عاجل

النزاعات المنسية بعد الحرب العالمية الاولى من بولندا الى تركيا

تقرأ الآن:

النزاعات المنسية بعد الحرب العالمية الاولى من بولندا الى تركيا

حجم النص Aa Aa

وضعت هدنة 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1918 حدا للمعارك بين المانيا والحلفاء لكنها لم تأت بالسلام الى اوروبا حيث استمرت الصراعات من اجل الاستقلال والنزاعات الحدودية والحروب الاهلية الدامية, في تخريب قسم كبير من القارة لعدة سنوات. فمن روسيا الى تركيا مرورا ببولندا وايرلندا, اسفرت تلك الحروب المنسية قليلا اليوم, عن سقوط ملايين القتلى — يصعب على المؤرخين تحديد عددهم بدقة ومصداقية —, ما زاد في فداحة حصيلة الحرب العالمية الاولى التي كانت اصلا مروعة. ولن يستقر السلم في القارة الا بعد معاهدة لوزان في تموز/يوليو 1923 التي حلت المشكلة التركية. وفي 1918 ومع نهاية الحرب مع المانيا, واجهت الدول الاوروبية ظاهرة غير مسبوقة منذ الثورة الفرنسية تتمثل في الدعاية الثورية الروسية السوفياتية. وكتب هنري كيسنجر في كتابه “دبلوماسية” انه “لاول مرة منذ اكثر من قرن عملت دولة رسميا على قلب النظام القائم, ونشط الثوريون الفرنسيون من اجل تغيير طابع الدولة بينما خطى البلاشفة خطوة اخرى باقتراحهم القضاء على الدولة تماما”. وامام الانتفاضتين الشيوعيتين في المانيا والمجر اللتين سحقتا في 1919, تملك الذعر الدول الاوروبية فأقامت “حزاما صحيا” من اجل احتواء الثورة الروسية. وكانت الفكرة تتمثل في عدم التدخل مباشرة في شؤون روسيا, وفي المقابل دعم مختلف الجيوش “البيضاء” التي كانت تحاول عبثا من سيبيريا بقيادة الاميرال كولتشاك الى اوكرانيا مع الجنرال رانغل, قلب النظام السوفياتي الحديث العهد. وبلغ حجم قوة التدخل الاجنبية عشرين الف رجل في 1919, واستمر جنود فرنسيون وبريطانيون في مساعدة قوات الثورة المضادة تقريبا حتى هزيمة هذه الاخيرة في 1921. واسفرت الحرب الاهلية الروسية وما واكبها من فظاعات ومجازر من الجانبين, عن سقوط ملايين القتلى وتركت البلاد منهكة. وتلتها عدة نزاعات حدودية لرسم حدود الدولة السوفياتية الجديدة بينما ظهرت على انقاض الحرب العالمية دول البلطيق الجديدة (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا) وخصوصا بولندا التي اختفت من الخارطة الاوروبية في نهاية القرن الثامن عشر. واندلعت حرب روسية بولندية بلا هوادة في 1919 اسفرت عن سقوط 250 الف قتيل وفق المؤرخ الفرنسي برونو كبان قبل ان تنتصر بولندا في 1921 وتضع حدا, عبر معاهدة ريغا, للطموحات السوفياتية في تصدير ثورتها سريعا الى اوروبا الغربية. كذلك نشبت نزاعات حدودية بين البولنديين ودول البلطيق والاوكرانيين, وهزت البلدان الجديدة في البلقان في سياق مطالبة قومية اشتدت بسبب مبدأ تقرير المصير الذي دافع عنه الرئيس الاميركي ويلسون. وكتب الفيلسوف الروسي بيوتر ستروف نهاية 1919 ان “الحرب العالمية توقفت رسميا مع التوقيع على الهدنة, لكن كل ما نعيشه من حينها (…) ليس سوى استمرار وتحول للحرب العالمية”. وفي الطرف الاخر من اوروبا بدأ عسكريون قوميون اتراك يقودهم مصطفى كمال اتاتورك ويرفضون تفكيك الامبراطورية العثمانية المفروض في معاهدة سيفر, المقاومة منذ 1919 ضد الغزاة. وقد تمكنوا من استعادة كل الاراضي التركية الحالية خلال ثلاث سنوات من المعارك الضارية خصوصا ضد القوات اليونانية التي كانت تحتل جنوب غرب الاناضول. وادى النزاع الذي تخللته عدة فظاعات — مجزرة قتلت خلالها القوات التركية ثلاثين الف مدني خلال سقوط سميرن في 1922, وفق برونو كبان — الى تبادل سكان عملاق ادى الى رحيل 1,3 مليون يوناني من تركيا الى اليونان ونحو 400 الف تركي من اليونان. وحتى بالنسبة لبريطانيا رغم انها كانت في معسكر المنتصرين, فان نهاية النزاع العالمي الاول ادت الى استئناف الانتفاضة القومية في ايرلندا التي اعترفت لندن باستقلالها في كانون الاول/ديسمبر 1921, وقد اشتدت حركة التمرد على الاحتلال البريطاني وتجنيد الايرلنديين منذ سنوات الحرب لا سيما بمحاولة تمرد في 1916 قمعت بشدة.

افب