عاجل

تقرأ الآن:

حمص .. وقت للحب، ووقت للموت


سوريا

حمص .. وقت للحب، ووقت للموت

أب ينتظر لساعات في طابور الإعانات بحمص للحصول على مخصصات عائلته من الشاي والسكر. وأختان تعيشان في مركز للنازحين، حُرمتا من طول القامة، لكن لم تحرما من الرجاء بالعثور على “ابن الحلال”. ومعلمة لم تجد أثمن من حبات البامية لتدخلها خفيةً إلى أختها المحاصرة في حي الوعر، لولا أن الجندي الفطِن كشف أمرها !

مشاهد من الحياة اليومية البسيطة تغصّ بها المجموعة الشعرية التي صدرت مؤخراً في سوريا للكاتب المسرحي عبد الكريم عمرين، بعنوان “حمص.. للحب وقت وللموت وقت”. لغة المجموعة جاءت عفوية، تسرد ببساطة وبلاغة حال السوريين في الداخل، بعيداً عن خطابات الهزائم والانتصارات، ومتخففة من الاصطفافات السياسة، التي لم تتوقف وسائل الإعلام عن ترويجها على مدى خمس سنوات.

قد تأخذ النصوص بعداً أعمق في ضمير القارئ، إن علم أنها كتبت ونشرت تحت القصف والحصار، معظمها صيغت في حيٍّ مايزال محاصراً بحمص، هو حيّ الوعر الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة. الناس فيه “يبحثون عما يأكلونه من خشاش الأرض“، وأكثر ماقد يعثرون عليه، هو الموت يحيق بهم من كل جانب.

عن حاله في الحرب، يحدثنا الشاعر الستيني، “صرتُ كطفل ضائع ويتيم، فقدت أمي، وفقدت أخوتي في الحرب، وبعض أبناء أخوتي، والكثير من الأقرباء والأصدقاء والصديقات، كثير منهم قضوا نحبهم، وآخرون نزحوا أو هاجروا وتوزعوا في أشتات الأرض”.

نصوص عبد الكريم عمرين قصيدة هجاء طويلة للحرب“المجنونة“، لحرب “الأخوة الأعداء” كما يسميها. في كل قصيدة، يؤكد براءته منها، ورفضه الانصياع “لأمرائها وعقائدهم”. بالنسبة له، كتابة الشعر في الحرب بمثابة تسجيلٍ “لوصيته الأخيرة“، إنها “إعلانٌ عن الوجع وعن الصرخة الأخيرة.. لعل العالم يسمع، لعل من بقي له بعض الضمير يفعل شيئاً، لينقذ سوريا وأهلها”.


في الحرب المجنونة
الكلُّ يتحدث باسم الله وأنبيائه
يحاضرون بكَ ويتفيهقون
يريدونكَ بيدقاً في لعبة شطرنج عقائدهم


في الحرب “المجنونة” الجميع يقفون على ضفة واحدة، في حقيقة ينقلها الحسّ الإنساني الشعري بعيداً عن خنادق المتناحرين. إنها قصة مجموعة من البشر يعيشون حيث تنعدم كل أسباب الحياة. المدنيون يعانون من أجل البقاء أحياءً، فمجرد اجتياز حاجز للعودة إلى البيت مهمة شاقة، قد تتطلب أياماً. والجنود الواقفون على الحاجز ليسوا أقل بؤساً من المدنيين. الجميع يبحثون عن طوق نجاة من دوامة القهر والعبث.


مائتا متر فقط
وثلاثة أيام لتعبُرها حتى تصل إلى الوعر
تمشي وئيداً فوق جسر من بحص السيل
أقيمَ على عَجل فوق الجسر القديم
ينثني العاصي وئيداً يئن
والجنودُ خارج نوبتهم يرمون بشباكهم الصغيرة
تتقافزُ الأسماك مُتعبة
لكنها تستقر أخيراً هامدة في صناديق بلاستيكية
وأنت تحمل لأهلك
الشاي والقهوة وبعض الثوم والطحين


بعد أن صمد الشاعر مع عائلته لأسابيع طويلة في حمص، بدأ أفراد العائلة يغادرن الواحد تلو الآخر، ليبقى هو مع ولده فادي الذي يعاني من الإعاقة، تحت الحصار الجائر. وعندما أصبح البقاء مستحيلاً، قرر الخروج : “القصف المجنون والشيلكا والانفجارات أدت إلى تزايد نوبات الاختلاج التي تصيب فادي، ولا دواء ولا غذاء ولا كهرباء تحت الحصار .. كم هو مرٌّ أن تكون نازحاً في وطنك، برفقة ولدك الشاب المعاق، وينهشك تجار الحروب واللقمة”.

يحضر فادي كشخصية محورية في المجموعة: “شاب معاق هزم عجوزاً نحرته السنين“، كما يصفه والده. من خلال هذا الشاب الذي بلغ نهاية العشرينيات، يعيدنا الشاعر إلى الطفولة الأولى. ففادي عندما ينهي قضاء حاجته ينادي والده لينظفه، ويطرب فرحاً عند تسريح شعره ورشه بالعطر. لكن صوت القذائف يصيبه بالقنوط. أما فرحته الكبرى، فهي سماع أغنيات نجوى كرم التي يقول إنها زوجته.

اليوم، كل ما يرجوه عبد الكريم عمرين الذي وجد في حمص المدمّاة المدمرة “وقتاً للحب“، هو “أن تكون جثته قطعة واحدة غير منقوصة عند موته، وأن يجد من يهيل عليه التراب، كي لا تأكل جثته القطط والكلاب في الشوارع” . وعندما يفكر بفادي صاحب الاحتياجات الخاصة، يتمنى أن يتمكن من انتشاله من “وقت الموت” في حمص، إلى مكان آمن يكون فيه “وقت للحياة”.


أبكي تلكَ البلاد الرديئة
التي أسْكُنُها والأرواحُ التي تُسْفَح رخيصة وأفتقدها
وامرأة تسْكُنُ فيّ وغادرتني
وأولاد تشَتّتوا في الأرض اليباب
والحرب المجنونة التي أعيشُها
أنا المعاق
صاحبُ الاحتياجات العَامّة


اختيار المحرر

المقال المقبل
و أيضاً.....

العالم

و أيضاً.....