عاجل

عاجل

حينما أدرك ماكرون الصباح سكت عن الكلام المباح

شهرأكتوبر تقلصت فيه رقعة داعش الجغرافية ولم يعد للبغدادي أثر في الموصل، وفاجأنا ماكرون بعدم الحديث عن حقوق الانسان وفاجأتنا الصين بتنصيب رئيسها كمنظر للشيوعية، وقرر ترامب إزاحة الستار عن الغموض حول اغتيال كينيدي.

تقرأ الآن:

حينما أدرك ماكرون الصباح سكت عن الكلام المباح

حجم النص Aa Aa

حينما أدرك ماكرون الصباح سكت عن الكلام المباح
بقلم د/محمد عبد العظيم

شهر أكتوبر/تشرين الأول جاءنا بالكثير من المفاجآت. إذ تقلصت فيه رقعة داعش الجغرافية في العراق وسورية ولم يعد للبغدادي أثر في الموصل وسقوط مدينة الرقة صار قريباً. وفيه فاجئنا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعدم الحديث عن حقوق الانسان وفاجأتنا الصين بتنصيب رئيسها كمنظر للشيوعية “الحديثة“، وقرر دونالد ترامب إزاحة الستار عن الغموض حول اغتيال كينيدي.

الجهل الخالد في عام 1954 وعندما كتب محمود حسن إسماعيل كلمات النهر الخالد، لم يكن يخطر له على بال بأن نصف قرن من الزمان قادر علي تحويل الدنيا من حال إلى آخر. حينها كانت القاهرة تغني حركة عدم الانحياز فتزود محمد عبد الوهاب بالخيال حينما لحن وتغني بسحر وعطر وجمال النهر الخالد. أما بداية الألفية الثالثة فجاءت لتنذرنا بأن العواصم العربية عليها أن تواجه موجة الجهل الخالد، وقابلية ارتداء الأفكار الجاهزة بعد القابلية للاستعمار. وخلافاً عن كل المعطيات، فلقد أثبتت العواصم العربية في مجملها بأنها ظمآنة للديمقراطية وكأس العلقم في يديها وتتوق إلى رؤية الفن والحب والجمال. ومنذ بداية العقد الثاني من الألفية، ومن كثرة طول قهر الأنظمة وتوغل أورام مرض الإرهاب، فلقد شابت الليالي على أراضي البلدان العربية وضيعت عمرها جبال من الاحباطات والاخفاقات في شتي المجالات. (1) ولم يزل ينشد الجيل الصاعد الديارا ويسأل الليل والنهارا عن المخرج من هذا النفق المظلم الذي ملأته داعش بالخرافات وبالدماء أنهارا وبالقتل والذبح بحارا وبالتهجير والخراب قفارا. أما في عام 2011، فلم يكن يخطر على بال الناس الذين كانوا في حب الديمقراطية سكارى، وهاموا على شطها الرحيب في قلب ميدان التحرير أنه سيأتي عليهم الزمن بتساؤلات لا إجابة عنها.

أين أنت يا ابن رشد
ما نشهده اليوم هو إعادة صياغة الفضاء الديني في سياق عولمة الاتصالات الذي يعطى لدعاة الفوضوية محلية الصنع استقلاليه ذاتية يتحدث فيها البغدادي عن رؤيته المضللة ومالياً شروط توسعه الدموية ليصير، في المستقبل القريب، الهارب الذي لا هوية له صاحب دعوة الذبح وحلقة الوصل بين الذباحين الوهابيين في القرن الثامن عشر مع محمد بن عبد الوهاب الذين قتلوا مسلمين العراق وشمال المملكة حينها باسم الدين رغبة في أن يؤسس آل سعود دولتهم الأولي. ففي 1811 جهز محمد علي باشا جيشاً ونصب ابنه طوسون على رأس حملة دمرت الدرعية رأساً على عقب، كما دمرت الموصل أو حلب مؤخراً. والآن صار الجهل المقدس صاحب الكلمة كما كان حال العرب في القرن الثالث عشر حين انقلب الازدهار الفكري إلى كارثة الضمور وحين نادي بن تيمية متلاعباً بمفهوم الجهاد لصد المغول ولم يهدأ له بال إلا حينما أنهي على أرقي ما أنتج الأندلس وحرق ما تبقي من فكر ابن رشد وما تبقي من عصر الأنوار الذي ساد في نهاية عصر العباسيين. (2) حينها كان ابن رشد هو ملهم توما الأكويني الذي ساعدته فلسفة ابن رشد في بلورة فكرة المحصلة العقائدية التي أدت إلى فصل الدين عن السياسة فيما بعد. وبموت آخر خلفاء العباسيين، في عام 1258 ببغداد، اندثر الفكر العربي ولم تقم له قائمة حتى يومنا هذا. فلقد أرغم هذا الجهل التاريخي، كل العواصم العربية على بناء جدار الانفصال بين الفرد العربي وثقافته التي كانت تقول “ربنا عرفناه بالعقل” والموروثة عن فكر المعتزلة التي كانت، في القرن الثامن الميلادي، تنادي بمقولة العقلانية في طرق الإيمان وما إذا كان العقل هو أساس العقيدة وأن العدل هو أساس الملك. (3)
فأين لنا بمقارنة البغدادي بفكر حسن البصري الذي كون الحلقة الأولى لمذهب المعتزلة الذي كان ينادي بالعدل كمبدأ هام في فكرهم حين ربطوا بين صفة العدل الإلهية وأفعال الإنسان إذ يرون أن الإنسان حر في أفعاله. ففي القرن الثامن الميلادي تحدثت المعتزلة عن الحرية قبل أن يعرفها الغرب. (4) وآهٍ علي سر الديمقراطية الرهيب وموجها التائه الغريب علي أرضك يا شام يا ساحر الغيوب.

وأدرك ماكرون الصباح
في عام 1966، أشعل ماو الثورة الثقافية الكبرى في الصين، إذ أراد منها سحق المعارضة فأطلق ملايين الطلبة من المدارس العليا والجامعات ليخدموا كحرس ولكنهم سببوا الفوضى في البلاد، دافعين بالصين إلى حافة حرب أهلية ضارية. وبعدها بعامين سرعان ما انتقلت حمي الثورات وطالت فرنسا، حيث دخل الطلبة والعمال الاشتراكيين والشيوعيين في مرحلة اعتصامات بعد أن وقف أحد الطلاب في جامعة نانتير الفرنسية متحديا وزير التعليم حينها ومشعلاً بكلماته فتيل الثورة المجتمعية ضد التقاليد والقيود. عنفوان جيل الشباب الفرنسي وما حدث في عام 1968، أجبر الجنرال ديغول على قبول التغيير الذي نري تأثيره حتى الآن. (6)
ومؤخراً أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه ينوي الاحتفال في العام القادم بمرور نصف قرن على ثورة 1968. ماكرون من مواليد عام 1977، ولم يعش أحداث 68 التي كانت بداية النهاية لنجم الجنرال شارل ديغول منقذ فرنسا أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية. فقد يتغنى الرئيس الفرنسي على ملف حقوق الانسان وبأنه سمع في شط ثورة 1968 الجميل ما قالت ريح باريس للنخيل حيث يسبح الطير ويغني ويشرح الحب للخميل.
العاصمة الفرنسية لاتزال مدينة الجن والملائكة كما كان يحلو للأديب طه حسين القول عنها في قصة أديب. فإن مشيت في شوارعها سارع إلى خلدك صوت عبد الوهاب وهو يغني أغصنٌ تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل. وإن أردت أن تفهم المتغيرات على مفكري التاريخ والأحداث التاريخية ستحتار في تفسير ما قالت ريح باريس للنخيل المصري. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبعد لقاءه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في باريس، قال إنه ليس “في وارد إعطاء دروس” لأي دولة في مسألة حقوق الانسان.
لفهم مغزى تصريحات ماكرون، عليك أن تذهب إلى تفسير مقولة الجنرال ديغول حينما زار الجزائر عام 1958 وألقي جملته الشهيرة: لقد فهمتكم. ولذلك يجب علينا ان نتساءل إن كان زورق الحنين قد سار أم هذه فرحة العذارى تجري وتجري هواك نارا حملنا من سحرها نصيبا. فآهٍ علي سر ماكرون الرهيب وموجه التائه الغريب. ولكن ماكرون قال إن فرنسا تدافع عن حقوق الانسان ومن مصلحة الرئيس السيسي ان يسهر على الدفاع عن حقوق الانسان، في إطار تقرره الدولة المصرية وحدها. ماكرون وجد أن خير الكلام ما قل ودل، لأن مصر ارتقت من مرتبة رابع الدول إلى مرتبة تأني دولة علي قائمة التبادل التجاري الخارجي لفرنسا. ولذلك حين قرأ ماكرون “الفاتورة” في الصباح فامتنع الديك الفرنسي عن الصياح، في المؤتمر الصحفي، ولذلك امتنع الرئيس الفرنسي عن الكلام المباح وتناسي ماكرون أن ثورة 1968 خرجت بمقولة نحتها الشباب حينها على أرصفة العاصمة باريس: الشاطئ تحت الرصيف ومن الآن الممنوع ممنوع. فآهٍ علي سر باريس الرهيب وموجها التائه الغريب.

يا صين… يا ساحر الغيوب
في بداية خمسينات القرن الماضي وبعد أن وضع الحزب الشيوعي الصيني خطته البطيئة للاستيلاء على الحكم تم اغتيال القادة وأصبح ماو تسي تونغ القائد الوحيد وبدأ التحرك لقلب نظام الحكم بزعامة شيانج كاي شيك. وحينما انتصرت القوات الشيوعية، كان ماو في السادسة والخمسين، وكانت الصين منهكة في الصراعات والحروب وفي حالة من الفقر والتخلف والجهل. وهرب شيانج إلى تايوان واستخدم ماو اساليب عنيفة ليحكم قبضة الحزب على السلطة في الصين وانقلبت الأوضاع وقتل العديد من قادة الثورة المعادية له وآخرين من السياسيين. ومؤخراً عُقد المؤتمر السياسي الـ 19 للحزب الشيوعي الصيني، في بكين، وكان إيذاناً ببداية ولاية أخري للرئيس شي جين بينغ، حيث أعلن الحزب استحداث ما يُسمَّى بـ“نظرية شي جين بينغ حول الاشتراكية، ذات الخصائص الصينية من أجل عصرٍ جديد“، ليصير شي جين بينغ المفكر الرابع للشيوعية بعد ماركس ولينين وماو تسي تونغ. (5) ولن يبهرنا أن يتغنى الصينيون بالمفكر الذي صنع في الصين بأنه واهب الخلد للزمان وساقي الحب والأغاني. ويغني العالم أجمع بالطفرة الاقتصادية الصينية فيقول ترامب لشي جين بينغ هات اسقني ودعني أهيم كالطير في الجنان. وستقول له ميركل يا لينتي موجة فأحكي إلى لياليك ما شجاني. أما ماكرون فسيزيد بأنه اغتدي للرياح جارا واسكب النور للحيارى. وسينضم مسؤولي الاتحاد الأوروبي إليهم فتضيف بروكسل: إن كواني الهوى وطارا كانت رياح الدجى نصيبي. فآهٍ على سر الصين الرهيب وموجها التائه الغريب يا صين يا ساحر الغيوب.


موكب الرئيس جون كينيدي 22/11/1963

من المؤامرة إلى المبادرة، ترامب يفتح باب الأسرار
لم يخلف ترامب وعده وبعد أكثر من 50 عاما على مقتل كينيدي، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من حزب الجمهوريين نشر آلاف الوثائق السرية المتعلقة بملابسات اغتيال الرئيس الأمريكي السابق جون كينيدي الذي كان ينتمي إلى حزب الديمقراطيين، فيما قد يسمح بمعرفة أسماء عملاء ومخبرين ما زالوا يعملون في الاستخبارات الامريكية سي آي إيه. فالمؤرخون وأصحاب نظريات المؤامرة، ينتظرون بفارغ الصبر رفع السرية عن أكثر من ثلاثة آلاف وثيقة تتعلق بذلك اليوم المفصلي في تاريخ أمريكا. لمعرفة ما حدث في اغتيال الرئيس الخامس والثلاثين في مدينة دالاس، بولاية تكساس، في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1963 والتي عرفت بأنها أشهر عملية اغتيال سياسي في العصر الحديث والتي حظيت بنشر نحو أربعين ألف كتاب عن جون كينيدي في الذكرى الخمسين لاغتياله في عام 2013. (7)
أصحاب نظرية المؤامرة يتداولون عدة اسماء كمشتبه فيهم بالمشاركة في المؤامرة الكبرى لاغتيال كينيدي وكان أبرزهم سائقه أو نائبه ليندون جونسون وكذلك الحركات السرية كالماسونية وغيرها، التي حاول كينيدي الحد من انتشارها وتخفيف تأثيرها في المجتمع الأمريكي وكذلك بعض الاثرياء الذين تضررت مصالحهم ولم يكن الاتهام بعيدا عن الاتحاد السوفييتي وبعض الدول المعادية لأمريكا مثل كوبا التي نجا رئيسها فيدل كاسترو من ثلاث محاولات للاستخبارات الأمريكية لاغتياله. كذلك رأى البعض ان معارضة جون كينيدي للمشروع النووي الإسرائيلي ومحاولته ارسال فلايق تفتيش اليه كان حاسما عندها في التخطيط لإقصائه من المشهد السياسي الأمريكي. (8)
فهل ستأتي الملفات بأسرار جديدة، أم ستزيد الطين بلاً وتشعل مرة أخري التكهنات حول الاغتيالات السياسية الكبرى مثل مقتل الأميرة ديانا، في باريس عام 1997، وصـديقها عماد الفايد الملقب بـ “دودي” ابن رجـل الأعمال المصري محمد الفايد والتي مازال أصحاب نظرية المؤامرة يتبادلون الاتهامات ضد العائلة الملكية في بريطانيا.
هل سنكتشف في مغارة علي بابا داخل الأرشيف الوطني الأمريكي صفحة واحدة بين آلاف الوثائق لفهم ما حدث في مقتل كينيدي؟ الإجابة بسيطة وواضحة مثل شمس الأصيل: لن تأتي الوثائق بالجديد. وهنا تملاني الرغبة في البحث وراء محمود بيرم التونسي حينما تغني بشمس الأصيل التي دهبّت خوص النخيل… يا نيل، تحفة ومتصورة، في صفحتك … يا جميل. والناي على الشط غنى، والقدود بتميل على هبوب الهوا، لما يمر عليل. ولكن هذه قصة أخري.
__________________

محمد عبد العظيم
دكتور في العلوم السياسية / ليون-فرنسا
متخصص في العلاقات الدولية، والشرق الأوسط
صدر له العديد من المؤلفات حول الأسلحة النووية ودورها في الحروب بين إسرائيل وجيرانها
وحول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

الآراء التي تعبر عنها مقالات الرأي المنشورة في يورونيوز لا تمثل موقفنا التحريري
__________________

1 Mohamed Abdel Azim, “Le printemps arabe : évolution vers la révolution”, in L‘Égypte en marche : la voie étroite ?, Eurorient, N° 37, Paris L’Harmattan, mars 2012.
2 Olivier Roy, La Sainte ignorance, Le temps de la religion sans culture.
3 Richard M. Frank;edited by Dimitri Guta, Early Islamic Theology: The Mu`tazilites and al-Ash`ari: Texts and Studies on the Development and History of Kalam, Oxford, Routledge, 2008.
4 Daniel Gimaret, La doctrine d’al-Ash’ari, Paris, Cerf, 2007.
5 François Bougon, Dans la tête de Xi Jinping, Paris, Actes Sud, 2017.
6 Daniel Bensaïd, Alain Krivine, 1968: Fins et suites, Paris, Lignes, 2008.
7 Michael L. Kurtz, Crime of the Century: The Kennedy Assassination from a Historian’s Perspective, Knoxville, The University of Tennessee Press, 2003.
8 Mohamed Abdel Azim, Israel et la bombe atomique, la face cachée de la politique américaine, Paris L’Harmattan, 2006.