عاجل

تقرأ الآن:

هل تصنف المجاعة الكبرى في أوكرانيا كجريمة إبادة ضدّ الإنسانية؟


Insight

هل تصنف المجاعة الكبرى في أوكرانيا كجريمة إبادة ضدّ الإنسانية؟

يورونيوز:
معنا الآن من جنيف أندريه لييبيتش، أستاذ في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية، ومؤرخ مختص في بلدان الاتحاد السوفياتي السابق. السيد لييبيتش أهلا بكم معنا على يورونيوز:

أندريه لييبيتش:
مرحبا سيدتي.

يورونيوز:
أول مادة في القانون الأوكراني حول الهولودومور تؤكد بأنها إبادة جماعية للشعب الأوكراني ومعترف بها على هذا النحو في أكثر من عشرين بلداً. رغم أنّ إستخدام مصطلح الإبادة بالنسبة إلى الكثيرين ليس مناسباً. لماذا؟

أندريه لييبيتش:
في الواقع، لم يُحسن إختيار المصطلح. عندما نفكر في الإبادة الجماعية، خاصة في سياق ثلاثينيات القرن الماضي، نفكر بالدرجة الأولى في محرقة اليهود، ولكن الفرق هو أن المجاعة لم تؤثر فقط على الشعب الأوكراني وإنما على بقية الشعوب الأخرى داخل أوكرانيا وخارجها، في كازاخستان وروسيا، وبالإضافة إلى ذلك فالمحرقة كانت حملة، مع وجود النية لإبادة شعب في حين أن المجاعة الكبرى ورغم وجود الملايين من الضحايا، وهذا لا جدال فيه، لم يكن الهدف منه القضاء على الشعب الأوكراني. لقد كان هذا إحدى نتائج سياسة ستالين الوحشية واللإنسانية، الذي لم يكن ليهتم بعدد الضحايا. ولكن نيته الأساسية لم تكن القضاء على الأوكرانيين، وإنما تحقيق برنامج سياسته مهما كان الثمن، وحتى لوكان ذلك على حساب ملايين الضحايا، وخاصة المزارعين والذين كانوا في أغلب الأحيان أوكرانيين.

يورونيوز:
التعديلات على القانون الجنائي في اوكرانيا تنص على مقاضاة الإنكار العام للمجاعة الكبرى، ألا يؤثر هذا الإجراء على المناقشات حول هذا الموضوع؟

أندريه لييبيش:
على الاطلاق، الدولة لا تملك إعلان الحقيقة ولا وضع حدّ للمناقشات. بمجرد أن تصبح المجاعة الكبرى مسألة متنازعاً عليها من قبل البعض فهذا الأمر سيجعل النقاش ضرورياً وفي قلب الحدث. بمجرد عرض الحقائق والتطرق إلى عدد الضحايا، سنصل إلى الحقيقة. ليست الدولة هي من تشرع ما هو صحيح وما هو غير صحيح، وليست هي من تضع حداً للنقاش.

يورونيوز:
حقيقة المجاعة، هي وفاة الملايين من الناس بالرغم من إختلاف الأرقام. أليس من العدل وضع هذه المأساة على مقياس الجرائم ضد الإنسانية، كما هو الحال في المحرقة ؟

أندريه لييبيتش:
فعلاً، وبالضبط هي جريمة ضد الإنسانية ليست ضد شعب معين. إذا تصورنا أنّ المجاعة الكبرى جريمة أثرت على ملايين الناس في جميع أنحاء الاتحاد السوفياتي السابق، ستكون لدينا القواعد المشتركة للإحتفال بذلك وتحقيق المصالحة بين الروس والأوكرانيين والشعوب الأخرى. لو تمّ الإدعاء أنّ المجاعة مأساة أوكرانية حصرية، وضدّ الأوكرانيين، فهـذا سيخلق دون شكّ صراعات مع من كانوا أيضا ضحايا لهذه المأساة.

يورونيوز:
كثيرا ما تنتقد أوكرانيا على أنها في تنافس وأنها تقدم نفسها كضحية على خلفية ما تردد من تضخيم عدد الضحايا، ما رأيكم؟

أندريه لييبيتش:
في الواقع ، هناك منافسة من حيث عدد الضحايا وهذا لا يخدم أيّ طرف. أقل عدد يمكن أن يقدم بخصوص ضحايا المجاعة الكبرى هو مليونا شخص وإذا أضفنا أولئك الذين ماتوا بسبب المرض
وبسبب الضعف من شدة الجوع بالإضافة إلى العجز في الولادات، سنصل إلى عدة ملايين، لكننا لا نصل إلى عشرة ملايين كما نسمع في بعض الأحيان وقد لا نصل حتى إلى ستة ملايين، أي عدد ضحايا المحرقة التي تسعى المجاعة الكبرى أن تقارن بها.

يورونيوز:
السيد أندريه لييبيتش شكرا على هذه التوضيحات.

أندريه لييبيتش:
شكراً سيدتي.

okقرية تارغان وتجربة الموت جوعاً: شهادات حية

في قرية تارغان التي تبعد مئة وعشرين كيلومتراً عن العاصمة الاوكرانية كييف. بين عامي اثنين وثلاثين وثلاثة وثلاثين من القرن الماضي، نصف السكان قضوا جوعاً. من تبقى منهم على قيد الحياة يخبرونا عن اسباب هذه المجاعة التي ضربت بلادهم حين كانت تابعة للاتحاد السفوفياتي. هذه التسعينية تؤكد ان السبب لم يكن قلة المحاصيل.

وتقول هذه التسعينينة التي تدعى اولكساندرا اوفيديوك: “كانت هناك فرقاً خاصة. كل منها مؤلفة من سبعة اشخاص. كانوا يقودون عربات تجرها الخيول لمصادرة المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية من منازل المزارعين.”

ذلك الوقت اوجد النظام الروسي ما يعرف بالكولخوز او التعاونيات الزراعية فكانوا يجمعون المحاصيل لاعادة توزيعها على كامل الاراضي السوفياتية. جوزيف ستالين حينها اعتبر ان المزارعين الاوكرانيين يتهربون من قواعد الحصاد فاجبرهم على دفع غرامات مالية. فبلا محاصيل زراعية، ولا مواد غذائية، ولا مال، عمت المجاعة في تلك الانحاء وتخبر اولينا غونشاروك ما عاشته : “كنا نخاف السير في القرية، لان القرويين كانوا جائعين فكانوا يصطادون الاولاد. اذكر جارتي كانت لديها فتاة. حين اختفت ابنتها جئنا لعندها فوجدنا رأسها مفصولاً عن جسدها وكان الجسد يطبخ في الفرن.”

واضافت ان السكان ولشدة جوعهم كانوا يأكلون ايضاً الحيوانات وان كانت كلاباً او قططاً. كانوا يشتهون قضم قطعة خبز.

فكما كانت تمر العربة لجمع المحاصيل، كانت عربة اخرى تمر لجمع الجثث. وتخبر هذه المرأة ان احدهم جاء الى بيت احدى النساء لعلمه انها متوفاة، لكنها كانت ما تزال على قيد الحياة، وتكمل القصة هذه الشاهدة التي يبلغ عمرها سبعة وثمانون عاماً: “فقالت له لا تأخذني، ما زلت حية واتنفس. فاجابها. بطريقة او باخرى ستموتين ولا اريد ان اعود غداً من اجلك.”

حوالى اربعمئة شخص دفنوا مع بعضهم في مقبرة القرية، بعضهم كان حياً. وحسب اللجنة الدولية للمحامين فان اكثر من سبعة ملايين شخص في كافة انحاء البلاد ذهبوا ضحية هذه المجاعة او الهولدومور كما اسمونها .

ويقول فولوديمير سيهيوشتوك وهو مؤرخ: “حصلت مجاعة في مناطق اخرى من الاتحاد السوفياتي، في كازاخستان، لكن الكازاخستانيين كان بامكانهم جلب الطعام من مناطق مجاورة لروسيا او من قرقستان او اوزباكستان. لكن الاوكرانيين لم تكن لديهم امكانية للذهاب لروسيا البيضاء او روسيا لان الحدود مغلقة ولا يحق للاوكرانيين ان يحصلوا على بطاقات للسفر في القطار.”
ويضيف : “المزارعون الاوكرانيون رفضوا الانضمام الى الكولخوز، الى هذه التعاونيات الزراعية. لقد رفضوا اعطاء البلاشفة منتجاتهم الزراعية لهذا السبب كان للبلاشفة خيار وحيد وهو قتلهم جوعاً.”

يصادف رابع يوم سبت من كل شهر ايلول سبتمبر يوم ذكرى المجاعة الكبرى، وقد اعترفت عشرون بكونها ابادة جماعية الا ان روسيا رفضت ذلك مما افضى الى جدل قوي بينها وبين اوكرانيا.