عاجل

حتى قبل سقوط البرتغال في الأزمة المالية عام 2011، كانت ظاهرة فقر الاطفال واضحة، ويعاني منها ثلث أطفال هذا البلد. جاء التقشف ليعمق المشكلة: فقد نصف مليون برتغالي المعونات الحكومية لأطفالهم.
للتحقيق في هذه القضية، سافرت مراسلة “يورونيوز” إيزابيل دا سيلفا إلى البرتغال.
في مدينة بورتو زارت مؤسسة اجتماعية، غير ربحية، تدعم حوالي 500 عائلة فقيرة. تدرب المؤسسة الكبار على الطبخ والوجبات تذهب للأطفال. منهم سوادي فاتي التي تقول :“ليس بمقدور أمي سوى شراء أنواع محددة من الطعام، لكن أحيانا نرغب في أشياء أخرى . عمي يساعد أمي في شراء بعض الملابس”.
هذه الطفلة لا تعيش فقط ظروف الحرمان، بل تراها حولها بشكل أكثر قسوة. تقول عن ذلك :“من المحزن رؤية الناس يتنقلون بين حاويات القمامة للبحث عن طعام، لا أحد يرغب برؤية هذا الموقف”.
تعيش سوادي وأخوها مع والدتهم بانا، التي لا يمكنها العمل بسبب المرض. تحصل ربة الأسرة على معونات حكومية لا تتجاوز 400 يورو تدفع منها300 يورو للايجار.
تقول الأم بلهجة يلمؤها الهمّ :“أدفع الايجار بشق الأنفس. أكاد أكون عاجزة عن توفير طعام جيد لنا. إذا لم أدفع الايجار سيلقون بي في الخارج: أين أذهب مع أطفالي؟ القلق الاكبر في حياتي هو كيف سأتدبر دفع ايجار المنزل”.
التقشف جعل الحكومة تنفض يدها من حوالي 50 الف عائلة، بعدما قلصت المساعدة الاجتماعية. بين عامي 2010 و2012 انخفضت 22 بالمئة.
خلّف ذلك واقعا يعاينه البقال جوزيه ماركوس، بعدما قضى في دكانه 65 سنة. لا يعاينه فقط، بل يحتك به يوميا كما يقول :“يأتون ليطلبوا مني لترا من الزيت أو كيلو أرز، ويقولون سندفع لاحقا. لا أعرف ما قصدهم اليوم أم غدا”.
العجوز الذي تجاوز 86 سنة يتفهم ما يدفع زبائنه للاستدانة بلا توقف، ويقول :“العائلات الشابة تعيش أوقاتا قاسية. فالوظائف لم تعد تسد الرمق. إنهم يعملون لبضعة أشهر ثم يقضون شهورا أخرى بلا عمل”.
إلى جانب تقليص الرعاية الاجتماعية، تشكل البطالة عاملا آخر يؤثر بشدة على فقر الاطفال. معدل البطالة وصل إلى 17 بالمئة في البرتغال. معظم العاطلين عن العمل لديهم أطفال وبعضهم لا يحصل على تعويضات البطالة او الاعانة الاجتماعية. لذا لا عجب إن صار أطفال مثل روبن خبراء في الاقتصاد. يقول هذا الطفل الذي لم يتجاوز 12 سنة :“البضائع غالية وأسعارها يجب أن تنخفض. لكن هنالك أشياء أخرى يجب أن ترتفع، مثل الحد الأدنى للرواتب والمعونة الاجتماعية”.
روبن وشقيقته الصغيرة يعيشان مع أم وحيدة، عاطلة عن العمل وتتقاضى مساعدة اجتماعية زهيدة. لذلك فالجدة إلفيرا هي ملاذ العائلة.
كونها عاملة تنظيف فهذا جعلها تبتكر سياسة لدفع الفواتير، كي تتمكن من إعانة عائلة ابنتها. تقول الجدة وهي تضحك :“أدفع الكهرباء عن شهر، لكني في الشهر التالي أنتظر وصول إنذار بقطع الكهرباء وأدفع فقط لخدمة التلفزيون. أحيانا استدين من أختي بعض المال لدفع الايجار ريثما يأتي آخر الشهر. عندها أدفع الايجار لكن لا أدفع شيئا آخر، هكذا نعيش كي نغطي نفقاتنا”.
مؤسسة الدعم الاجتماعي التي زارتها “يورونيوز” تقول إن على البرتغال إيقاف نقل الفقر من جيل إلى آخر. إنها تعارض سياسة السكن الاجتماعي التي تخلق مجمعات سكنية للفقر برأي مديرة المؤسسة سيداليا كويروس :“بعص التجمعات السكنية تشكل انتهاكا للانسانية. هنالك أطفال يعيشون في أماكن لا يمكن أن يكبروا فيها على تعلم القيم الايجابية. إنهم يتعلمون أساليب الانحراف ويقبلونها كما لو أنها شيء عادي”.
خلال سبع سنوات ستتلقى البرتغال دعما أوروبيا بحوالي مليار ونصف المليار يورو لمكافحة الفقر، لكنه نقطة في محيط ما تحتاجه لضمان مستقبل أطفالها.
ظاهرة عوز الأطفال ليست غائبة عن انتباه المؤسسات الدولية. خلال استعراضها السنوي، خلصت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة “اليونسف” في البرتغال، وتسع منظمات غير حكومية، إلى أن التقشف يسبب تعدياعلى حقوق الطفل.
التقت “يورونيوز” مديرة لجنة “اليونسيف” في البرتغال مادلينا كريللوالتي اعتبرت أن :“العامل الشديد الأثر على الأطفال هو البطالة. إنه عامل له أهمية بالغة لأنه اولا يقود إلى حرمان مادي للأسر بسبب انخفاض الدخل المتوفر، وثانيا، لأن الأهل لديهم وقت أقل لتربية أطفالهم، بينما يملأهم القلق ويحاولون تحصيل المال بطرق بديلة تؤمن بعض المدخول”.
ردا على سؤال عن كيفية تأثير هذه الظاهرة على مستقبل الأطفال، قالت كريللو :“التأثير الذي يتركه الفقر وقلة الفرص سيكون له انعكاس على مستقبل الاطفال، لجهة نوعية التعليم الرسمي وعلى المهارات التي يحتاجونها للعيش في المجتمع، ولاحقا سيؤثر على انتاجيتهم في العمل”.