عاجل

عاجل

هجرة الأدمغة من اليونان بحثا عن جنة العمل المفقودة

تقرأ الآن:

هجرة الأدمغة من اليونان بحثا عن جنة العمل المفقودة

حجم النص Aa Aa

ترصد “يورونيوز” ظاهرة هجرة الادمغة التي سببتها الازمة المالية لليونان بشكل خاص. الأزمة القاسية لخمس سنوات جعلت الملايين عاطلين عن العمل. العديد منهم شباب تلقوا تعليما جيدا، لكنهم غادروا بلدهم للبحث عن عمل غالبا في دول الشمال الاوروبي. لذلك سافرت مراسلة “يورونيوز” إيفي كوتسوكوستاإلى السويد، لتلتقي بعضا من آلاف اليونانيين الباحثين عن جنتهم المفقودة.
إلفثيريا جيروفوكا، ممثلة ومخرجة، غادرت اليونان قبل ثلاث سنوات بعدما ضربت الأزمةأيضا القطاع الفني. عاشت في مدينة غوثنبيرغ السويدية فترة صعبة للغاية، اضطرت بدايته للعمل في تنظيف مسرح “أنغريدس“، وغسل ملابس الممثلين.
الآن تعلمت اللغة وتخرج عرضها الخاص هناك. لكنها لا تنسى ما مرّ عليها، وتقول بعاطفة جياشة :“في مرات كثيرة كنت أضيع وأتوه بين الباصات خلال قدومي إلى المسرح. أتوه وأتوه. كنت أبكي وأتساءل كيف سأتدبر أمري، هذا العبء والضغط الذي يقع على كاهل المهاجرين كبير جدا”.
بالفعل، هذه الهموم يتشاركها المجتمع اليوناني في غوثينبرغ. هناك التقت “يورونيوز” جورج ثابارتاس. كان يعمل في القطاع الاعلامي في أثينا، لكنه فقد عمله جراء الازمة. جاء مع زوجته وولديه، وتنقل في أعمال كثيرة. لا يزال يكافح بعد ستة أشهر له في السويد.
هذه التجربة كانت تماما خارج حساسباته، ويقول :“لم أتخيل أني سأغادر اليونان وعمري أربعون سنة. الهجرة لم تكن على الاطلاق خياري، بل فرضت علي. هنا أعلم ما سأفعل خلال الشهور الستة القادمة، ولدي برنامج واضخ. في اليونان لا تعرف ما الذي سيجلبه لك غدك، وإنعدام الأمان يتحول إلى آفة تأكلك في العمق”.
لم تنج أي مهنة من بطالة الأزمة، حتى موظفوا القطاع الطبي كانوا يعانون مسبقا. لهذا هاجر جراح العظام جورج تسيكانتيلاكس إلى السويد التي تشهد طلبا كبيرا على الأطباء.
حال زملائه المقيمين في اليونان تزداد سوءا، حسبما يوضح :“يمكنك دائما اختيار مجال تخصصك، لكن لا يمكنك العمل فيه. عليك الانتظار حتى ثماني سوات، وما لم يكن لديك عمل آخر فلن تفعل غير الانتظار”.
تشير آخر الاحصاءات إلى أن مليونا ونصف المليون يوناني غادروا بلادهم خلال السنوات الثلاث الماضية. معظمهم توجه إلى المانيا وبريطانيا وبلجيكا والسويد وسويسرا.
البروفسور السويدي، في دراسات العمل، تشارلز ولفغن، يرى أن الهجرة ستكلف الكثير لبلدان الجنوب الاوروبي.
يوضح ذلك بالقول: “حرية تنقل العمالة كما تصفها القوانين الاوروبية ليست بالضرورة مفيدة للبلدان المصدرة للمهاجرين. سياسة الأمان الاجتماعي ليست حكرا على دول أوروبا الغنية. إذا استمر تآكل مجتمعات دول الجنوب وانتقلت المشكلة إلى شرق أوروبا، فحينها يجب أن تتصدر هذه القضية أولويات السياسة الاوروبية”.
يقر اليونانيون المهاجرون بأن أكثر ما يفتقدونه هو شعبهم ووسطهم الاجتماعي، لكن هنا يحضر السؤل: هل يفكرون حقا في العودة؟
يرد الجراح بالقول :“لا يلائمني الانخارط في نظام المشافي العامة. إذا عدت سأعمل طبيبا في القطاع الخاص، لكن هذا القطاع يواجه أوقاتا صعبة في اليونان”.
أما مواطنه ثابارتاس فيعلق بسخرية :“لا أفهم كيف أن هناك بلدا يغرق طوال الوقت، ثم فجأة قبل الانتخابات تخرج الأموال. لم نتعاف بعد فنحن غارقون في الديون”.
لكن الممثلة جيروفوكا تبدو أقل توترا، وتقول :“بالنسبة لي لم أغلق أي باب. نعيش في أوروبا، لكن يمكننا العمل في السويد أو اليونان أو مصر. أنا أعيش يومي هنا ولا أعرف ما الذي سيأتي غدا، هكذا يجب أن نفكر في الحياة، أن نتحرك قليلا كما لو أننا طيور”.
لنقاش أبعاد هذه القضية، أجرت “يورونيوز” مقابلة مع جورج باغولاتس، استاذ الاقتصاد والسياسات الاوروبية في جامعة أثينا.
حذر من أثر هذه الهجرة على جهود التعافي الاقتصادي، وقال :“المشكلة تكمن في أن أفضل وألمع الاختصاصيين المؤهلين يغادرون. ستتفاقم المشكلة إذا كانوا لا ينوون العودة على المدى القصير، لأن اقتصادات دول الجنوب تقوم الآن بتحول كبير، وتحاول الانتقال إلى نموذج النمو المستدام المؤسس على القيمة المضافة والنشاطات عالية الانتاجية. لذلك عندما تفقد أفضل وألمع المؤهلين فعندها ربما سيكون من الصعب جدا التحول إلى هذا النموذج من النمو”.
رافعا درجة التحذير، أضاف باغولاتس :“هذه المشكلة ستجعل اقتصادات دول الجنوب تعلق في حلقة مفرغة من النمو الضعيف، والقمية المضافة المنخفضة. لذلك هنالك خطر كبير من أن قضية العمالة المهاجرة يمكن ان تنتهي إلى نوع من تفاقم تفكك منطقة اليورو”.