عاجل

تقرأ الآن:

فلسطين ... الوضع ليس ميؤوسا منه... إنه أسوء من ذلك بكثير


العالم

فلسطين ... الوضع ليس ميؤوسا منه... إنه أسوء من ذلك بكثير

أجواء من الترقب والكآبة هي أهمّ ما يلمسه المتجول في شوارع القدس القديمة وأزقّتها. فقد تلاشى بصيص الأمل الذي عاشته المدينة المقدّسة قبل سنوات، يوم تقدم الرئيس محمود عباس بطلب انضمام دولة فلسطين الى عضوية الأمم المتحدة.
منذ ذلك التاريخ، لم تحصل فلسطين إلا على صفة مراقب في المنظمة الأممية وتحوّلت الفرحة التي وُلدت آنذاك الى مجرّد ذكرى باهتة بل إن الأوضاع لم تزد إلا سوءا.
فالفلسطينيون فقدوا كلّ أمل في حلّ للصراع مع إسرائيل عبر الوساطة الدولية وحكومتهم في رام الله.

وحكومة الحمد الله تبدو قانعة بهذا الاعتراف الهزيل طالما جاء مصحوبا بمساعدة دولية جعلت شوارع رام الله تمتلئ بسيارات فارهة ومراكز تجارية وبنايات جديدة لكنها في نفس الوقت أثقلت كاهل المواطن الفلسطيني بغلاء المعيشة.
وفيما تستفيد قلة من الوضع الراهن، إزدادت الأوضاع سوءا لدى أغلبية الفلسطينيين.
في القدس الشرقية مثلا، وبعد ما كان حضور الشرطة والجيش الإسرائيلي حضورا خجولا، تراهُم الآن رابضين على مفرق كل طريق وأمام كل باب من أبواب البلدة القديمة.

ولا تكاد تخلو أسوار القدس التي بناها السلطان العثماني سليمان القانوني من كاميرات المراقبة التي تعشّش فوق كل سور.
السيارات التي لا يقودها يهود، يمكن أن تُمنع من الدخول في أي وقت دون إبداء الأسباب اللهمّ إلا من عبارة “ إنها أوامر القائد “ يتكرّم بها حارس الحدود الإسرائيلي على السائق.
خلال زيارتي للقدس والأراضي الفلسطينية، التي دامت خمسة عشرا يوما، عايشت هذه التجربة مرّتين. حيث وجدت نفسي محشورة داخل البلدة القديمة يوم الأحد 9أكتوبر تشرين الأول الماضي إثر حادث إطلاق نار أودى بحياة اثنين من الإسرائيليين.
لم يستطع أحد وقتها الخروج من المدينة المقدّسة أو الدخول إليها. كان هناك رجل مقدسيّ استدعى الطبيب لزوجته المريضة لكنه لم يستطع اصطحابه الى البيت بينما كان على بعد خمسة أمتار منه فقط لأن الطبيب لم يُسمح له باجتياز باب الاسباط للقيام بواجبه.

وبعد إلحاح من المتواجدين في المكان وموافقة الضابط الإسرائيلي الذي أتى لرؤية ما كان يجري هناك، تمكّن الطبيب من المرور بعد خمسة عشر دقيقة من التوتر والمفاوضات مع حرس الحدود. لحظة بدت وكأنها دهر بالنظر الى الحالة الخطيرة للسيدة المقدسيّة المريضة.
في هذه الأجواء المتوترة، يبقى وجود السواّح خجولا في البلدة القديمة فالتجّار العرب يشتكون من قلة الزبائن لأن المرشدين الذين هم في أغلبهم إسرائيليون لا يأتون بالسوّاح حيث المحلات العربية.
السيد عامر بكري صاحب محل يقع في طريق الآلام يقول إنه لا يفتح دكانه الا مرّة في الأسبوع بسبب قلّة الزبائن، ما أجبره على التحول الى العمل كطبّاخ لكسب قوته.
حتى السوق الذي كان يعجّ بالحياة على مدارج باب العامود حيث
كانت بسطات الهدايا التذكارية وحيث كان المزارعون الفلسطينيون يأتون من القرى المتاخمة للقدس المحتلة لبيع ما تجود به أرضهم، حتى هذا السوق منعته إسرائيل لِدَوَاعٍ أمنية. وقد أدى هذا الإجراء الى حرمان جزء كبير من السكان العرب من مصدر دخل كانوا يعوّلون عليه كثيرا.

أثناء تجوّلي في البلدة القديمة، لفتتْني كثرة الأعلام الإسرائيلية التي تدل على البيوت التي استولى عليها اليهود في القدس الشرقية وهو ما أكده تقرير لإحدى المنظمات الإسرائيلية غير الحكومية.
وأصبح الفلسطيني يرى بأمّ العين كيف يرمّم اليهودي بيتا استولى عليه بينما تحرمهم السلطات الإسرائيلية وبشكل مُمَنْهَج، من الحصول على أي تصريح يسمح لهم بترميم منازلهم المهترئة.

ذلك كان حال السيد رامي النابلسي الذي انهار سقف منزله عام 2008 بسبب كميات هائلة من الثلوج التي كانت سقطت على المنطقة آنذاك. ولم يجد المقدسي بُدّا من إعادة بناء السقف. لكن محكمة إسرائيلية أصدرت ضدّه حكما بضرورة هدمه بذريعة ان البناء لم يكن قائما في السابق رغم ان السيد النابلسي قدّم صورا تثبت صحة أقواله.

وكانت النتيجة أن أُجْبِرَ المسكين على تحمّل نفقات هدم السقف المقدرة بأربعين ألف شيكل (حوالي 9500 يورو) ناهيك عمّا كلفته عملية البناء. “إن المبلغ ثروة بحدّ ذاتها” يقول رامي النابلسي بحسرة.

أما جارته المقدسية المسيحية فقد عاشت ما هو أقسى، يضيف الرجل. لقد اضطرت لبيع منزلها لأنها لم تحصل على التصريح اللازم لترميم البيت المهترئ. وبقدرة قادر، أصدرت السلطات الإسرائيلية التصريح بمجرّد ما تملّكت البيتَ عائلة يهودية وهي تقيم فيه الآن!
اللافت أن البيوت اليهودية تشبه المخابئ في البلدة القديمة، حيث يُقام على سطح المنزل ما يشبه الحديقة مخصّصة للعب الأطفال وتحت أعين الجنود الساهرة.
التنقل بين مختلف القرى والبلدات الفلسطينية المحاصرة وكأنّها محميات للهنود الحمر في أمريكا، يبقى مشكلة كبرى من مجموعة المشاكل التي تنغّص على الفلسطينيين حياتهم. حيث لا يمكنهم أن يقطعوا المسافة بين القدس الشرقية ومدينة الخليل دون توقّف وعلى متن حافلات صغيرة لأن القليل منهم يمتلك سيارة خاصة.

فلكي يقطعوا واحدا وثلاثين كيلومترا (31) بين المدينتين، يُجبَر الفلسطينيون على النزول من الحافلة وتغيير وسيلة النقل في مدينة بيت لحم، ناهيك عن الحواجز والطرق التي يجب عليهم ان يعبروا منها.
وتكون النتيجة أن الرحلة تستغرق ساعتين لقطع مسافة تتعدّى بالكاد ثلاثين (30) كيلومترا.
وللتنقل بين القدس ونابلس قصة أخرى. فالمسافة بينهما تقدّر بثلاثة وستين (63) كيلومترا وهنا لا مفرّ من التوقف في مدينة رام الله، هذا إذا ابتسم الحظ لمن يرغب في السفر بين المدينتين لأن إسرائيل غالبا ما تفرض إغلاقا تاما على نابلس تلك المدينة الثائرة.

ولا تسلم سيارات الإسعاف من هذا الإجراء. حيث يُجْبَرُ المرضى بل وحتى الجرحى على تغيير سيارة الإسعاف عند الحواجز والمعابر.
هكذا هي الحال في الأيام العادية. لأنه إذا ما حدث وفرضت إسرائيل إغلاقا تاما على الأراضي الفلسطينية كإجراء احترازي أو بمناسبة الأعياد اليهودية كما حدث يوم الاحتفال ب “عيد الغفران” في ال12 من أكتوبر تشرين الأول الماضي، فإن قطع مسافة تسعة (9) كيلومترات بين القدس وبيت لحم، يصبح إنجازا بحدّ ذاته لأنه يتطلّب روح المغامرة والإصرار.

ولمواجهة الإغلاق، لا مناص أمام الفلسطينيين من اللجوء الى الخطة (ب) وهي أن يسلكوا الطرق الترابية للوصول الى المدينة المقدّسة، ليس عبر طريق نابلس بل عبر بلدة سلوان المقابلة لجبل الزيتون. هناك بالضبط، حيث لقي شاب فلسطيني مصرعه حينما ألقى حجرا على الشرطة الإسرائيلية.

أثناء جولتنا، شاهدنا سيارة تُرِكَتْ على حافة الطريق بعد ان أن تمّ رشْقها بالحجارة وكَسْرُ زجاج نوافذها فقط لأن صاحبها (الفلسطيني!) لم يحترم “يوم السبت” المقدّس لدى اليهود.





“المقدّس” هنا مربط الفرس وهو الذي يبرّر كل ما يجري في القدس. فقد أصبحت زيارة باحة المسجد الأقصى او جبل الهيكل كما يحلو لليهود تسميتُه حدثا متكررا.
في غضون ساعة فقط، لفتني وجود ثلاثة مجموعات من اليهود في حماية الجنود الإسرائيليين وكان عدد هؤلاء يعادل عدد الزوّار الذين كانوا يمرحون في باحة أولى القبلتين وثالث الحرمين.
ولا نأتي بجديد إن قلنا إن الفلسطينيين ينظرون إلى مثل هذا الزيارات بعين القلق خشية ان يستولي اليهود على هذه البقعة المقدّسة.

أما في مدينة الخليل حيث يوجد الحرم الإبراهيمي الذي يضم قبر أبي الأنبياء المقدّس لدى المسلمين واليهود، فإن الفلسطينيين المقيمين بجوار المكان الذي يضم مسجدا ومعبدا يهوديا أيضا، يعيشون في جوّ أكثر توترّا وهم عرضة لضغوط متزايدة فرضتها عليهم مضايقات المستوطنين ومصاعب الحياة اليومية التي عليهم مجابهتها.
وكانت النتيجة أن سكان الخليل ولكي تستمرّ الحياة، لا يجدون بدّا من القبول بالأمر الواقع، يتجاذبُهم الإحساس بالعجز والإحباط وأحيانا الغضب ما يجعلهم يلجؤون إلى أعمال عدائية ضد القوات الإسرائيلية والمستوطنين.
المفارقة أن سكان الخليل المصنّفة ضمن المنطقة ( أ) التي تخضع نظريا للسلطة الفلسطينية بحكم اتفاق أوسلو، هم في الواقع تحت حكم حكومة وجيش إسرائيل أكثر من وجودهم تحت حكم السلطة الفلسطينية التي فقدت جزءا كبيرا من شرعيتها.

“لهذا السبب علّقوا تنظيم الانتخابات البلدية” هكذا قال لي أحد سائقي الأجرة الذي يجيد الإنصات لمحدّثه، تماما كغيره من زملاء المهنة. ثم أردف قائلا: “الحكومة الفلسطينية في رام الله تخشى فوز حماس في هذه الانتخابات”
العام المقبل سيصادف الذكرى الخمسين لاحتلال إسرائيل القدسَ الشرقية والضفة الغربية.

بعد نصف قرن، الشيء الوحيد الذي يمكن استخلاصه من سنوات الاحتلال والمفاوضات. لم يكن اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين يعني رحيل رجل سياسي فقط بل كان يعني أيضا إطلاق رصاصة الرحمة على مسيرة السلام.

لكل خبر أساليب عدة لمعالجته: اكتشف وجهات نظر صحفيي يورونيوز العاملين ضمن الفريق الواحد، كل منهم عبر عنها بأسلوبه وبلغته الأم.

المقال المقبل

العالم

و أيضاً.....