عاجل

تقرأ الآن:

الانتحار ... جرحٌ عميقٌ في السجون الفرنسية


انسايدر

الانتحار ... جرحٌ عميقٌ في السجون الفرنسية

In partnership with

بحسب إحصائيات المجلس الأوروبي حول عمليات الانتحار في السجون، سجل في فرنسا ضعف متوسط حالات الانتحار التي تشهدها الدول الأوروبية الأخرى. وتتنوع وسائل الانتحار بين الشنق وتناول العقاقير الطبية بإفراط وقطع الشرايين وابتلاع مواد حادة. لماذا تتم عمليات الانتحار بهذه الكثافة في فرنسا وحدها، رغم وضعها لخطةٍ تحدُّ من الانتحار في العام 2010؟
للبحث حول هذه القضية توجهنا إلى مدينة ليل، شمال فرنسا، لمقابلة رحمة زنّاتي، التي توفي شقيقها في السجن بعد تناوله العقاقير بإفراط. بدأت معاناة مراد فور دخوله السجن كونه يعاني من الضيق في الأماكن المغلقة. وتقول رحمة: “زرته في السجن، وتحدثنا من خلف الحاجز. كان شاباً طويل القامة، ويزن مئةً وعشرين كيلو غراماً. ولو أني لست طبيبة، شعرت أن هناك مشكلة ما. التفسير الذي حصلنا عليه هو أن أخي كان متلاعباً لذلك كان يبكي طوال وقت الزيارة. أكدوا لي ألا أقلق لأنه سيبقى حياً في الزيارة المقبلة. إلى أن جاء اليوم الذي ذهبت فيه لزيارته ولم أجده حياً”.
يورونيوز: “أخبروكي إذاً أنه تم نقله إلى المستشفى، فتوجهتي إلى هناك”. رحمة: “دخلت، كان لا يزال على قيد الحياة، بعد ثمانٍ وأربعين ساعة، بمساعدة آلة التنفس.كان مكبلاً بالأصفاد مع حراسة مشددة. هنا نظرت إلى الشرطي وتوجهت إليه بالسؤال: “أتعتقد أنه سيهرب؟”. لاحظت أن هناك مرضى آخرين في الغرفة. ثم التصقت عيناي بآلة التنفس. كان ما يزال يعاني من اضطرابٍ في التنفس، ويداه مكبلتان.
لم يكن أخي يحتمل السجن. ولم يسبق له تناول دواء البينزوس أو مضادات الإكتئاب وغيرها في المنزل، إذ لم يكن يحبذ تناول العقاقير. الخدمات الطبية في السجن تلجأ إلى إعطاء الأدوية للسجناء لتحمل أجواء السجن. عندما ذهبت لأخذ أغراضه الخاصة، تفاجأت بوجود أكياس صغيرة تحتوي على أنواع مختلفة من الأدوية : مهدئ للأعصاب ومضادات للاكتئاب ومنوم. ألا تعتقدين أن كل هذا الخليط قاتل؟”

بالنسبة لرحمة، لا يوجد مراقبة على توزيع الأدوية الخطيرة في السجن. ولكي نلمس كيف يتم توزيع الأندوية، ذهبنا إلى سجن لونغنس.
عند دخولهم السجن، يعرض جميع المساجين على طبيب نفسي. اللذين يظهر عليهم خطر الانتحار، يتناولون جرعتهم الدوائية يومياً بحضور الممرضة. أما القسم الآخر، تأتيهم أدويتهم إلى زنزاناتهم، في أكياسهم تكفيهم لمدة ثلاثة أيام. المشكلة أنه يتم تبادل هذه الأدوية مع السجائر فيما يشبه سوقاً سوداء.
حول هذا تخبرنا إحدى الممرضات: “كان هناك تغيير بوتيرة متسارعة للأطباء. حتى أنهم كانوا يتغيرون كل أسبوعين. بعض الأطباء كانوا أقل اهتماماً، فكانوا يحررون وصفات طبية بسهولة حسب طلب السجناء. بالإضافة إلى هذا، إذا اطلعنا على جداول خدمات التمريض، أعتقد أننا سنرى أن هناك طلباتٍ كثيرة لاستخدام الأدوية من قِبل السجناء عند زيارتهم للأطباء”.

من ناحيةٍ أخرى، تغيرت طبيعة المساجين خلال العقود الماضية. باتوا أكثر هشاشة حسب ما يصف لنا أحد السجناء: “نعم، رأيت سجناء مرضى نفسيين. وفي الواقع نرى اليوم هذا النوع من الأشخاص أكثر مما مضى، ومنهم من مرتكبي أعمال عنف. كانوا يوضعون في مستشفىً للأمراض النفسية. ولكن وضعهم في هذا المستشفى أكثر تكلفةً من وضعهم في السجن. لهذا نراهم هنا، في السجن. وأعدادهم تتزايد كل يوم.

الممرضون تحدثوا كثيراً عن انفصام الشخصية في السجن، سيريل كانيتي طبيب السجن النفسي ينتقد هذا الوضع: “إن هذا يدفعني للاعتقاد أن فرنسا ليست على مايرام. كأننا نتخلص بطريقةٍ ما من هؤلاء الأشخاص غير المرغوب فيهم بوضعهم في السجن. دون الرغبة الفعلية إلى رؤية ما يحدث هناك. أعتقد أن المُرَضى النفسيين يتزايدون فعلاً في السجن، لأنهم باتوا من المهمشين في المجتمع. فهم يُعتبرون كأشخاصٍ خطرين أكثر من كونهم أشخاصاً متألمين. وبهذا لدينا نزعةٌ متزايدة لإرسالهم إلى السجن، في حين أن هذا الأخير ليس أبداً المكان المخصص لهم”.

مراد انتحر قبل بضع أشهر من خروجه من السجن. وبحسب الإحصائيات، كثيراً ما يحدث هذا. ربما لأن الخروج من السجن يعتبر مرحلةً مقلقة للسجناء، لأنهم لم يهيأوا لها مسبقاً. هذا ما تعاني منه الدول الأوروبية بشكل عام، وفرنسا بشكلٍ خاص.

اختيار المحرر

المقال المقبل

انسايدر

ايطاليا: رحلة خلف القضبان