عاجل

تقرأ الآن:

تونس: الحاجة إلى إصلاح المنظومة التربوية


learning world

تونس: الحاجة إلى إصلاح المنظومة التربوية

عندما نزل الطلبة التونسيون إلى الشوارع منذ ثلاث سنوات كانوا يأملون أن تصاحب الإصلاحات على مستوى التعليم التغيير السياسي، كالقضاء على الأمية ومشاكل التسرب المدرسي والأمور المتعلقة بغياب دعم البحث العلمي المستشرية في النظام. بأي شيء تحسنت الأمور؟

من المستحيل تحسين النتائج المدرسية للتلاميذ الذين لا يضعون المدرسة على سلم أولوياتهم. منذ الثورة إرتفعت معدلات التسرب المدرسي. مسألة إقناع التلاميذ بالعودة إلى صفوف الدراسة يبقى الشغل الشاغل للمعلمين. زرنا إحدى المدارس لمعرفة كيف تسير الأمور.

صوت ميشال صدح في ساحات تونس عندما خرج الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع في العام ألفين وأحد عشر للمطالبة بالتغيير. ترك المدرسة وعمره ستة عشر عاما وتعلم الموسيقى فضلا عن التصوير الفوتوغرافي الذي يضمن له قوته اليومي. الآن يتهم ميشال النظام الحالي بعدم الإهتمام بالتربية والتعليم ويؤكد أنّ الدراسة كانت قادرة على تغيير مجرى حياته.

“ أود أن أصبح مدرسا للموسيقى من المؤسف أنّ هذا صعب جداً، وعلى الرغم من أنني أحب الموسيقى كثيرا إلاّ أني أؤمن بأنّ للثقافة والتعليم دور كبير. كنت أودّ أن أكون طبيبا أو محامياً “، قال ولد ميشال.

بعد ثلاث سنوات من الثورة، كثر هؤلاء الشباب الذين يشعرون بعدم الرضى عن النظام التعليمي في تونس.

“ أنا لست سعيدا على الإطلاق بخصوص التعليم في تونس. هناك الكثير من المشاكل، على رأسها الإدارة والمعلمين. أردت التوقف عن الدراسة ولكن والدي قال لي عليك أن تذهب إلى المدرسة فالمستقبل مرتبط بالدراسة“، أكد التلميذ محمد بوركيّت.

وفقا للأرقام الرسمية غادر حوالي مائة ألف طالب مقاعد الدراسة في العام ألفين وإثني عشر أي بزيادة بلغت ثلاثين بالمائة مقارنة بالسنوات الماضية. ومع تدهور الوضع الاقتصادي لم تستطع الكثير من العائلات تأمين اللوازم المدرسية لأبنائها، الذين شاركوا في المظاهرات ووجدوا صعوبة في العودة إلى المدارس والإندماج مرة أخرى في التعليم. المعلمون طالبوا بتسريع الإصلاحات في قطاع التعليم.

“ النظام كله تدهور. نظام يتألف من المربي والإدارة والأولياء والدولة هي المسؤول الأول عن كل هذا. نشعر أنّ الجميع خسر. الشباب هم أحد الخاسرين من الثورة. الآباء سلبيون جداً. كل المنظومة تحتاج إلى التغيير، أتمنى أن تحمل الحكومة المقبلة الإصلاح المدرسي على محمل الجد وتقوم بتغيير جذري في هذا المجال“، قالت نورة بن عدة.

تحسين الموارد التعليمية من بين إهتمامات التلاميذ الذين يشتكون عادة من المناهج التقليدية وعدم وجود أحدث الأدوات التعليمية. القطاع الخاص يتمتع بظروف أفضل للتعليم ولكنها مكلفة جداً بالنسبة للكثيرين. وفي ظلّ غياب إصلاح ضروري للمنظومة التربوية يخشى العديد من المعلمين مستقبلاً قاتماً. نجيب سلامي من نقابة التعليم الثانوي قال: “ سيجد الشباب أنفسهم في الشوارع المليئة بالمخاطر. الآن هناك ظاهرة الجهاد في سوريا، والمخدرات والإنحراف الأخلاقي والبطالة. والشباب الجاهل والعاطل عن العمل ليس له مستقبل، وهو يخضع لجميع الإنحرافات”.

في الوقت الذي لا تزال السلطات تناضل لتشجيع التلاميذ على عدم مغادرة مقاعد الدراسة، هناك تحديات أخرى كإرتفاع معدلات البطالة التي باتت مصدر قلق لكثير من الشباب التونسي، فالبعض فقد الأمل في التعليم.

البحث العلمي في غياب المواد الأساسية

التمويل الكافي أمر بالغ الأهمية لأي إصلاح فعال على المستوى الوطني، أما على المستوى الشخصي، فقد أظهرت سيدة إلى أيّ مدى يمكن تحقيق الكثير مع معدات أساسية بسيطة. لنشاهد حياة عمري التي تجري أبحاثاً في المختبر الجامعي وأحياناً في إحدى الغرف الصغيرة بمنزلها.

حياة جاءت من ريف سيدي بوزيد الفقير، هذه المدينة التي تصدرت عناوين الأخبار خلال الثورة لكونها مسقط رأس محمد البوعزيزي، البائع اليائس، الذي كان إحدى أسباب الإنتفاضة في تونس. اسم سيدي بوزيد يلوح في وسائل الإعلام مرة أخرى، وهذه المرة بفضل أبحاث حياة في عالم الكيمياء. لقد كانت مصممة على تحقيق حلمها مع الحد الأدنى من التمويل من هذه الغرفة في منزلها.

“ إذا أخذ باحث المال من والده وهو في سن السابعة والعشرين أو الثامنة والعشرين، فهذا عبء كبير وخصوصا في غياب الدعم من وزارة التعليم العالي أو الدولة. وحتى بوجود منحة دراسية، سيبقى ذلك محدوداً “، قالت حياة عمري.

أقل من واحد بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد موجه إلى البحث العلمي، لذلك فحياة مجبرة على تلقي الدعم المالي من والديها. حازت على الدكتوراه في الكيمياء التطبيقية وكذا درجة الماجستير في الكيمياء والهندسة الصناعية. ثم بدأت أبحاثاً تؤهلها للمشاركة في المسابقات الدولية. في العام ألفين وثمانية اختيرت من قبل الاتحاد الأوربي، بإعتبارها واحدة من أفضل الباحثين في بلدان البحر الأبيض المتوسط، وحصلت على الميدالية الذهبية لأفضل مخترع للعام ألفين وإثني عشر-ألفين وثلاثة عشر في أولمبياد المخترع الدولي الذي احتضنته تونس.

“ هناك نسبة عالية جداً من الباحثين في مختلف المجالات ولكن لإنجاز أبحاثهم ينبغي عليهم القيام بشراكات بين تونس وبلد آخر بسبب وجود نقص بالمعدات ونقص المعدات المتقدمة في تونس“أضافت حياة عمري.

مع نقص الموارد والمختبرات غير المجهزة أجرت حياة أبحاثها بمواد أساسية بسيطة واستخدمت مزرعة والدها الصغيرة للقيام بالتجارب. حياة قلقة إزاء احتياجات بلادها وفي أحدث اكتشاف لها توصلت إلى تحسين حامض الفوسفوريك، ذي الآثار الاقتصادية والبيئية الكبيرة. إنها تسعى إلى إلهام العديد من الباحثين في العالم العربي والذين يواجهون الكثير من القيود.

“ كأيّ باحث عربي أو أي باحث آخر في العالم العربي، إننا نواجه خطوطاً حمراء، وهناك حقول لم نتمكن من الخوض فيها وخصوصا في مجال الكيمياء. كان هذا بالتأكيد قبل الثورة حيث لا يمكن أن نعمل على اليورانيوم أو استخراجه أو استخدامه “، قالت حياة عمري.

الوضع السياسي الحالي في تونس، جعل أغلب التونسيين يشعرون بالغموض بشأن المستقبل أكثر من أي وقت مضى، ولكن حياة متفائلة دائما وهي تطمح لإحداث التغيير وهذا من خلال نجاحها في مجال البحث.

النضال مستمر من أجل المساواة بين الجنسين

و ماذا عن الأحكام المسبقة بين الجنسين؟ كيف يمكن تشجيع النساء على تحقيق نفس معدلات محو الأمية مقارنة مع الرجال؟ وأبعد من ذلك، ما هي أفضل طريقة لتعليمهم المهارات التي تمكنهم من الذهاب إلى العمل؟ تابعنا كيف تحاول إحدى المنظمات غير الحكومية المساعدة في هذا المجال.

العديد من النساء في تونس تنظرن بفخر إلى الوراء، إلى فترة الرئيس الحبيب بورقيبة مؤسس تونس الحديثة. ففي العام ستة وخمسين منح بورقيبة المرأة التونسية الكثير من الحقوق كالتعليم العالي وحظر تعدد الزوجات وحق الطلاق المتساوي والإجهاض المقنن، ولكن المساواة الكاملة بين الجنسين لا تزال في قلب المعركة. اليوم ومع تغير المشهد السياسي وظهور الاتجاه المحافظ في البلاد تشعر العديد من النساء بأنهن مهددات.

“ المرأة التونسية تخشى على نفسها أكثر من أي وقت مضى، بعض الناس يقولون إن نسبة البطالة إرتفعت في صفوف الرجال لأنّ النساء يعملن، الناس يطالبون المرأة في تونس بالبقاء في البيت. نحن مهددات في عملنا، في التعليم، وفي الحقوق، وفي الإنجازات، وعلى مستوى كرامتنا “، قالت راضية الجربي، رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية.

خمسة وعشرون بالمائة من الأميين في تونس هم من النساء. المرأة في تونس تمثل ثلاثين بالمائة من سوق العمل. الاتحاد الوطني للمرأة التونسية وبالتعاون مع وزارات الدولة أطلق برنامجا على المستوى الوطني للقضاء على الأمية و منح النساء حقوقا متساوية في مجال العمل.

“ أريد أن أتعلم، لأنّ هذا سيساعدني على إقامة مشروع تجاري. أريد أن أكون قادرة على التعامل ومعرفة الحساب وعلى دراية بقيمة المال لتقديم آداء أفضل للعملاء “، تقول بهيجة غزواني.

يسعى الاتحاد الوطني للمرأة التونسية إلى تشجيع النساء على محاربة التخلف في المناطق الريفية. الكثير من الأسر الفقيرة تسمح بتسجيل الأبناء في المدارس بدل البنات وهذا بحجة بعد مسافة المدرسة. الاتحاد أنشأ فصولا دراسية لمحو الأمية في أجزاء مختلفة من البلاد، إضافة إلى مراكز تدريبية لتعليم النساء القراءة والكتابة ومهارات لتعزيز فرص العثور على وظيفة. عائشة في عامها الجامعي الثاني، لكنها هنا لتعلم غزل الصوف، حيث تعتبر أنّ الأمر يمثل فرصة جيدة، عائشة قالت في هذا الشأن: “ الدراسة تأخذ وقتا طويلا، وفرص العمل محدودة للغاية، لذلك اخترت شيئا آخر لكسب الوقت “.

“ إن نسبة النساء اللاتي تحققن نجاحا وتفوقاً في التعليم أكثر من نسبة، ولكن على مستوى سوق العمل نجد عدد الرجال أكثر“، تقول راضية الجربي رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة التونسية.

لقد لعبت المرأة التونسية دورا هاما خلال الثورة، إذ خرجت إلى الشوارع إلى جانب الرجل، ولكن يبدو أنّ الطريق ما زالت طويلة لتحقيق التكافؤ بين الجنسين في تونس.

اختيار المحرر

المقال المقبل
سلبيات وإيجابيات تكرار العام الدراسي

learning world

سلبيات وإيجابيات تكرار العام الدراسي