عاجل

عاجل

الديليما الكتالونية، هل يرقص بويجدمونت على سلم الاستقلال؟

قرار بويجدمونت يأخذ مسار "محلك سر" بسبب الغموض حول أجندة الاستقلال، أما راخوي، فقد دعا إلى توضيح الغموض وهدد بتفعيل المادة 155 من الدستور الإسباني ما سيكون سابقة في تاريخ البلاد.

تقرأ الآن:

الديليما الكتالونية، هل يرقص بويجدمونت على سلم الاستقلال؟

حجم النص Aa Aa

الديليما الكتالونية، هل يرقص بويجدمونت على سلم الاستقلال؟

بقلم د/ محمد عبد العظيم

لاعبان في حلبة الحسابات
. وجاءت كتالونيا لتثبت لنا أن أي جماعة عرقية أو قومية يمكنها وضع دولة ما في مأزق التمزق والهرولة لمحاولة انقاذ الوحدة الداخلية. فالعقلانية لم تردع بويجدمونت، إلا قليلا، من اتباع هواه الانفصالي لأن منطق العقلانية السياسية، كان يملي عليه ألا يعلن استقلال إقليم كتالونيا. إذ أعلنت حكومة كتالونيا أن رئيس الإقليم كارلاس بويجدمونت قد وقع على إعلان الانفصال عن إسبانيا مع تأجيل دخوله حيز التنفيذ. هذه الخطوة إلي الخلف هي وليدة العقلانية التي تحتم علي قادة الإقليم الأخذ بعين الاعتبار محصلة الحسابات. فالمكسب السياسي له قيمته الرمزية ولكنه أدني بكثير مما يمكن أن يتوقعه سكان كتالونيا من خسائر اقتصادية ستنتج عن تكلفة الاستقلال.
ففي الماضي كان استقلال الدول يساعدها على تطبيق مبدأ حق تقرير المصير لشعب ما. أما الآن فهي ظاهرة انفصال جزء من شعب ما، وفقدان الدولة جزء من قدرتها على القرار بما يعني كل ذلك من تغيرات في مفهوم الهوية والانتماء لدي هذا الشعب الجديد (المستقل) داخل الشعب القديم (المستقل عنه). لذلك أعلنت الحكومة الإسبانية في مدريد بأنها لا تعترف بشرعية إعلان انفصال كتالونيا وجميع الإجراءات المتعلقة بالاستفتاء حتى العودة إلى المسار القانوني. (1) الحالة الكتالونية تنذر بأن هناك تباران لم يعرف بعد أحدهما (الكيان الدولوي) كيف يتعامل مع الآخر (الكيان القوموي) فالأول يتشبث بمعطيات أهلته حتى الآن بإدارة الأزمات. فصندوق الأدوات الدولوي مملوء بما فيه الكفاية من آليات قانونية ودستورية جعلت الحكومات تثق في قدراتها الهائلة على استخدام مفهوم الردع تجاه من يقف في طريقها وإرغامه على المضي خطوات إلى الخلف أمام تهديدات مالكة القوة الحصرية القصوى. (2) وإذا بهذه الدول تكتشف ظهور عامل الانفصال مدعوما بعامل اللاعقلانية. ففجأة استيقظت إسبانيا على ضجيج صيحات الانفصال وعدم الخوف لا من القانون ولا من الدستور ولا من قوة مدريد الماسك الأوحد للسيادة. (3) وهنا يطرح التساؤل الذي تصعب الإجابة عليه: ماهي الإمكانيات المتاحة أمام لاعب دولوي يبني صناعة قراراته على هاديات العقلانية من احترام القانون والدستور، أمام لاعب يبني حساباته على مبدأ اللاعقلانية بتضخيم أقل المكاسب السياسية وتقليص أعلي الخسائر الاقتصادية؟ ولكنه وبعد الإعلان عن الاستقلال بعد المداولة أظهر بويجدمونت أنه للحفاظ على ماء الوجه ما يزال يجيد فن الرقص على السلم، حتى لا يراه سكان الطابق الأسفل أو سكان الطابق الأعلى.

العقلانيه تردع الانفصاليين
قرار بويجدمونت يأخذ مسار “محلك سر” أو خطوة للأمام وأُخري للخلف لأن رئيس كتالونيا قد أعلن، أمام البرلمان الكتالوني، بأن الإقليم استحق بالفعل، حسب نتائج استفتاء 1 أكتوبر، أن يكون له دولة مستقلة، فعم الفرح بين صفوف هؤلاء الذين كانوا ينتظرون هذه العبارة. ولكنه، وبعد دقائق، اندرج في منطقة الغموض والضباب حول أجندة الاستقلال، إذ اقترح تعليق إعلان الانفصال عن إسبانيا لإفساح المجال للحوار. وبهذا يعود بويجدمونت إلى خانة العقلانية التي كاد أن يخرج منها ويضع الدويلة التي يرغب فيها مهب رياح عواصف الرفض وعدم الاعتراف بها أوروبيا ودولياً. (4) في خطابه أمام البريمان الإسباني دعا رئيس الوزراء ماريانو راخوي، دعا بويجدمونت إلي توضيح موقف الغموض الذي ورد في كلمته حول إعلان الاستقلال. إذ هدد راخوي، كما فعل مرارا، بتفعيل المادة 155 من الدستور الإسباني ما سيكون سابقة في تاريخ البلاد. وتجيز هذه المادة تسلم سلطات مدريد إدارة المؤسسات في أي إقليم أو منطقة تمر بأزمة.
اللاعب اللاعقلاني نعرفه من أول وهلة لأنه ينفي واقع الأمور فيمكنه، على سبيل المثال، البحث بكل الوسائل لاندلاع الحروب بينه وبين لاعب آخر أكثر قوة وأشد عتادا، ولكنه مقتنع بالنصر أو أنه يظل يتمسك بأنه المنتصر حتى إذا نال الهزيمة الكبرى والتي لا ينفيها إلا هو. وعالمنا العربي مليء باللاعبين اللاعقلانيين منذ عقود. أما منطق بويجدمونت، فهو نصف عقلاني سياسيا ولكنه مبني على مبدأ سنستقل والأيام بيننا. هذا المنطق، الذي يتبناه داعمي الانفصال هو مبني علي آمال وهمية وحسابات مغلوطة، ورغم الأخطاء، فإنهم عقلانيون في مجال اللاعقلانية.
حينما دعا بويجدمونت إلى الحفاظ على الهدوء وخفض مستوى التوتر، شدد على أن التصويت تحقق رغم محاولات السلطات في مدريد عرقلته وأن: “شعب كتالونيا اختار الاستفتاء، واختار أن يكون له مستقبل يقرر فيه مصيره بيده”. هذا يعني أن خياره صار بين البينين أو بالأصح خيار “نص ونص”. فرئيس إقليم كتالونيا يعرف مغزى الصمت الأوروبي وخاصة صمت باريس وبرلين. فمن المحتمل أن خيارات بويجدمونت أخذت بعين الاعتبار ماقاله رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، حين حث سلطات كتالونيا، على “احترام النظام الدستوري وعدم إعلان قرارات تجعل الحوار (مع مدريد) أمرا مستحيلا، مؤكدا أن الخيار البديل سيكون سيئا بالنسبة لكتالونيا وإسبانيا وأوروبا. أي أن المعضلة “الديليما الكتالونية” صارت تؤرق الأوربيين. (5)
عقلانية بويجدمونت ستفرض على المفوضية الأوروبية الخروج من طول الصمت وأن تأخذ المبادرة في العلن وعدم التخفي في عدم التدخل في شؤون إسبانيا الداخلية. من اليوم بات جلياً أن مثلث باريس، برلين وبروكسل يحاول في السر قبل العلن، إيجاد المخرج من مأزق ثقب كنالونيا الأسود.


فرحة إعلان الاستقلال في برشلونة

ميلاد مارد القوميات
ما يكمن وراء ما حدث ويحدث في كتالونيا فيه الكثير من التساؤلات والقراءات حول التداعيات التي ستؤول إليها الأمور في المستقبل داخل الدول الأوروبية التي تعاني من فيروس الاستقلال. أما العامل الأكثر أهمية فيكمن وراء الصراع الجديد الذي تتمخض عنه الأحداث في إسبانيا. هذا العامل هو ميلاد صراع من نوع جديد بين دولة كانت قد ايقنت ورسخت عقيدة الوحدة واللحمة الداخلية وإذا بها تصحو على إيقاع طبول اللاوحدة وميلاد دويلة تنافسها في خصوصياتها السيادية. وتنزلق هذه الدول إلى مواجهة تغيير الرقعة الجغرافية الذي تطرأ على حدودها من كيان مكاني محدد ومعروف إلى ضمور مكاني في رقعة العمق الاستراتيجي لها. (6) وكل ما نراه هو محاولات الدول في الدفاع عن وحدتها التي يريد جزء منها النيل منه. إذ لا تجد إسبانيا، حتى الآن، الطريقة المثلي لمواجهة التحدي الذي يمارسه إقليم كتالونيا. فوصف وزير الخارجية الإسباني، ألفونسو داستيس، وصف خطاب الاستقلال الذي ألقاه رئيس كتالونيا كارلاس بويجدمونت، بأنه خدعة حيث قال شيئا وفعل شيئا آخر. وهنا يكمن مربط الفرس حيث تريد الدولة الاحتفاظ بحقها في مبدأ القوة السيادية الأوحد وبدون منازع فيما يرغب الطرف المنادي بالاستقلال الحيازة على لقب المارد الوليد الذي يتمرد على التنين ذو الرؤوس السيادية الثلاث: الدفاع والخارجية والقضاء.
الإقليم الكتالوني، أو المارد في طور الولادة، نجح في إثارة حفيظة مدريد لدرجة أن حكومة راخوي فقدت مصداقياتها أمام مناوشات الانفصال التي قام بها القوميون في كتالونيا. إذ نصب الانفصاليون فخ وقعت فيه الحكومة. هذا الفخ هو فخ الانفعال الذي أرغم راخوي علي عدم التريث في استخدام القوة الشرعية (الشرطة). هذا ما نشرته جريدة اليسار إلباييس الإسبانية وهي ليست أحد الجرائد المحسوبة على اليمين وحزب راخوي ذو الأغلبية والذي يقود الحكومة. ففي أحد تقاريرها نشرت هذه الجريدة خارطة الطريق الذي نفذها أصحاب الانفصال بندا بعد الآخر وفيها نري كيفية خلق مناخ المواجهة مع قوات الشرطة، لجذب تعاطف المعارضين للانفصال، وهذا ما حدث. (7)

التسويق القوموي
إقليم كتالوميا هو الأكبر بين المتمردين الجدد داخل الدول التي تعاني من فيروس الانفصال في أوروبا. فخلافا عن الكثير من أقاليم في دول أوروبية أخري، إقليم كتالونيا يتميز بحوزته على الاكتفاء الذاتي في كل المجالات ماعدا الدفاع والخارجية والضرائب. أوروبا التي بنت أحلام مستقبلها على الرغبة في الاتحاد والتوق إلى نبذ المواجهات الدامية إلى مالا رجعة، ها هي تغيب عن حلبة إدارة النزاعات وتبخل بالوساطة. فالتسويق للأيديولوجية القوموية وضع العواصم الأوروبية تحت تأثير مخدر الانفصال. فتكاد تكون كتالونيا أول درج علي سلم النزعات القومية التي ستؤرق الوجود على عامة الدول في الاتحاد والفضاء الأوروبي الذي لم يكتمل بعد. ومارد القوميات هو في طور الولادة فإذا شد عضده واستقامت له قامة سيضع الدول على مسار يتعارض مع روح العصر والذي لا مكان فيه للكائنات الصغيرة ويحق فيه استعارة مقولة داروين: البقاء للأقوى. (8)
كسائر الدول الأوروبية، نجح التسويق للمنتج القوموي في مهمته ووضع أجهزة الدولة الإسبانية في خانة الدفاع، حتى يمكن القول بأن هدير تسونامي القوميات أثر على قدرة الحكومة الإسبانية وجعلها تفقد الاتزان. وذلك حينما رصدت عدسات أحد القنوات التليفزيونية الداعمة للانفصال بضع ثوان من المواجهة بين الشرطة الإسبانية والناخبين. فقناة تي في 13، سجلت بعض أعمال العنف بين الناخبين وعناصر الشرطة الأسبانية التي حاولت الحيلولة ضد التصويت في بعض لجان الاقتراع. فقام داعمو الانفصال بإغراق الشبكة العنكبوتية بهذه اللقطات، مما أشعل نار القومية الكتالونية لدي سكان كتالونيا بما فيهم من الرافضين للانفصال. تأثير الماركتينغ الانفصالي عكر جو الانتخاب وألقي بالآلاف على طريق الاقتراع مما أضفي على الاستفتاء لون الشرعية والنتيجة كانت فشل الحكومة في الدفاع عما حدث. وبذلك يمكننا إضافة حالة التسويق القوموي على قائمة صعود التأثير الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي على مسار الأحداث الكبرى. (9)
كتالونيا، التي تلعب في الوقت الإضافي، اختارت تعليق إعلان الانفصال عن إسبانيا إلى وقت لاحق، تتوق إلى وضع مدريد في مأزق آخر في منطق جديد لتسويق فكرة أصحاب المبادرات واليد الممدودة تجاه مدريد. وبهذا يضع الإقليم في مستوي الدولة التي ترغب في الحوار مع دولة مجاورة. إلا أنه سيصطدم بجدار الرفض المدريدي والأوروبي كما قالت الوزيرة الفرنسية المكلفة بالشؤون الأوروبية، ناتالي لوازو، والتي أعلنت أن بلادها لن تعترف بكتالونيا وقالت إنه حتى إذا افترضنا حصول الاعتراف باستقلال المنطقة وهو أمر غير وارد فإن النتيجة الفورية ستكون وضع كتالونيا خارج الاتحاد الأوروبي. وهذا هو العامل الأكثر تأثيراً للضغط على كتالونيا وعلى كارلاس بويجدمونت حتى ينسي وللأبد اعتقاده بأنه المارد الدولوي الوليد وبأن عليه أن لا يغني: فيفا كتالونيا…. ولكن لا خيار أمامه إلا أن يغني… فيفا إسبانيا.
________________________________

محمد عبد العظيم
دكتور في العلوم السياسية / ليون-فرنسا
متخصص في العلاقات الدولية، والشرق الأوسط
صدر له العديد من المؤلفات حول الأسلحة النووية ودورها في الحروب بين إسرائيل وجيرانها
وحول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ألآراء التي تعبر عنها مقالات الرأي المنشورة في يورونيوز لا تمثل موقفنا التحريري
________________________________

1- Jordi Casassas, Carles Santacana, Le nationalisme catalan, Paris, éditions Ellipses, 2004.
2- Frank Tétart, Nationalismes régionaux: Un défi pour l’Europe, Bruxelles, De Boek, 2009.
3- Alicia Fernández García, Mathieu Petithomme, Les nationalismes dans l’Espagne contemporaine (1975-2011), Compatition politique et identité nationales, Paris, Armand Colin. 2012.
4- Sophia Mappa, Les deux sources de l’exclusion : Economie et replis identitaire, éditions Karthala, 1993. Sophia Mappa, Puissance et impuissance de l‘état. Les pouvoirs en question au nord et au sud, Paris, Karthala, 1996.
5- Jean Blaise Mimbang, La théorie des jeux et Nash: Comment éviter de faire face au dilemme du prisonnier ? Namur, 50 Minutes, 2014.
6- Christian Lazzeri, Dominique Reynié, La Raison d’Etat: politique et rationalité, Paris, Presses universitaires de France, 1992.
7- https://politica.elpais.com/politica/2017/10/09/actualidad/1507569660_552707.html.
8- Lucien Ayissi, Rationalité prédatrice et crise de l‘État de droit, Paris, L’Harmattan, 2011.
9- Nacima Baron, Barbara Loyer, L’Espagne en crise(s): Une géopolitique au XXIe siècle, Paris, Armand Colin, 2015.