عاجل

داعش أو عودة الفكر المتطرف

د/ محمد عبد العظيم منذ حوالي شهرين، شن التحالف الدولي معركته من أجل الاستيلاء على الموصل، آخر معقل للدولة الإسلامية في العراق.

تقرأ الآن:

داعش أو عودة الفكر المتطرف

حجم النص Aa Aa

د/ محمد عبد العظيم

منذ حوالي شهرين، شن التحالف الدولي معركته من أجل الاستيلاء على الموصل، آخر معقل للدولة الإسلامية في العراق. هذا الهجوم، الذي تم الإعداد له منذ فترة طويلة، يتميز عن غيره من حيث بعديه الرمزي والاستراتيجي الساعيان لوضع كلمة النهاية علي دولة أبو بكر البغدادي. ولكن في المقابل وفي سوريا فالأوضاع مختلفة، فقد تمكن تنظيم مايسمى ب“الدولة الإسلامية في العراق والشام” أو “داعش” من استعادة سيطرته على مدينة تدمر وذلك على الرغم من القصف العنيف من قبل الطيران الروسي والذي لم يمنع الجهاديين من دخول المدينة، التي كانوا قد احتلوها في مارس 2016. السؤال الآن هو : من أين تستمد “داعش” مواردها القتالية؟

مفهوم “الدولة” حسب البغدادي
أرسطو بنى أساس الشأن العام على فكرة قوية: كل مدينة هي مجتمع. ولكن في القاموس السياسي للدولة “الإسلامية“، فالصيغة تصبح “المدينة هي خضوع كل المجتمع.” ففي دولتها، تسعى “داعش” لبناء مجتمعها (الأمة)، وتنشر هدف معلن فتزعم به الطموح الي : استعادة نقاء وعظمة الإسلام. من المنظور الدوركايمي، فالمسألة “الداعشية” هي مفهوم جديد في المجال الأكاديمي ولا يتوفر لدينا، حاليا، المساحة الكافية لفهم هذه الظاهرة الدخيلة. فيمكن القول بأن إستراتيجية “داعش” المبنية على مفهوم الجهاد هي استمرار للفكر المتطرف والمدمر، الذي إنطلق في القرن الثالث عشر. في بداية الألفية الثالثة “داعش”فتاجأت المجتمع الدولي بتركيبتها متعددة الأشكال وبقوتها الحفية في إستعمال خاص لوسائل الإعلام من خلال وكالة أخبارها “أعماق”. وصدا هذه التركيبة الجديدة له تأثير على المجالين السياسي والاستراتيجي. فمنذ عام 2013، وقد فرضت هذه المنظمة الإرهابية نفسها على جدول أعمال القوى الدولية و نجحت في نشر الزعر والإرهاب في أوروبا وفي العالم.
.
أبوبكر البغدادي (الخليفة الذي نصب نفسه في الرقة في سوريا) يطالب تابعيه بالولاء و بالطاعة، وهذا الغائب الحاضر يمثل اليوم قدوة للراغبين في القيام بعمليات إرهابية. ولهذا يمكن إعتبار البغدادي كإستمرارية لمنهج بعض المفكرين الجهاديين (القلائل في تاريخ الإسلام) و الذين تمت محاربتهم وبقوة من طرف القوى الحاكمة في العالم العربي عبر التاريخ. ولقد تكررت هذه الحركات الجهادية بشكل دوري منذ القرن الحادي عشر، ولكن في كل مرة كان الجواب باستخدام الأسلحة والحروب، هذا الحل المتبع منذ قرون لم ينجح أبدا في القضاء على قدرات هذه التنظيمات على خلق الدمار، في غياب تام لمحاولات فهم الظاهرة لوضع منهجية طويلة الدي للقضاء عليها فكرياً.

هناك سوء فهم تاريخي عميق لدى البغدادي الذي يجسد الجانب الميزمت من المنهج الرافض للإصلاح في الفكر العربي والإسلامي. يبقي القول بأن البغدادي نسي أو تناسي مبدأ الشورى كأساس للحكم ويستخدم دائماً مفهوم المؤامرة (الفتنة). فبالنسبة له كل محاولات التظلم بالثورات أوالإصلاحات هي جزء من مؤامرة ضد الإسلام والحل لديه ليس في الإحتهاد بل هو في الجهاد ضد الآخرين (مسلمين كانوا أومسيحيين)، والذين يعتبرهم البغدادي كمصدر للكفر

.
إبن تيمية ومفهوم “الآخر“
البغدادي يستعمل بشكل ممنهج تدخل بوش في العراق كوسيلة لحشد أتباعه. للنجاح في هذا المضمار فهو يتبع وسائل متعددة من أهمها أداة سبق إستخدامها في القرن الحادي عشر والقرن الثالث عشر والقرن الثامن عشر.
ففي القرن الحادي عشر، حيث ألف عمر الخيام قصائدف الخالدة (الرباعيات) والتي تغني في أبياتها الشهيرة بالحياة، قفي العصر نفسه أسس إبن الصباح ميليشياته التي نشرت الرعب وهددت الحكام. وكان يرسل إبن الصباح مقاتليه لتسميم وخنق كبار المسؤولين المعرضين له. ومقاتلوا إبن الصباح إشتهروا بإسم الحشاشين لتعاطيهم الحشيش.
ثم في منتصف القرن الثالث عشر، وصل الجيش المغولي من جنوب شرق آسيا وإحتل بلاد فارس. عام 1258، ثم استولى المغول القادمين من منطقة جنوب روسيا وشمال الصين ا على بغداد وبدؤوا بتهديد كل من دمشق والقاهرة. وفي هذا الحين وبإغتيالهم لآخر خلفا ء بغداد انهوا بذلك حكم ا لدولة العباسية ( القائمة منذ عام 750). ففي عهد العباسيين عرفت الثقافة العربية إزدهارا كبيرا، وذلك بفضل دمجها للثقافات الفارسية واليونانية. أما عند وقوع بغداد في يدي المغول، وضع جيش هولاكو، حفيد جنكيز خان، حدا للإزدهار الفكري التاريخي والذي طال علي مدي خمسة قرون.
عندما برز ابن تيمية، نادي بالوقوف ضد كل محاولات التقدم الفكري والمنهجي الذي حدث أثناء حكم العباسيين، مستغلا في وقته ظروف الغزو المغولي لنشرالمنهج الأوصولي في البفسير وقراءة القرآن.
فحين فشل العباسيون في حشد القوات ضد المغول، طلبوا مساعدة المماليك. في حينها هاجرابن تيمية من تركيا وانتقل إلى دمشق مستغلا حينها الصراع بين المماليك والمغول. فالمماليك الذين كانوا يطمحون للوصول إلى السلطة إستعانوا بتأثير ابن تيمية وبدعوته للجهاد. فسيف الدين قطز، والذي كان قد سجن في شبابه وباعه المغول في سوق العبيد في سوريا، عاد من القاهرة علي رأس جيش عظيم وحقق النصر الأول ضد المغول. ففي سوريا الحالية تكبد المغول أول هزيمة كبرى لهم، ليتراجع بعدها مباشرة تأثير إمبراطوريتهم.
هذا النصر ساعد على نشر تعاليم ابن تيمية الذي كان يدعو إلى رفض كل ما إعتبره إبتكارا أو تحديثاً في ممارسة الشعائر الدينية. فدعا إلى طاعة الحكام، و أسس لمفهوم “الآخر” حيث سمح بالقضاء على كل من يعارض تعاليمه حتي من بين المسلمين.
فابن تيمية قد شرع بعدها في محاربة مناهج كبار مفكرين القرنين التاسع والعاشر الميلادي، كالكندي والفارابي والرازي وابن سينا الخ. كما هاجم وبعتف أحد مفكري عصره، مثل ابن عربي ( الذي يلقب بوريث أفلاطون). حينها كان تطرف إبن تيمية يتناقض تماما مع فكر ابن عربي الذي كان يتسائل وبمنهجية الفكر العقلاني حول إمكانية تجاوز العقل لقيود المادة. مواقف إبن تيمية المتطرفة أدت فيما بعد إلى سجنه عدة مرات من قبل المماليك وموته في السجن. لتكون هذه نهاية الموجة الأولى من الفكر الجهادي في القرن الثالث عشر.
أما عصر الإزدهار الفكري العربي الذي بدأ يضمحل وقوض خلال القرن الثالث عشر قد قوض في القرن الرابع عشر وإستمر ذلك الانحدار خلال حكم الإمبراطورية العثمانية إبتداءاً من عام 1517. ففي عهد العثمانيين، دخل العالم العربي في حالة السبات والتي دامت خمسة قرون. فالفكر العربي الذي أصبح ضعيفا ومجزءاً عاش فترة إنطواء طويلة. وفي منتصف القرن العشرين وبعد موجة الاستقلال، حكمت العواصم العربية العائلات الملكية أو الأنظمة المغلقة أو الديكتاتورية. فإتبعت هذه الأنظمة نماذج الديمقراطيات الغربية، والتي نتجت عن مؤسساب روما القديمة والأغورا الأثينية أوالمدينة الفاضلة الأفلاطونية، دون المرور بهذه الدروب التاريخية أو عيش التجارب النظرية لتوماس هوبس وجون لوك أو جان جاك روسو والتي عرفتها مجتمعات تلك الديموقراطيات الأوروبية.

إبن عبد الوهاب : مؤسس الوهابية
دعوات جهاد ابن تيمية أدت، في القرن الثالث عشر، إلى حالة من الإنطواء في العواصم العربية بما فيها القاهرة أثناء حكم المماليك، ثم بعد ذلك في عهد الامبراطورية العثمانية مهد هذا الركود الطريق أمام نوع من الهشاشة أمام الدجل الديني مما أدى إلى ظهور السعودي محمد بن عبد الوهاب (مؤسس الوهابية في القرن الثامن عشر). محمد بن عبد الوهاب ولد عام 1703، و دعا إلى العودة إلى الأساسيات (السلف) رافضا جميع أساليب الأصلاح من سماههم ب“المشركين”. ولأسباب سياسية بحتة وبعيداً عن أي منهج ديني، فلقد استغل مؤسس الدولة السعودية، محمد إبن سعود بأثير هذه الموجة الجديدة من التراجع الديني لتأسيس دولته (الدولة السعودية الأولي). كان ابن سعود يجد صعوبة في تعبئة الجماهير لفكرة إنشاء الدولة فإعتمد ابن سعود على دعوة محمد بن عبد الوهاب إلى العودة إلى تعاليم الجهاد ضد بوادرالتحرر الفكري التي ظهرت في تلك الفترة. فابن سعود الذي التزم بنشر “الدعوة الجديدة” كان يرنو إلي خدمة أهدافه السياسية، فدفع بابن عبد الزهاب إلي تحسين النسخة الجديدة بإضافة مفهوم ال“شهيد”. وشكل هذا ظهور الإسلام السياسي والمذهب الوهابي الذي يفرض تفسيرا واحدا للنصوص الدينية كما يفرض على الفرد والجماعة الطاعة التامة للحكام.
فالوهابيون أحييوا أفكار ابن تيمية (القرن الثالث عشر) مما يسمح لفرد ما، أو لجماعة ما، إمكانية تكفير اي شخص (آخر) لا يتبع الشريعة الإسلامية. ففي أوائل القرن التاسع عشر، وفي عام 1802، دخل الواهبيون مدينة كربلاء في العراق، فقتلوا عددا كبيرا من السكان، ودمروا المساجد ونهبوا كل ما وجدوه داخلها . وفي العام التالي 1803، عادوا إلي مدينة الطائف في الجزيرة العربية، فقتلوا الذكور وجعلوا من النساء والأطفال عبيدا. وبعدها ,امام هذه الموجة المدمرة وبين 1811 و 1818 أتي جيش من القاهرة لمواحهة الوهابيين في مدينة الدرعية وتم تدميرالمدينة كلية وقتل جيش محمد علي أمير آل سعود منهيا بذلك الموجة الوهابية الأولى.
ويمكننا التساؤل عن إمكانية المقارنة بين الائتلاف الدولي الحالي في العراق، لتحرير الموصل، وجيش السلطان المصري طوسون باشا الاابن الأكبر لمحمد علي باشا في عام 1811 الذي دمر الدرعية. لانهاء ماطان يعرف بفكر الدمار الشامل الوهابي. ويمكن للمرء أن يتساءل عن جدوى العملية العسكرية الحالية في العراق والتي قد تظهر محدوديتها في مواجهة هذه الأفكار المدمرة. فالمقاومة يجب أن تتم أيضا على الميدان الفكري بنفس الإمكانيات المادية لمواجهة التطرف

.
إحياء جماعة إبن الصباح
غياب نموذج متين للتعددية السياسية في البلدان العربية يضعف قدرتها على مواجهة الفكر المتطرف. فالفكر المتطرف، غالباً ما يقدم مفهوم الجهاد، الداعي إلى ستخدام العنف، متجاهلا بذلك مفهوما آخرا لا يقل أهمية وهو مفهوم الاجتهاد. فهذا المفهوم مشتق من الآية الكريمة ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ.) مفهوم الاجتهاد غائب منذ قرون عن القاموس الإسلامي. فجهاد القرن الحادي والعشرين يستعين بنفس وسائل نشر الدعوة التي أعتمدت في القرن الثالث عشر والثامن عشر. ولكن إلى جانب بعض المساجد والمدارس الداعية للعنف، تمنح الألفية الثالثة وسائل اتصالات جديدة : مثل شبكة الإنترنت. وتنظيم “داعش” يقود حربه لإقامة خلافةالتغدادي ويستخدم لذلك مفهوم الجهاد ضد العلمانية، ولقد وجد أبو بكر البغدادي الخلل في الجسد العربي لإحياء فكر إبن تيمية وبن عبد الوهاب : الجهاد ضد الآخر. وبترويج وتسويق مفهوم الشهادة، يصبح منتج الانتحار هو الهدف النهائي للداعشيين الراغبين في الحصول عليه.
أما أبو بكر البغدادي فهي يرتدي ساعة رولكس في يده اليمنى، ويدعو إلى القضاء على المؤامرة التي تهدد الأمة. من خلال استخدام مفهوم قيامة القيامة، ليعلم تابعيه المغزي الخفي للوحي ولكشف الحقيقة. ولكنه ما أبسط من حقيقة البغدادي وهي تلك التي حددها حسن بن صباح، رئيس حركة الحشاشين والتي ولدت في القرن الحادي عشر بالقرب من بغداد. وهذه الطائفة من اللصوص قامت بأبشع الجرائم، فاغتالت معارضيها علنا وارتكبت الجرائم ونفذت العمليات الإنتحارية.
أما تنظيم “داعش” فهو النسخة الجديدة من الحشاشين، إرهابيي القرن الحادي عشر، الذين يلقبهم العالم العربي بالذباحين.