عاجل

تقرأ الآن:

الذكرى الستون لمقاطعة السود للحافلات في مونتغومري


الولايات المتحدة الأمريكية

الذكرى الستون لمقاطعة السود للحافلات في مونتغومري

روزا باركس، الخياطة المتمردة

في الفاتح من ديسمبر-كانون الأول من العام خمسة وخمسين قررت روزا باركس عدم التخلي عن مقعدها في إحدى حافلات النقل. ستون عاما مرت على هذه الحادثة لتفرض روزا باركس نفسها خارج الدور النمطي التي تعودت النساء على لعبه. فروزا باركس غيّرت مجرى التاريخ. هذه المرأة السوداء البسيطة كانت تعمل في مجال الخياطة واستطاعت ان ترفع الغبن عن نفسها وأبناء جلدتها قومها حين تجرأت على قول “لا” والتخلي عن مقعدها لرجل أبيض أثناء ركوبها إحدى الحافلات. كانت هذه القطرة التي افاضت الكأس وأشعلت حملة ضخمة من مقاطعة السود للحافلات . وكانت الاحتجاجات تلك بداية لإلغاء التمييز بين المواطنين على أساس اللون في وسائل النقل. ووصل الذروة في العام أربعة وستين بصدور قانون الحريات المدنية الذي حرّم التمييز على أساس العرق في الولايات المتحدة.

روزا باركس الأميركية السوداء أعلنت الاحتجاج في ولاية ألاباما عام خمسة وخمسين لتبدأ بها حركة المطالبة بالحقوق المدنية التي اجتاحت الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت. روزا بارك رفضت ترك مقعدها بسبب التعب جراء يوم العمل الطويل من جهة ولأنها رفضت أسلوب الرجل الأبيض العنصري، الذي وقف امامها وأشار إليها بظاهر يده المفتوحة ان انهضي واخلي المقعد فلم تنهض ولم ترد عليه ودخلت بذلك في خانة التمرد. فقد جحظت عيون الحافلة وتوقفت في غير مكان وقوفها وجاء السائق ليذكرالراكبة “السوداء” بنصوص القانون الذي يلزم السود بالتنازل عن مقعده في الحافلة لأي ابيض يأمره بذلك، وردت روزا باركس: “أنا متعبة جدا.تعبت من التنازل عن مكاني لأشخاص لا يستحقون وليس لديهم اي تبرير لذلك التنازل، ولن أتنازل مرة اخرى لأي كان…. افعلوا ما تشاؤون”. التحدي الذي قامت به روزا باركس ساهم في نشوب واحدة من أروع حركات التاريخ، وهي ثورة الحقوق المدنية التي انتزعت للأميركيين السود حقوقهم المدنية روزا باركس ومارتن لوثر كينغ يدخلان التاريخ

وعلى خلفية ما حدث تقرر جلب روزا باركس إلى المحكمة في أول يوم اثنين، هي التي أوقفت في بحر الأسبوع، قبل اثنين المحاكمة ذاك، وخلال عطلة السبت والأحد، بدأت أوساط السود في مدينة مونتغومري تغلي غضباً وتتحضر للدفاع عن رمز الحرية الجديد، روزا باركس إذ اجتمع السود في مونتغومري لبحث كيفية التحرك، وقاموا بانتخاب قس شاب في السابعة والعشرين من عمره، هو راعي ابرشية كنيسة ديكستير افنيو المعمدانية التي تنتمي باركس إلى رعيتها، كقائد للتحرك. ذلك القس الشاب لم يكن سوى ماتن لوثر كينغ الذي بدأ العمل فوراً، معلناً المقاومة المدنية السلمية في خطوة تحرك أولى تلخصت بدعوة رعيته السوداء في مونتغومري إلى مقاطعة حافلات النقل المشترك.

حسب ما ذكرته روزا باركس في مذكراتها فقد كان التمييز العنصري في بعض مناطق الولايات المتحدة وخاصة في ولايات الجنوب على أشده، وبموجب قوانين جيم كرو، فقد كان المجتمعان الأبيض والأسود منفصلين، تحكمهما قوانين تفضل المجتمع الأبيض على غيره، وحتى في مجال وسائل النقل، كان على الأميركيين السود التخلي عن مقاعدهم للبيض، كما لم تكن لديهم وسائل نقل مدرسية. باركس أضافت أيضا أنّ جماعة “الكو كلوكس كلان” العنصرية كانت تمر بشكل مستمر في الطرقات أمام البيت الذي كانت تعيش فيه، وكانت تذكر بأن جدها كان يحرس البيت وبيده بندقية، ومشاعر الخوف، الذي كان يتملكها عندما كانت هذه الجماعة تمر أمام البيت في الليل. إلا أن باركس قد صرحت بأن بعضاً من البيض كانوا يعاملونها بلطف واحترام.

الحقوق المدنية … كفاح طويل

ويعد مارتن لوثر كينغ، المولود عام تسعة وعشرين من القرن الماضي، أحد أبرز من جسدوا فكرة النضال السلمي في سبيل انتزاع الحقوق في العالم، وتحديدا في الولايات المتحدة حيث ناضل على مدار عقود لانتزاع الحقوق المدنية للأميركيين السود. وتزعم القس البروتستانتي الشاب حركة مقاومة سلمية في الخمسينات من القرن العشرين لوقف كافة أشكال التمييز العرقي ضد السود حيث برزت قيادته على ضوء الدفاع عن مبدا “روزا باركس” حين قام السود في مدينة مونتغمري بحملة مقاطعة لشركة الحافلات ردا على القانون الذي كان يلزم السود بالركوب في المقاعد الخلفية وترك المقاعد الأمامية بالحافلة للبيض، وهي الحملة التي أجبرت الشركة على تغيير قواعدها كما أسست لتشكيل ما عرف بالقيادة المسيحية الجنوبية التي تزعمها كينغ أيضا وضمت عشرات الكنائس السوداء المطالبة بالمساواة. وفي الأعوام التالية، انتهج النشطاء السود أسلوب الاعتصام في كافة الأماكن التي كانت حكرا على البيض في محاولة لإنهاء هذا الشكل من أشكال التمييز العرقي.

وفي عام ثلاثة وستين قاد كينغ مسيرتين تاريخيتين، الأولى إلى مدينة برمنغهام بولاية ألاباما الجنوبية والتي تعرضت لقمع عنيف، والثانية إلى العاصمة واشنطن والتي ضمت آلاف السود والمتضامنين مع قضيتهم. ونتاجا لذلك، أصدر الرئيس الأميركي جونسون في العام التالي ما عرف بقانون “الحقوق المدنية” الذي أقر حق الأميركيين السود في التصويت والانتخاب. إلا أن هذا القانون لاقى معارضة في بعض ولايات الجنوب الأميركي، وهو ما اضطر كينغ ورفاقه لتنظيم مسيرة من مدينة سيلما إلى مدينة مونتغمري للتأكيد على حق التصويت. وفي العام التالي لقي مارتن لوثر كينغ مصرعه على يد متعصب أبيض أطلق عليه النار في ولاية ممفيس.

روزا باركس حصلت على الوسام الرئاسي للحرية في العام ستة وتسعين من القرن الماضي، ثم قلدت الوسام الذهبي للكونغرس، وهو أعلى تكريم مدني في البلاد، بعد ثلاث سنوات. زعيمة الحقوق المدنية روزا باركس توفيت الرابع والعشرين أكتوبر-تشرين الأول عام ألفين وخمسة في منزلها بمدينة ديترويت بولاية ميشيغان عن عمر ناهز الثانية والتسعين عاما. وبفضل تمرّد هذه السيدة، فقد كان لثورة الحقوق المدنية صدى واسعا حيث انتزعت للأمريكيين السود حقوقهم المدنية من براثن العنصرية وبعد أربعين عاما من انتصارها التاريخي أتت بباراك أوباما كأول رجل أسود إلى البيت الأبيض ورئيسا للولايات المتحدة الأمريكية.