عاجل

قرية كونية أم كون من القرى ؟

تقرأ الآن:

قرية كونية أم كون من القرى ؟

حجم النص Aa Aa

سامي مصدق – إعلامي/سما دبي

رحلة الشتاء والصيف أصبحت رحلات وبفضل الهايبرلوب ستختصر المسافات وقد ينعدم الشوق بيننا لأننا سنكون ما دمنا أحياء موجودين في كل مكان وفي كل زمان… وإذا اندثر الشوق فسيندثر الشعراء لأن عصر السرعة سيحطّم موازين الشعر و ستقضي العجَلة على الأحاسيس وتدهس الوجدان… وستغرق البحور في محيط التحوّلات .. لكن أرجوك لا تبتئس ولا تحزن… في زمن القرية الكونية أصبحت العائلة وأصبح أصدقاؤك والفرص التي تبحث عنها أو تعرض نفسها عليك في قبضة يدك … امسح يا علاء الدين على شاشتك السحرية وسيأتيك المارد ليقول لك “ شبيك لبيك العالم بين يديك “… لم تعد المهمة شاقة ولم تعد الرحلة تطلب مؤونة وقافلة … أنت الآن يا صديقي مسافر زاده هاتف وانترنت وكهرباء … بلا مبالغة أصبح العالم بين يديك وبإمكانك أن تكون يوما ما – شئت أم أبيت – حديث من تعرف ومن لا تعرف من الشعوب والقبائل التي تحبها والتي تخاف منها… سيسطع نجمك إذا غمزت الطعم سمكة تويتر او فيسبوك أو يوتيوب وارتجت صنارتك معلنة اللحظة الحاسمة والدقيقة لسحب الخيط بقوة ناعمة.. حينها ستلفظ السمكة المتلألئة أنفاسها الزكية بين يديك مطمئنة راضية مرضية … صدق ابن مقاطعة ألبرتا عندما قال إن العالم أصبح قرية كونية … تلك البشارة جعلت من الكندي مارشال ماكلوهان أحد أبرز مفكري القرن العشرين

إثر الانفجار المعرفي في منتصف القرن الماضي وبعد أن شهد تطور الحواسب الالكترونية أوجه ولجنا بجناحي الانترنت ثورة المعلومات من دون استئذان لم نأبه حتّى ب” حارس البوابة “ أصبحت المعلومات في عشية أوضحاها تتدفق كسيل جارف لا أحد يستطيع أن يوقفه أو يقف أمامه حتى أنه في آخر هذا التحوّل أصبح الفرد يقارع المؤسسة وأصبح النكرة معرفة واحتل الركح بلا رحمة ولا شفقة وسيطر على مجريات الذوق أنّى شاء …

آلاف النجوم والمشاهير وصناع الرأي وغيرهم ممن تحفل بهم الشبكات العنكبوتية ينتجون بضاعة عليها إقبال كبير لم يمروا أبدا عبر أسطر المقالات ولم تحاصرهم رهبة الإذاعات … تعملقوا بالمتابعين و الطامعين حتى أصبح التلفزيون قزما يسعى في هذا البلاط ومن التمسّح على عتباتهم يقتات … ماكلوهان رحل عن العالم عام ثمانين وبعد هذا التاريخ بأربع سنوات ولد مارك اليوت زوكربيرغ ويالها من ولادة في زمن الانفجار التكنولوجي وثورة المعلومات !!! تقلصت مساحة القرية وصار العالم بيتا كونيا وأصبح من الصعب أن لا تتضمن أجندة زيارات الزعماء الكبار إلى الولايات المتحدة الأمريكية لقاءا مع مارك زوكربرغ مؤسس إمبراطورية فيسبوك أو يغيب وادي السليكون العاصمة التقنية للكرة الأرضية عن برنامج الزيارات … من الصعب أن يحدث هذا في عصر العم غوغل في عصر ما يسمى بالأربع الكبار : غوغل, أبل فيسبوك , أمازون ( GAFA) الان يمكن أن تعرف ماذا تريد وقت ما تريد, انتفت الحواجز واللغات حتّى أننا فزعنا بآمالنا إلى الوثوق بزمن لا يعيش فيه الناس أشقياء … لكن هل هذا ما يحدث فعلا على نحن في زمن تتيح لنا فيه وفرة المعلومات ودقتها وسرعتها والقدرة على التحرك بسرعة مذهلة مطاردة الأحزان التي لا نستطيع أن نتجاهلها؟ ماذا فعلنا بهذه الثورة الاتصالية التي اكتسحت كل مجال وفرضت واقعا ثقافيا جديدا ؟ لماذا مازلنا نقف مكتوفي الأيدي عاجزين عن استغلال هذه الكم المعلوماتي والمعرفي الذي لم يتح للبشرية من قبل لمعالجة أوضاع مثل الفقر وجنوده من جوع وعراء ومرض وأمية وبطالة وقلق من المستقبل ومكابدة العيش يوميا … فماذا فعلنا بكل ما لدينا من قدرة تكنولوجية مبهرة وانكشاف معرفي مذهل نحسب أنه محا مناطق الجهل لنوقف عدّاد الجوع الذي لا يتوقّف عن تسجيل وفاة طفل كل عشر ثوان ناهيك عن مئات الملايين من البشر الذين يقبعون تحت خط الفقر … انظر عن يمينك وعن يسارك إلى هذ الحروب التي تهلك الحرث والنسل لماذا نمشي بخطى متثاقلة لإخمادها حتى الأزمات التي تنجم عنها مثل مشكلة اللاجئين, فجأة تعجز كل وسائلنا المتطورة التي كنا للتوّ نباهي بها عن المساعدة في توفير الملاذ الغذائي والصحي والمأوى الآمن في الوقت المناسب… فتُصم الآذان وتعمى الأبصار وتهيم الأذهان وكأننا لا نعيش في قرية واحدة … في خضمّ كل هذا الانتظار بأن يستجيب الفتح التكنولوجي لاستصراخ الوجع الانساني يستمر سكّان القرية الجميلة في ثني عطفهم عما يحدث في مناطق الظل وينام ضميرهم ليستيقظ مصدوما على صورة الطفل إيلان ملقى على شاطئ بودروم وكان آخر قوله “ أبي لا تمت يا أبي “ غير أننا نستأنف النوم ويموت آخرون فنستيقظ ونتفاعل وربما نتساءل في هذا العالم المتقلّب لماذا لا تتوحد جهودنا لتوازي سرعةُ الوصول إلى المعلومات في هذا الفضاء السيبيري سرعة القضاء على الأزمات.

سامي مصدق

إعلامي – سما دبي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز