عاجل

قبل عام، تمكن حزب سِيرِيزَا اليساري الراديكالي في اليونان من كَسْر نمط تسيير شؤون البلاد التقليدي القائم على التوفيق بين المطالب الداخلية ومقتضيات السياسة الخارجية. ونجح بهذا الأسلوب الجديد في استقطاب اليونانيين الناقمين على ما آلت إليه أوضاعهم في ظل السياسات التقشفية الحكومية. وانتزع تسيبراس بالتالي الفوز بالانتخابات التشريعية لأول مرة في تاريخ اليونان منذ استقلالها عن الإمبراطورية العثمانية في بداية ثلاثينيات القرن 19م.

لكن بعد عام من الحُكم، يتساءل اليونانيون إن لم يكن حزب سيريزا قد بدأ يستنفذ وهجَه ومصداقيته بعد كل المقايضات السياسية والاقتصادية التي قام بها مع الدائنين الدوليين لبلاده وحتى على مستوى تحالفاته الداخلية المفاجئة.


<3>الاستفتاء الفخ

كان يُنظر إلى الاستفتاء الذي دعا إليه زعيم حزب سيريزا آليكسي تسيبراس، وهو في التاسعة والثلاثين من العمر، على أنه الخطوة السياسية التي يُخاطِر بها هذا الرجل بكل مشواره. فجاء الاستفتاء، رغم إثارته الجدل بين اليونانيين وحتى خارج البلاد في أوساط الدائنين والشركاء الأوروبيين، غير متوقعا، ليُخيِّر الشعب اليوناني بين الخضوع لشروط الدائنين أو تزكية مقترحات حكومتهم التي كان يقودها تسيبراس.
وجاء رد الناخبين واضحا ومُزَلْزِلاً بتبني الخيار الثاني ورفض خطة الإنقاذ التي تَقدَّم بها الدائنون بشروط قاسية.


جبَل تْسيبراس يتمخض عن فأر


لكن الجبل تمخض فولد فأرا حيث أن تسيبراس فاجأ الجميع بُعيد الإعلان عن نتائج الاستفتاء بالتخلي عن وزيره للشؤون المالية يانيس فاروفاكيس المعروف بحزمه أمام مُقرِضي بلاده وتعويضه بـ: أوكليد تْساكالوتوس الذي كان يوصَف بـ: “المعتدل”.
وبعد أسبوع، التقى تسيبراس الدائنين الدوليين في بروكسيل للتفاوض الذي استغرق 17 ساعة كاملة مضنية ليخرج باتفاق اعتُبِر هزيلا بالنظر إلى المفاوضات الشاقة والمناورات طويلة النفس التي استهلكها. فأثار خيبةً وغضبا حتى داخل حزب سيريزا ذاته حيث اعتبر المعارضون الاتفاق الأسوأَ والأكثر قسوة ضمن كل خطط الإنقاذ منذ بداية الأزمة المالية في اليونان.
غير أن الرأي العام في مجمله قبل بالاتفاق الجديد، لأنه يُبعد، على الأقل، شبح خروج أثينا من منطقة اليورو والذي كان يمثل لليونانيين المتعبين من الأزمة هاجسا مثيرا للقلق وقفزة إضافية خطيرة في المجهول.


تسيبراس ينجو للمرة الثالثة


تسيبراس ينجح في انتزاع فوز جديد في الانتخابات العامة بتاريخ 20 سبتمبر/أيلول بـ: سيريزا لم يعد سيريزا الأصلي بل يختلف بعمق عن سابقه بعد أن تخلص تسيبراس من معارضيه داخل الحزب والذين انتظموا في حزب جديد فشل في دخول البرلمان خلال هذا الاستحقاق الانتخابي.

تسيبراس يفاجئ مرة أخرى زملاءه ومعارضيه على حد سواء بالتحالف مع اليمين المحافظ لتشكيل الحكومة مُفضلا مواصلة المضي قُدمًا في التعاطي بواقعية صادمة أحيانا ولو على حساب المبادئ الأساسية لليسار الراديكالي.
زعيم هذا الحزب المحافظ كيرياكوس ميتسوتاكيس يعمل على استغلال هذا التحالف بين اليمين واليسار ليتموقع كزعيم للوسطية، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية.
اليوم، ميتسوتاكيس زعيم حزب الديمقراطية الجديدة المعارِض يملك حظوظا معتبَرة لتحقيق غاياته في منافسة خصومه السيريزيين.


المعارضة تقفز فوق الألغام


ميتسوتاكيس البالغ من العمر 47 عاما نجح في فرض نفسه على الأقل في الاستطلاعات كمنافس لآليكسيس تسيبراس الذي تضرر نسبيا من الاحتجاجات الأخيرة ضد السياسة الاجتماعية الحكومية التي دعا إليها ونظمها معارضوه السابقون داخل سيريزا ولو أنهم لم يستفيدوا هم ذاتهم من تراجع شعبية تسيبراس.

لكن هذا الأخير لن يتمكن دائما من ملاحقة سياسته إياه، ويُعتقَد أن عامه الثاني على رأس السلطة قد يكون أصعب من سابقه.