عاجل

العبودية الحديثة

كثيرا ما تتحدث وسائل الإعلام عن انتهاكات حقوق الإنسان، ولكنها قد تغض الطرف عندما يتعلق الأمر ببعض الشخصيات كالملوك والأمراء والرؤساء ورؤساء الحكومات وغيرهم من الأطراف النافذة حتى عندما تحدث التجاوزات في بلدان غربية لطالما تغنت بالحرية واحترام حقوق الإنسان ونبذ استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

من بين هذه القضايا التي تمّ التغاضي عنها نسبيا قضية “الأميرات الثماني” والتي لم يتم تناولها بإسهاب كبير من قبل وسائل الإعلام باستثناء بعض الجهات الإعلامية الغربية. فالقضاء البلجيكي كان قد أصدر منذ مدة حكمه بالسجن لمدة خمسة عشر شهرا غير نافذة في حق الأميرات الثماني بتهمة تهريب البشر والإساءة للخادمات.

القضية عرضت على المحكمة الجنائية البلجيكية وتُتَّهم فيها ثماني سيدات من العائلة الحاكمة في الإمارات بإساءة معاملة عشرين خادمة في العام 2008 خلال إقامتهن في أحد افخم الفنادق في العاصمة البلجيكية بروكسل لعدة أشهر. ويتعلق الأمر بالشيخة حمدة آل نهيان وبناتها السبع، وخلال المرافعة تمّ تأكيد تهمة إساءة معاملة الخادمات. واعتبر محامي الضحايا انّ

الخادمات وأثناء خدمتهن للأميرات بالفندق، كن ينمن على الأرض، وكان يتوجب عليهن الاستعداد للعمل لمدة 24 ساعة يوميا، كما أنهن لم يحصلن على أجور مقابل الخدمة التي أسدينها للأميرات اللاتي تواجهن تهما بخرق قانون العمل وتهريب بالبشر والمعاملة غير الإنسانية.


وتمكنت بعض وسائل الإعلام من تسليط الضوء على هذه القضية عندما قدمت الخادمات شكوى إلى الشرطة البلجيكية، وقد كشفت التحقيقات أن الخادمات عشن في ظروف صعبة وتم استغلالهن، كما أنهن عملن دون تصاريح عمل ودون إقامة.

وعلى هذا الأساس طالب محامو الضحايا بتعويضات تصل إلى 2500 يورو لكل خادمة، بالإضافة إلى تعويض عن الأجور التي لم تدفع لهن وساعات العمل الإضافية والأجر الخاص بالعمل خلال فترة الليل والعطل الخاصة بنهاية الأسبوع حسب قانون العمل البلجيكي.

النيابة العامة البلجيكية كانت قد طالبت بإحالة المتهمات إلى محكمة الجنح بعد أن وجهت لهن تهم الاحتجاز والمعاملة غير الإنسانية والمهينة وتهريب بالبشر ضد العاملات اللاتي ينتمين إلى الفيليبين والمغرب وإندونيسيا وإريتريا والصين وتونس وفرنسا وبلجيكا.

محاكمة فريدة من نوعها

قضية محاكمة الأميرات الثماني، والتي شغلت الرأي العام البلجيكي تعتبر من المحاكمات النادرة. فقد تمّت محاكمة الأميرات “الوالدة وبناتها” غيابيا بتهمة معاملة الخادمات بشكل “غير إنساني ومهين” ومصادرة جوازات سفرهن ورفض دفع الأجور لهن.

فعندما جاءت الشيخة حمدة آل نهيان إلى بروكسل، فإنها اختارت الإقامة في فندق “كونراد” الفخم مع بناتها السبع، وكذلك كان الحال في العام 2008 حين قامت بحجز طابق لمدة ليست بالقصيرة مع عشرين خادمة يسهرن على تلبية طلبات الأميرات داخل الفندق على مدار الساعة. (آل نهيان هي العائلة الحاكمة في إمارة أبو ظبي ومن العائلات النافدة في عموم الإمارات

العربية المتحدة، فهي اشترت قبل مدة قصيرة نادي كرة القدم الإنجليزي “مانشيستر سيتي”).

المنظمات الحقوقية البلجيكية أكدت أنّ الخادمات لم يتلقين أي أجر واشتغلن ليل نهار، وكن مجبرات على النوم فوق الأرض أمام غرف الأميرات وتعرضن للشتم باستمرار. وقد علمت السلطات البلجيكية بهذه القضية عندما هربت إحدى الخادمات من الفندق وقامت بإخبار الشرطة. وقد انتقلت قوى الأمن للتحقق مما يحصل وكشفت بالفعل أن الخادمات تعرضن لمعاملة غير

إنسانية، وأطلقت السطات البلجيكية تحقيقا شاملا ما ساهم في وصول القضية إلى أروقة المحاكم.

تسع سنوات تمر دون عقاب

البعض يرى أن عقوبة خمسة عشر شهرا غير نافذة ليست العقوبة التي تستحقها “الأميرات الثماني“، فبعد مرور تسع سنوات لم تقدم الأميرات بشكل مباشر للمحاسبة على أفعالهن.

البعض أشار إلى أنّ طول المدة التي تستغرقها القضية لها علاقة بالأمور القانونية وقد تحدث محامي الأميرات الثماني أنّ التفتيش الذي قامت به الشرطة البلجيكية لم يكن قانونيا وهو ما تسبب في متاهة قانونية، وهو ترفضه المنظمات الحقوقية.


كثيرا ما تحدث مثل هذه التجاوزات

إضافة إلى هذا فإن القضية قلما جلبت اهتمام الرأي العام في السنوات الأخيرة. وقال أحد المدافعين عن حقوق الإنسان إنه لا يصدق ألا تعير وسائل الإعلام الاهتمام لهذا الملف.

ويقول هذا الحقوقي بأنها ليست الحالة الوحيدة التي يتم فيها جلب خدم من دول الخليج إلى أوربا دون رخصة عمل ويتعرضون لسوء المعاملة.

ففي يناير الماضي عُرضت قضية مشابهة على المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان.

فقد اصطحبت عائلة من إمارة دبي معها خادمات من الفلبين في رحلة قصيرة إلى فيينا، وكان على الخادمات الاعتناء ليل نهار بأطفال العائلة والقيام بعدة مهام منزلية. وإذا ارتكبن خطأ يتعرضن للشتم الذي وإلى استعمال العنف. الخادمات هربن أيضا وقدمن شكوى قضائية ضد العائلة بمساعدة منظمة حقوقية نمساوية أمام محكمة ستراسبورغ التي قررت التحرك ضد العائلة

في الإمارات العربية المتحدة دون ضمان “فرص واقعية للنجاح”. فلا يوجد بين الدولة الخليجية والنمسا اتفاقية تؤطر التعاون القضائي في هذه الحالات.

الواقع القاسي

مدافعون عن حقوق الإنسان يصفون العمل في دول الخليج بالعبودية الحديثة حيث يتصل أشخاص بوكالات عمل في بلدانهم الأصلية مثل بنغلاديش والهند وسريلانكا أو باكستان للعمل في دول الخليج، ولكن بمجرد وصولهم يجد العمال واقعا آخر حيث يكونون مجبرين على العمل مدار الساعة والانتظار طويلا للحصول على مقابل مادي، بل غالبا ما يتعرضون للشتم والضرب

والاستغلال.، فدول الخليج يوجد فيها ما يسمى بقانون “الكفيل” الذي يجعل الخادم تحت رحمة صاحب العمل، وبالتالي فمن يبحث عن عمل آخر دون رخصة، سيتعرض للعقاب ويمكن طرده فورا من البلاد.

والانتهاكات التي تحدث في دول الخليج سرعان ما تنتقل على أوربا بمجرد سفر أثرياء الخليج رفقة الخدم لقضاء عطلتهم أو الخضوع للعلاج، إذ لا يغيرون من طريقة تعاملهم مع الخدم ويعتبرونها مقبولة في أوربا بينما هي تمثل خرقا للقوانين الوطنية الأوربية.