عاجل

بعد عشرين عاماً من وجود السوق الموحدة نميل لاعتبار الحريات التي تؤمنها حرية التنقل كبديهيات. لذا من المفيد التذكير بطريقة عمل السوق الموحدة في خلق الازدهار للشركات و للناس. لقد أسقطت السوق الأوربية الموحدة الحدود. حالياً 2,8% بالمئة من الأوربيين يعيشون ويعملون في بلد أوربي ليس بلدهم الأم. معظم هؤلاء المهاجرين في عمر العطاء مع نسبة قليلة من الطلاب والمتقاعدين. السوق الموحدة تضمن أيضاً الحرية لحركة السلع والخدمات و رؤوس الأموال ما يسهم بزيادة الناتج الإجمالي الأوروبي. حرية الحركة زادت الصادرات و الاستثمار.الأعمال في الاتحاد الأوربي تملك مدخلاً على 500 مليون مستهلك إذا شاءت. ما يعتبر أكبر كتلة للتجارة الحرة في العالم، وهي تمثل ما يصل إلى 20% من الناتج الإجمالي العالمي. كل ذلك يسهم في جعل الشركات الأوربية منافساً على مستوى العالم، و يمكنها من توظيف الكفاءات المتواجدة في أي مكان في أوربا. لكن الحواجز الإدارية و التنفيذية تبقى بحاجة إلى تذليل.

صعوبة الظروف الاقتصادية صعدت النقاش بشأن المهاجرين الأوروبيين الذين يصل عددهم إلى أكثر من 14 مليون مهاجر. هل يسعى هؤلاء وراء لقمة العيش أم يبحثون عن المساعدات؟ رغم أن معظمهم المهاجرين الرومانيين والبلغاريين يعيشون في إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، لكن النقاش الأكثر احتداماً كان في المملكة المتحدة.

يحتدم الجدل في المملكة المتحدة حول الهجرة الأوروبية. يقال إن البلاد استقبلت 200 ألف مهاجر أوربي عام2013. أندري دافاتشف مهاجر بلغاري ذو كفاءات عالية. عمل في الولايات المتحدة، وهو ينتقل الآن بين المكاتب في لندن وامستردام. كونه بلغاري يجعله يعاني من النظرة النمطية السائدة من أنه متطفل يبحث عن المساعدات.
أندري بقول: “الآراء متباينة و تتأثر بوسائل الإعلام. يوجد من يعتقدون أن البلغاريين والرومانيين يأتون هنا لسرقة المساعدات ثم العودة إلى ديارهم، ومن الجهة الأخرى يوجد من يقدّرون فعلاً التنوع. نحن نعمل بجد، وهذه فرصة يقدمها الاتحاد الأوربي، أليس كذلك؟ أعتقد أن هذه إحدى ركائزه”.

لكن هل للكفاءات المهاجرة تأثير سلبي على اليد العاملة في البلد المستضيف؟ ماركو ماناكوردا أستاذ الاقتصاد في جامعة كوين ماري يجيبنا: “على عكس ما يعتقد في النظرية الاقتصادية القياسية، فإن هجرة الكفاءات لا تأثر سلباً على اليد العاملة في البلد المستقبل، لم نلحظ ضرراً كبيراً. لكن الأمر يكبّد البلد المصدّر للعمالة الخسائر، خصوصاً إذا كان يُنفق المال على التعليم.” لندن إذا تستفيد من هجرة الأدمغة البلغارية، و البلد الأم ستستعيد تلك الكفاءات الخبيرة ذات يوم إذا ما قررت العودة إلى الديار. أشخاصٌ كأندري يسهمون في إعادة الأموال لبلادهم و تحفيز النمو الاقتصادي الذي يصل إلى ثلاثة فاصلة اثنين بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في رومانيا، وإلى أربعة فاصل واحد في بلغاريا. و الملاحظ أنهم غالباً ما يجدون عملاً في البلد المضيف.

التقينا في باريس المفوض الأوربي للعمل والشؤون الاجتماعية والدمج لازلو أندور، وسألناه عن رأيه حول ردة الفعل العنيفة التي تواجهها حرية التنقل في الاتحاد الأوربي. فأجاب أندرو لازلو: “التفاوت بين بلدان الاتحاد الأوروبي ارتفع بعد انضمام بلدان من أوربا الشرقية، و ازداد عدد الراغبين بالاستفادة من حرية الحركة. حرية الحركة تعيد التوازن في سوق العمل الأوروبي، حيث يكثر الطلب على العمالة في ألمانيا أو السويد… بينما يتواجد الكثير من العاطلين عن العمل في دول أخرى كاليونان أو إسبانيا مثلاً”.

عند سؤالنا: “لا يمكن إنكار وجود هجرة بهدف الحصول على المساعدات الاجتماعية. ما العمل بالنسبة لدول تُعرب عن قلقها من ذلك كبريطانيا أو حتى ألمانيا؟”. أجاب أندرو لازلو: “لقد ثبتَ أن العمل هو السبب الرئيسي للتنقل من بلد إلى آخر، الامتيازات ونُظم الضمان الاجتماعي و الرفاه تلعب دوراً ثانوياً. السويد والدنمارك توفران مستويات عاليةً من الرفاه مقارنة مع المملكة المتحدة. لكن المملكة المتحدة بالإضافة لألمانيا تستضيفان غالبيةَ المهاجرين في الاتحاد الأوروبي. قد يوجد فجوة في بعض البلدان بين تصورهم عن حركة العَمالة و ما يجري على أرض الواقع، تحديداً فيما يتعلق بموضوع المساعدات. عند استشعارنا لأزمة حقيقة، فإن الدول الأعضاء بالطبع ستعمل معاً للقضاء على الثغرات التي تسهم بإساءة استخدام نُظم الحماية الاجتماعية”.

يورونيوز: “هل نحتاج إلى تغيير أو مراجعة التشريعات على ضوء تباين الأداء الاقتصادي، و اختلاف نظم الضمان الاجتماعي؟”. بالنسبة للمفوض الأوربي: “تستطيع خدمات التوظيف الحكومية إعطاء فكرة أدق حول أماكن العمل الشاغرة. ما سيمكّن الباحثين عن عملٍ من معرفة طبيعة الشغلِ المتاحِ قبل مغادرة بلدانهم. توجد حاجة للتنسيق بشكل أعلى بين نُظم الضمان الاجتماعي. إذ يتعين على الاتحاد الأوروبي ضمانُ عدم اقتطاع تقاعدك إذا ذهبت للعمل في دولة عضو. بحيث يمكنك لاحقاً الاستفادة من أنظمة المعاشات التقاعدية في جميع البلدان التي عملت بها، بما يتناسب مع الوقت الذي قضيته وأنت تعمل فيها”.

وعند سؤالنا: “تريد القول بأن يتم التنسيق بين جميع نظم الضمان الاجتماعي “للاتحاد الأوروبي؟. أجاب: “لا حاجة لمجانسة الضمان الاجتماعي. المخصصات المتاحة في الصندوق الاجتماعي الأوروبي كافيةٌ برأي. حتى إذا رغبتِ بمزيد من الانسجام سيكون من الصعب إدارة جميع تفاصيل النظام”. يضيف أندرو: “بعض البلدان تميل لأن تكون مصدرة للمهاجرين لكنها مستقبلة لرؤوس الأموال. و بالطبع بعض البلدان قلقة من الهيمنة الكبيرة لرأس المال الأجنبي. الناس قد يعتقدون أن المستثمرين الأجانب والشركات الأجنبية، ورجال الأعمال الأجانب تزاحم الشركات المحلية. وهذا يتطلب وضع الأشياء في سياقٍ أوسع. التباين بين الدول الأعضاء سيتفاقم أكثر إذا ما تم حرمان بلد عضو من حرية أو من أخرى. ما من شأنه أن يسهم بخلق بلدان من الصف الأول وأخرى صف ثاني”.

النظام الضريبي المتساهل مع الشركات هنا في رومانيا يقدر بـ16% مقارنة مع 29,5% في ألمانيا، ذلك يشجع الشركات على المجيء. 70% من الصادرات الرومانية تذهب للاتحاد الأوربي، ألمانيا وإيطاليا تعد من أهم الشركاء. الموقع على البحر الأسود ليس السبب الوحيد لمجيء الشركات بل أيضاً العمالة المدربة و غير المكلفة. مع مرور الوقت، أصبحت رومانيا مقراً للتدويل بالنسبة لإيطاليا. شركات إيطالية من مختلف القطاعات أنشــأت لها مواقعَ إنتاجيةً في رومانيا. شركة فالتر توستو المُصنعة للمعدات الثقيلة لمعالجة الطاقة، والتي تدير سبعةَ معاملٍ في إيطاليا و تضم 450 عاملاً، وجدت في رومانيا مكاناً لتوسيع أعمالها. فقبل ثلاثين عاماً كان هذا المصنع رائداً في مجال الصناعة الرومانية. اليوم، هو جزء من فالتر توستو التي تنافس عمالقة الصناعة العالمية. الشركة الإيطالية اشترت الموقع في بوخارست قبل سنتين. و يتم تجديد الموقع ليرفد الشركة الأم بمنتجات و قطع لا تنتجها المصانع الأساسية في إيطاليا. يقول لوكا توستو مدير إدارة الشركة: “قررنا الاستثمار في رومانيا فمع قوة العمالة الموجودة هنا يمكن لنا أن نكون أقدر على المنافسة نوعاً ما. فرصة العمل هنا و تصنيع منتجاتٍ مختلفةٍ عما نقوم به في إيطاليا يتيح لنا التقدم في دعم المصانع الإيطالية”. المجموعة تصدر المنتجات إلى أكثر من خمسين بلداً في جميع أنحاء العالم. و المركز في رومانيا حالياً يقوم بالتصنيع لسوق الولايات المتحدة، و يقدم قطعاً صناعيةً من أجل مركز الاندماج النووي في فرنسا.

من التكنولوجيا المتطورة إلى آخر صيحات الموضة. نذهب إلى مدينة بوزاو على بعد 100 كيلومتر شمالَ بوخارست. الأزياء الإيطالية على موعد في هذه المدينة الصغيرة. العوائد السنوية لـ “مارتيلي يورب” تصل إلى 55 مليون يورو، وعدد المشتغلين فيها يصل إلى ألفي عامل. في الفرع الروماني توضع اللمسات الأخيرة على الملابس. كيُّ سراويل الجينز أو تجعيدها هو ما تقوم به العاملات في هذا المصنع. و كذلك عمليات المحّ إن لزم الأمر لتضيف روح المعاصرة على الأزياء. بالطبع لا تساهل بشأن الدقة العالية عندما يتعلق الأمر بإنتاج الجملة، ذلك يتطلب مهارة عالية من اليد العاملة. اللمسات الأخيرة تتم في العادة خارج بلدان الاتحاد الأوبي. لكن الأجور المنخفضة في رومانيا تتيح للمُنتج الأوربي الحصول على نفس الخدمة وبنفس السعر دون مغادرة القارة العجوز. مورو ماريا أنجيليني مدير الإدارة في مارتيلي يوروب يقول بشأن السوق الحقيقي: “هناك عودة إلى المُنتج المادي، والمنتج الفعلي، إلى الاقتصاد الحقيقي و الملموس. أعتقد أن العملية بدأت بالفعل، و سوف تبقى في هذه البلدان، و تنتقل أيضاً إلى إيطاليا، فذلك جزء من خلفيتنا الثقافية”.