق من  الاساس، اي الصفوف الابتدائية.  مواكبة الشباب وتوجيههم. وفي الحادي عشر من عمرهم يكون قد تعلموا ان هناك قواعد يجب احترامها ، انه عمر حساس. لذلك يجب تحاشي ان يقوموا بالتجارة غير الشرعية قبل ان تحتل هذه التجارة المكان.”
 
في وزارة بونوا هامون، بعض المعايير تتعلق مباشرة بشباب الضواحي مثل وضع 
سيرة ذاتية مضادة للتفرقة. ويشرحها: 
“وقعت وزارتي مع مؤسسة تدعى موزاييك mosaïc RH  ، اتفاقية تهدف الى ايجاد عمل لخمسة الاف شاب حائز على شهادة. انه عمل تطوعي يرفض التمييز بين شباب يملكون مؤهلات ومعرفة. هدفي ليس القول انهم موجودون في الضواحي اكثر من غيرها من الامكنة. وانما هؤلاء الشباب موجودون في الضواحي كما في غيرها من الامكنة. وعدم توظيف شباب الضواحي امر مرفوض. فهذه التفرقة تولد فقدان الامل وفي بعض الاحيان تولد العنف.”
 
 
امر اكيد ، خلال ثلاثين عاماً لا اليمين الفرنسي ولا اليسار وضعا حداً لمشكلة الضواحي او ليأس الشباب المولودين فيها.
 
ويختم عبدل حديثه بقوله : ” بصراحة، لا املك احلاماً، توقفت عن الحُلم ، فهو غير نافع”