عاجل

تقرأ الآن:

الفنان الاستعراضي،فريد مرزوقي،يلهب ليالي فورفيار، بليون


فرنسا

الفنان الاستعراضي،فريد مرزوقي،يلهب ليالي فورفيار، بليون

مقاربة نقدية في ملحمة فريد مرزوقي

أمتع الفنان الاستعراضي، فريد مرزوقي، و فريقه الجماهير الحاضرة، من خلال عروض فنية ، رسمتها فرقته المتكونة من اربعين فنانا. بمدينة ليون الفرنسية، ليلة، الاثنين .
ثلاثون راقصا، جاؤوا من مختلف مناطق فرنسا و من الخارج أيضا، ليتحدثوا بصوت من لا صوت لهم، بلغة الفن، و الاستعراض و الموسيقى و الحركات البهلوانية،في انسجام فني راق، عبر ترديد ترانيم موسيقى الهيب هوب و تداعياتها الفنية الراقية و التجليات الجمالية التي تاخذ بمجامع القلوب.
الاستعراض الفني، الذي قدمته فرقة فريد مرزوقي، تمتزج فيها الآلة بالابداع و الكمان بالحركة و بالرقص الملحن، عبر خلق حوار غير عادي، بين الفنانين و الراقصين يرتمي خلاله الفنانون الاستعراضيون في الفضاء المسرحي، المصمم خصيصا ، بفضل الديكور الرومانسي ، حيث تمتزج الاهازيج الغنائية بالحركات البهلوانية، مثيرة بذلك متعة كبرى تجلت ملامحها في تصفيقات الجمهور الحاضر، غير المنقطعة، و التي أسهمت في أن يتحول الفضاء الاستعراضي، إلى ساحة ، تجاذب فيها الفنانون، بلغة العيون و الحركة، مع الحاضرين،تجاذبوا شعورا بنشوة كبرى، ألهبت الراقصين و المبدعين على تجاوز ما لا يمكن في حركات بهلوانية تثير القلب و العقل معا.
في العرض الفني، الذي شهدته مدينة ليون الفرنسية، نشاهد تمازجا صارخا بين الموسيقى و جماليات الايقاع و قوة الصورة،التي تجسد ملامحها الألوان الزاهية و أخرى مكتئبة بسودوايتها و قتامتها و كأننا أمام ملحمة فنية ، تجسد تلاقح الكلاسيكية بالرومانسية و فناء الألم باللذة.
العزف بالفن و بالحركة و الجسم ، جماليات كلها تركت الجمهور ، الحاضر مشدوها و حانيا هامته إجلالا للقوة الإبداعية و لقوة الحركة و عنفوان الثورة عبر الحوار، الذي يتحول تارة إلى مونولوج داخلي و طورا إلى خطاب هستيري يجسد الثورة ، و العنفوان، الثورة على الواقع و العنفوان على الحال و الضنك من خلال جاذبية ملامح المعاناة في تجلياتها المختلفة و تداعياتها المتباينة. و أساليبها المتضاربة.
خفة حركة الفنانيين، على المسرح تثير فينا نحن الحاضرين لذة الانتظار، بما فيها من تحد و من كبرياء و جلال و جمال، فيه شيء من المخاطرة بالنفس و بالحركة و بالجسم أيضا.، تجعلنا ، مشدوهين ، و منبهرين .

الروح الايحائية و تجليات الاسى و قوة الألم

التراتيل التي تتخلل الاستعراض الفني، برغم أنها غير مفهومة سوى أنها تبعث على أمل،تظهر ثناياه، في صدى الصوت ، القادم من أعماق الأعماق، من داخل نفس مهترئة تعاني القساوة و المرارة و عنف الحياة، كما أنها تنم عبر مستوى آخر، تنم عن تجليات مترامية، تنأى شأوا بعيدا، عن رتابة اللغة و تجسيدية اللون لمبتدع ، لكنها قوى فيها أيضا تجليات القداسة بكل ما تعنيه الكلمة من طاقة إبداعية، و روح إيحائية، تتحرك الهوينى لتعبر عن الأسى و المعاناة من خلال الحشرجات و من خلال الآهات الدفينة و التأوهات الوجودية التي تكاد تزلزل جدران الفضاء المسرحي برمته، فقط عبر الصيحات ، عبر اللغة الاستعراضية .
اعتمد فريد مرزوقي، و هو الشاب في مقتبل العمر، اعتمد بفضل فرقته، السيرك، وسيلة لتواصل الشعوب، و المحبة و التعايش، فريد مرزوقي، فنان انتج أسلوب “هيب هوب،” و أضفى إلى اللون الفني الإبداعي مسحات جمالية مميزة، عبر الحركات البهلوانية التي تأخذ بمجامع القلوب، و تترك المتلقي مولعا و مبهورا أمام قدسية النشوة الفنية بابتداعاتها و حركياتها و اسلوبها الفني الراقي، جدا.
فريد مرزوقي الذي بدأ حياته ، كراقص، بهلواني في محطات القطار،و داخل المباني السكنية، ما كان يهمه أثناءها هو نظرات المعجبين، و المارة و المتحدثين و حتى المتسكعين حول فنه الاستعراضي، لينتقل بالمتلقي إلى مجال رحب لتمازج الألحان و الأهازيج و فناء أبطال الفن الاستعراضي، في بعضهم بعضا، يتجلى ذلك في أصول الفنانين المختلفة و ألوانهم المتميزة و لباسهم و حركاتهم بل و بلغاتهم أيضا. .

المرزوقي و الثلاثي الفني، او الطريق نحو النجومية

و قد شكل مرزوقي، في 1989، مع رفقاء دربه، قادر عتو،و ايريك مزينو و شوقي سعيد، ثلاثيا فنيا، اقتحموا جميعهم معترك لون فني جديد و مستحدث، فقط عبر مزج الأشكال الفنية و الموسيقية و حتى الحركية . بدأ الثلاثي العمل الفني الاستعراضي بيوغسلافيا السابقة،وزغرب، و لم يكونوا قد تجاوزا 17 عاما، هؤلاء الفنانون كانوا” تعرضوا في فرنسا لعملية تمييز ضدهم حين كانوا يرتادون الملاهي الليلية، فكانوا يخرجون منها مطرودين” كما يقول فريد مرزوقي، كان تمييزا ضدهم، لكن الغضب ولد الإبداع و الالم ولد ثقة – لا تهتز بالنفس..
عبر جمعية “أطفال العالم اللاجئين” اليوغسلافية، و بدعوتها للثلاثي الفني، تمكن الفنانون الاستعراضيون من بلوغ مصاف أفق فني واعد، فغنوا و رقصوا في مراكز لجوء بصربيا ، لم يكونوا يعرفون لغة فنية أخرى يخاطبون بها الميؤوسين و اللاجئين غير لغة الفن و قوة الحركة و البهلوانية أيضا، ، بفريق قدم، من مختلف المشارب و الأهواء و الجنسيات .بفضل ألحان راقصة و حركات الجسم البهلوانية التي تثير الرعب و الحب و يمتزج الألم فيها باللذة.
خرج فريد من رحم الأحياء الشعبية الفقيرة، إلى عالم آخر، خارج فرنسا، ليثبت وجوده في رحالة معاناة، يتلصص عبرها إلى حب فرض النفس و إثبات الوجود. من خلال “الهيب هوب” تمكن فريد مرزوقي أيضا، بفضل الاستعراض الفني الذي يعتمد على الحركات الفائقة القوة، من فرض التذاوت الموسيقي الرابط بين الثقافات و المخلد لجمالية التعايش بين الشعوب و تحقيق ثنائية لا تحيد عن الحب و السلام و التلاقي بين الشعوب.

تجليات المخاطرة ، كمنطلق تاسيسي للإبداع الفني

استعراضات فريد و فرقته، الموسيقية و الفنية فيها الكثير من المخاطرة، و من البهلوانية، و اجتياز المستحيل، في تلاقح تام مع جمالية الفن بما يعنيه مفهمومه الأساسي من بث روح التحدي و العنفوان في الروح و جمال النفس التي لا تعرف للمستحيل سبيلا.
استعراضات فريد، ليست، مجسدة بشكل موسيقي أو فني موحد، لو نحن غصنا في بنيته الشكلية و المضمونية، ، بل نعثر داخل ما أسميها انا بالملحمة المرزوقية، نعثر فيها لو استقريناها عن كثب، على ملامح الكثير من التمازج بين الألوان الموسيقية المختلفة، وا لأشكال التعبيرية الفنية المثيرة للقلب و العقل ، و هي تستمد قوتها و عنفوانها من الفن الحديث و الرقص المعاصر .
ففي الاستعراض الذي عنونه مرزوقي ب” ريسيتال،” يحاول المرزوقي، أن ينتهج بنية سردية للواقع ، يترصد و يتقفى عبرها واقعا مزريا ، يحارب عبره التهميش و ينادي بالحرية و التحرر ، و قد تجلى ذلك كله، في قوة الأداء و جهورية صراخ الفنانين، بفضاء المسرح الرحب. و قد تمكن الفنان المبدع، من أن يخلق لونا من الفن، يتمازج بالهيب هوب و والألوان الموسيقية الأخرى،فيها الكمان و التصفيق و الصراخ و المونولوج و الحركات الجسدية، المثيرة ، و قد أسهمت كلها في تذكيرنا بروعة الإبداع و جلالته، تلك التي نشاهدها في العمل الخالد “ الكونسيرتو“، العمل الفني الخالد الذي استمد منه مرزوقي عمله الفني، يتجلى ذلك كله، عبر محاولة الفنان الارتماء في الفضاء الفني والانزياح صوب الحيز المكاني، بأسلوب فيه شيء من البهلوانية و من خفة الحركة و جهورية الأداء الموسيقي .
تمكن مرزوقي من إدراج الهيب هوب في فضاءات فنية غير مبتذلة، و ارتقى بالفن الراقي ، الذي هو الهيب هوب نحو مجالات أوسع و فضاءات أرحب، ، و نجح في إدراج الهيب هوب عبر الألحان الراقصة، المختلفة.، التي تغازل أحيانا الرقص الشرقي بحركاته المبهرة
.قوة اللحن الراقص أو الرقص الملحن كما أسميها أنا ، لا تتجلى في ، حركات اعتباطية بل تندرج ضمن تجليات مدروسة يمتزج في ثناياها الصوفي بالمقدس و الجمال بالإبداع و القبح بالسمو.
العمل الفني لفريد مرزوقي و فرقته الاستعراضية يضفي إلى الفن، روحا رقيقة بعنفوان الجمال و خصوبة الايحاء و ديمومة الحركة ورقة عفويتها فقط عبر الغوص في دواليبها المتميزة و تجاذباتها المميزة .
حركات الفرقة الاستعراضية، لفريد مرزوقي، ترنو إلى الوجود و إلى الإثبات الذاتي عبر الفن، و عبر الحركة و ترنو أيضا إلى الاستمرارية للدفاع عن الأصالة والمعاصرة و إلى التعايش تحت سقف واحد في عالم ممهور بالمتناقضات و تدفع استعراضاته،بقوة نحو الإحساس الدفين بفضاء رحب ينمي روح التعايش بين الشعوب فقط عبر الفن و عبر الاستعراض و عبر الرقص الملحن، ليثير فينا نحن المتلقين، النشوة الكبرى. .