عاجل

عيد الأضحى في أوروبا بين الحنين إلى الوطن الأم ورغبة إيجاد بيئة خاصة

تقرأ الآن:

عيد الأضحى في أوروبا بين الحنين إلى الوطن الأم ورغبة إيجاد بيئة خاصة

حجم النص Aa Aa

العيد في أوروبا فرحة دون أي طعم

يستعد المسلمون هذه الأيام للاحتفال بشعائر عيد الأضحى المبارك، الذي يعد أحد أكبر وأهم مناسبة احتفالية لدى المسلمين. وهذه المناسبة التي تعني الكثير لشعوب العالم الإسلامي؛ لا تقلّ أهمية بالنسبة للأقليات المسلمة في دول الاتحاد الأوربي، فالاحتفال بالعيد من قبل الجاليات العربية والمسلمة في هذه الدول مشابه نوعاً للاحتفالات به في الدول الإسلامية، ولكن ببريق أقل.

اختلاف الاحتفالات من دولة أوربية إلى أخرى

تختلف كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي عن غيرها في طريقة تعاملها مع الأقليات المسلمة التي تعيش على أراضيها بخصوص عيد الأضحى، ولكنها تشترك في بعض الأمور التي تتعلق خاصة بمنح التراخيص الخاصة بعملية نحر الأضاحي، وهو ما يجعل من مناسبة عيد الأضحى ترتبط بتعامل الدولة مع المناسبات التي يفترض أن يحتفل بها المسلمون، وموقف تلك الدولة في حدّ ذاتها من هذا الاحتفال، والبعض الآخر يرتبط بالأماكن التي تقام بها شعائر عيد الأضحى.

عدم اعتماد عيد الأضحى كعطلة

لو أخذنا مناسبة عيد الأضحى في أوروبا، سنجد أنّ معظم دول الاتحاد الأوروبي لا تخصص عطلة لعيد الأضحى، وهي المسألة التي تؤرق الكثير من المسلمين في أوروبا، والذين عادة ما يرتبطون بمواعيد عمل أو دراسة خلال المناسبة، وقد أثير هذا الموضوع في سويسرا مؤخرا حيث ثار جدل كبير بشأنه.

قلة الأماكن الخاصة بإقامة صلاة العيد

باستثناء المساجد القليلة، لا توجد أماكن أخرى لإقامة شعائر صلاة العيدين، وفي هذا الشأن يواجه المسلمون صعوبات كبيرة في بعض دول أوروبا، وقد أثيرت هذه المسالة في السنوات القليلة الماضية في إيطاليا، التي حصل مسلموها مؤخراً على ساحة يقيمون فيها شعائر عيدي الفطر والأضحى بعد معاناة طويلة مع السلطات الإيطالية.

النمسا من أكثر البلدان ليونة

يرى البعض أنّ النمسا من بين أكثر دول الاتحاد الأوربي التي تهتم بالأقليات المسلمة على غرار مشاركة السلطات النمساوية الجالية المسلمة فرحة عيد الفطر وعيد الأضحى. وهي مبادرة قلما تحدث في دول الاتحاد التي يقوم بعضها بوضع العراقيل أمام الأقليات المسلمة.

ومن أهم ما يميز اهتمام النمسا بجاليتها المسلمة نجد مشاركة مسؤولين وطنيين ومحليين في الاحتفال، فقد بادر مؤخرا الرئيس النمساوي بإقامة حفل استقبل فيه ممثلي الجالية المسلمة، وهو الأمر أضفى الكثير من الفرح والسعادة في صفوف جالية طالما شعرت بالتمييز والتهميش من قبل السلطات.

بريطانيا… نحو سياسة متشددة

مع اقتراب عيد الأضحى تخصّص المساجد البريطانية محاضرات خاصّة بالمناسبة، تتناول مفاهيم الدين والتاريخ الإسلامي. كما يقدّم المسلمون في عيد الأضحى ذبيحة، قد تكون خروفاً أو بقرة، ويوزّع اللحم على الفقراء والعائلة والأصدقاء. غير أنّ قوانين بريطانيا تمنع الذبح في الشوارع، كما يحدث عادة في غالبية البلدان العربية، وتسمح به فقط في مذابح مخصّصة لهذا الغرض.

ومن جهة أخرى، قد يتبرّع المسلمون، بمبالغ ماليّة للجمعيّات الخيرية، لمساعدة العائلات المحتاجة. وتقوم المساجد بالتنسيق مع جمعيات أخرى، بتحضير وجبات جماعية مجّانية، بهدف نشر فرحة العيد في نفوس الجميع.

بلجيكا… المعاناة تتجدد كل عيد

وإذا كانت النمسا تهتم نوعا ما بمسلميها، فالوضع يختلف في بلجيكا حيث يواجه المسلمون تحديات كثيرة تتمثل في تطبيق سنة ذبح الأضاحي، في ظل حظر الذبح الذي تفرضه بلجيكا على المسلمين بدعوى الرفق بالحيوان ومنع تعذيبه، فقد حددت السلطات البلجيكية جناحاً لسكان مدينة “أنفرس” ليتم قتل الأضاحي بها من خلال الصعق بالكهرباء أو تخدير الخرفان قبل الذبح، وهو ما يرفضه المسلمون جملة وتفصيلا.

الوضع في فرنسا ليس أحسن حالا

أما في فرنسا التي يتجاوز عدد المسلمين فيها 6 ملايين نسمة، فكثيرا ما يحمل عيد الأضحى طعم المرارة. فالمشاكل التي يواجهها المسلمون كثيرة عندما يتعلق الأمر بالاحتفال بعيد الأضحى وذبح الأضاحي في ظلّ القوانين الفرنسية الصارمة التي تفرض على المسلمين أن تكون عملية الذبح والسلخ منظمة ومقننة وفي إطار المذابح فقط.

وخوفا من تعرض المسلمين إلى عقوبات وغرامات مالية بسبب المذابح العشوائية أو الذبح في المنازل أو في الأحياء أو حتى على قارعة الطريق أصبح أبناء الجالية المسلمة مضطرين إلى شراء الأضاحي مذبوحة ومسلوخة من قبل الجزارين المعتمدين، وهو ما يؤدي إلى الإخلال بأركان وشروط عديدة من شروط الأضحية، كما أن مخالفة هذه القوانين والذبح خارج المذابح المرخصة، يعاقب عليه القانون بغرامات مالية قد تصل إلى 15 ألف يورو والسجن لمدة 6 أشهر.

ولا يخفي مسلمو فرنسا معاناتهم عند اقتراب موعد عيد الأضحى، وتتمثل هذه المعاناة في حجز الأماكن المخصصة لنحر الأضاحي والتنسيق مع المذابح، ورغم وجود بعض الجمعيات التي تهتم بأمور الجالية المسلمة وتتحرك بغية إيجاد حلول كفيلة بتخفيف معاناة المسلمين خاصة في ظلّ ظهور فئة من الجزارين وبائعي اللحوم الذين يستغلون أبناء الجالية المسلمة ويوهمونهم بأنّ اللحوم التي يبيعونها هي أضاحي عيد وتمّ نحرها بعد الصلاة، وهي في الأساس لحوم عادية مذبوحة قبل العيد.

ولضمان الحصول على أضحية العيد تعمل بعض المساجد كمسجد باريس ومسجد ليون ومسجد سانت إيتيان وغيرها من المساجد على وضع قوائم للمسلمين الراغبين في اقتناء اضحية العيد من خلال تسجيل أسمائهم ودفع مبالغ مالية تتراوح بين 120 و150 يورو، الحضور يوم العيد ابتداء من متصف النهار لاستلام الأضحية. وهي مبادرة لاقت بعض النجاح على مستوى المدن الكبرى، بينما يلجأ البعض إلى التنسيق مع المذابح المعتمدة للتمكن من أخذ الأضحية في وقت باكر من صباح يوم العيد.

محمد عياري: للعيد في الوطن الأم طعم خاص

محمد عياري مهاجر جزائري في فرنسا منذ أكثر من عشر سنوات اعتبر أنّ: “عيد الأضحى لا يحمل أي معنى عند قضائه بعيدا عن بيئته وعن الجزائر، وحتى وإن حاول البعض وضعه في إطار من الفرح والبهجة، فستنقصه تلك السعادة النابعة من الأعماق، التي لا نجدها سوى في أرض الوطن”.

اتحاد الجمعيات المسلمة ومبادرات لمساعدة المسلمين

أما الأمين العام “لاتحاد الجمعيات المسلمة” بمقاطعة سان سانت دونيه محمد حنيش فيعتبر من جهته أنّ أوربا تتحمل ما أسماه “الضغوط البروتوكولية” بخصوص الاحتفال بعيد الأضحى. وعلى هذا الأساس أكد محمد حنيش أنّ اتحاد الجمعيات المسلمة يعمل منذ سنوات على اعتماد مبادرة اقتناء أضاحي عيد الأضحى والتوجه إلى إبرام عقد مع شركة “سرتا” التي يديرها مسلم من أصول جزائرية حيث تقوم الشركة بعملية التوزيع والذبح مباشرة بعد صلاة العيد في العاصمة باريس وضواحيها. كما قام “اتحاد الجمعيات المسلمة” بالتعاون مساجد ومذابح لاقتناء الأضاحي وتجنب المضاربة في الأسعار بفرنسا.

وحسب محمد حنيش يسعى “اتحاد الجمعيات المسلمة” إلى الحفاظ على ترسيخ الاحتفال بعيد الأضحى في فرنسا والتمسك بها في فرنسا خاصة وأوربا على وجه العموم والحفاظ عليها من الزوال تحت الضغوطات السياسية والشكلية التي تقوم بها الحكومات المتعاقبة. واعتبر محمد حنيش الجالية المسلمة تعاني من مشكلة إيجاد مكان للقيام بعملية نحر الأضاحي، ومنطقة سان سانت دونيه التي تضم أكبر تجمع للجالية المسلمة في المنطقة الباريسية محرومة منذ أكثر من عشر سنوات من المذابح الخاصة بهذه المناسبة، وباستثناء المذابح الخاصة بالدجاج، لا تضم المنطقة مذابح مهيئة، وهو ما يضطر أبناء الجالية المسلمة إلى التنقل إلى مناطق أخرى كمناطق “سان أي مار“، “فال دواز“، “فال دو مارن”. والمذابح الموجودة في هذه المناطق لا تلبي احتياجات الجالية المسلمة خلال فترة عيد الأضحى خاصة وأنّ تلك الذابح تستطيع بالكاد تغطية طلبات زبائنها المتواجدين على مستوى مقاطعاتها التي تحجز مكانها شهرا قبل حلول عيد الأضحى، ويستحيل الظفر بمكان عند اقتراب يومي العيد بالرغم من محاولة بعض الأطراف تقديم المساعدة.

وحتى لو اختلفت مظاهر عيد الأضحى في أوربا مقارنة بالاحتفالات في الوطن العربي، فالميزات الأساسية تظلّ ثابتة، ولا تتغير، فنجد مثلا اجتماع العائلة وفرحة الصّغار والمحافظة على التقاليد الجميلة، التي تتوارثها الأجيال، فهناك طقوس تتشابه لدى جميع المسلمين، ولا يمكن لعيد الأضحى أن يمرّ من دونها.