عاجل

عاجل

البيع والشراء في الحب، مع لألفية الثالثة شعبولا يتألق

إن أردنا أن نعرف رقي قوم علينا أن ننظر إلى آدابهم وشعرهم. فشتان بين ما كتب عنترة وامرؤ القيس والنابغة أو المتنبي مروراً بأحمد شوقي أو أطلال إبراهيم ناجي وبين ما يتغنى به شعبولا.

تقرأ الآن:

البيع والشراء في الحب، مع لألفية الثالثة شعبولا يتألق

حجم النص Aa Aa

البيع والشراء في الحب، مع لألفية الثالثة شعبولا يتألق
بقلم د/ محمد عبد العظيم

تطور الشعر والأدب العربي من مرحلة المعلقات إلى مراحل عدة لشعراء الحب العذري الذين أبدعوا في وصف مشاعرهم، والآن وصل حال اللسان العربي، الذي مازال يغني للمحبوب، إلى مرحلة المغلقات، من كثرة الانغلاق. فطوال قرون، لم نري ظاهرة مثل ما يحدث الآن على المستوي الفني والغنائي خاصة. وتعد هذه كناية عن الحال العام من التردي الذي نعيش فيه من هشاشة أظهرت قابلية المجتمعات العربية العالية علي قابلية الاستعمار، إلى قدرات تلك المجتمعات على الرضوخ تحت وطأة التقوقع بالإرغام رغم مناخ العولمة. مع بداية القرن الواحد والعشرين طرأت على شعرائنا حالة من “شيلني واشيلك” بكلمتين في شريط سي دي، وياللا، مشي حالك ياعم كرمباوي.

عنترة بن شداد
عندما كتب طه حسين كتاب “في الشعر الجاهلي“، قال إن الأدب العربي في القرن العشرين قد انحدر وأصابه المسخ والتشويه. أما الآن فلا نجد الكلمة الملائمة لوصف المستوي التي وصل إليها الأدب العربي بصفة عامة والشعر والغناء تحديدا.
فما هي أوجه المقارنة بين قصص الحب لدي فطاحل الشعر وغناء شعبولا؟ الصورة ترينا أنه كلما تطاول البنيان “المستورد” بدون سلطان العلم والبيان، صار أفضل الأماكن للمفكر هو بطون السجون. وكلما ازدادت تخمة البطون الأدبية ازدادت الفطريات في العقول. فماهي أوجه المقارنة بين سوفوكليس حين كتب وبعبقرية حتى انت يابروتوس ومايتغني به شعبولا: حتي انتي ياقوطة، بتذلي فينا ومبسوطة؟
أدبنا العربي ومنذ أدب الجاهلية لم يقصر في الإنتاج الفكري، إلا أننا وضعنا أناملنا في أذنينا وأغمضنا عينينا حتى لا نري ولا نسمع إلا “الهِشِك بِشِك ورقصني ياجدع”.

فإن قرأت عنترة بن شداد بن قراد العبسي، أحد أشهر شعراء العرب قبل الإسلام، أغمضت عينيك ومالت رأسك من كثرة الطرب بقراءة مفردات الفروسية والمعلقات بشعره وغزله العفيف بعبلة. أحب عنترة ابنة عمه عبلة بنت مالك حبا شديدا. وكان ما يعيق هذا الحب رفض أبيها مالك أن يزوج ابنته من رجل أسود، إذ كانت أمه حبشية. ومن أجمل ما كتب عن الحب: حسناتي عند الزمانِ ذنوبُ، وفعالي مذَمَّةٌ وعيوبُ. ونصيبي مِن الحبيب بِعادٌ، ولغيري الدُنوُّ منه نصيب. كلُ يومٍ يُبري السُقامَ مُحبٌّ، من حَبيبٍ وما لِسُقمي طَبيبُ. فكأنَّ الزمانَ يَهوى حَبيباً وكأَني على الزَمانِ رَقيب. إِن طَيفَ الخَيالِ يا عَبلَ يشفي، ويُداوى به فُؤادي الكَئيبُ. وهلاكي في الحُبِّ أَهوَنُ عِندي، مِن حياتي إِذا جَفاني الحَبيبُ.

من الحب ما قتل
طيف الخيال الذي كاد أن يشفي عنترة، لم يساعد قيس أبدا. إذ لم يكن قيس بن الملوح مجنوناً، بل أضفينا على حبه لقب الجنون لأن هيامه في حب ليلى العامرية، التي عشقها ورفض أهلها ان يزوجوها به، جعله يهوم على وجهه وينشد الأشعار في الملأ ويتغنى بحبه حتى ملأت قصته أروقة نجد والحجاز قبل أن تعم أهل الشام. وفي القرن السابع الميلادي ترك شعر قيس في عشقه لليلى تأثيرا كبيرا في الأدب العربي كما كان له تأثيرا واضحا في الأدب الفارسي، إذ نراه لدي نظامي الكنجوي الأزربيجاني في كتاب الكنوز. كما أن تأثيره ذهب إلى الأدبين التركي والهندي ومنه إلى الأدب الأردوي الباكستاني.
عاش قيس في عصر الأمويين وكانت عاصمة الدولة في دمشق إذ بلغت الدولة الأموية ذروة اتساعها وامتدت من أطراف الصين إلى جنوب فرنسا. قيس هو أحد شعراء الغزل حيث صارت قصته نموذجاً للحب العذري الصادق الذي يقود صاحبه إلى التلف والهلاك، إذ تغني: يقولون ليلى بالعراقِ مريضة ٌ، فما لك لا تَضنَى وأنت صديقُ. سقى الله مرضى بالعراق فإنني على كل مرضى بالعراق شفيق. فإن تك ليلى بالعراق مريَضةً، فإني في بحر الحتوف غريق. أهيم بأقطار البلاد وعرضها، ومالي إلى ليلى الغداة طريق. وممن لقي مصير المجنون أيضاً عروة بن حزام الذي عشق ابنة عمه عفراء فلما منع من الزواج بها استطير عقله وظل يهذي بحبها حتى وافته المنية. ومن هؤلاء الشعراء أيضاً قيس بن ذريح الذي أحب لبنى الخزاعية. قصص العشاق العذريين تتشابه في أنها تدور حول إخفاق الشاعر في الزواج من محبوبته وينتهي به الأمر إلى الموت أو الجنون أو ترك الديار.

نزار قباني يبحث عن الوطن
الفتي الذي أحب “امرأة عيناها سبحان المعبود” أراد بها نزار قباني وصف الحالة العاطفية لمن يحب الوطن واختار هذا الدبلوماسي السوري وفي سبعينات القرن الماضي، صورة وصفية لحال العالم العربي آنذاك. وجاءت قارئة الفنجان بمغزى سياسي لا سابق له. تحدث نزار فيه عن فقدان البوصلة لدي جيله وتوق الفلسطيني لوطن آمن يحتضنه. فصارت الجامعة العربية منجمة تنعي حال المحبوب الذي يبحث عن وطنه. وصور نزار وضع العالم العربي حينها بأنه فنجان مقلوب رأسا على عقب. وإذ كانت أحد الجلسات الدورية لجامعة الدول العربية حينها تعقد في جو من البؤس، حاول نزار الهروب بخياله الثري. فجلست الجامعة القارئة والخوف بعينيها، تتأمل فنجان العالم العربي المقلوب. إذ تنظر المنجمة إلي وجهه الفتي فتري القلق والحزن. فقالت له لتطمئنه على حاله، يا ولدي لا تحزن، فالحب عليك هو المكتوب. يا ولدي. والآن تأكدنا من صدق ما تقول المنجمة، فطريق المدينة الأزلية مسدود. والحدود صارت محصنة كالقصر المرصود. وكل من يحاول الاقتراب من تلك المواقع المحصنة أو من والقصر وكل من طالب بحقه في يدها أو يحاول فك شفرة من شفرات ضفائرها، مصيره الفقدان والضياع.
وأمام كل هذا الكم الهائل من المعضلات، يتساءل الفتي عما يمكن فعله للخروج من المأزق التاريخي. فإذا بها تنبئه بالحقيقة: ستفتِّشُ عنها يا ولدي في كل مكان، (في المحافل الدولية وفي قلب جامعتك العربية ولن تجدها). وستَسألُ عنها موج البحر وتسأل فيروز الشطآن. وتجوب بحاراً وبحاراً، وتفيض دموعك أنهاراً. وسيكبر حزنك… حتى يصبح أشجاراً. وسترجع يوماً يا ولدي مهزوماً مكسور الوجدان، (سواء ذهبت إلى الأمم المتحدة أو أوروبا أو أمريكا). وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان. فحبيبةُ قلبك يا ولدي، (ليست على الخارطة وليس لها أرض أو وطن أو عنوان). ما أصعب أن تهوى امرأةً، يا ولدي، ليس لها عنوان. ليس لها عنوان، يا ولدي. كلمات نزار قباني، ألحان محمد الموجي، غناء عبد الحليم حافظ 1976.

عذاب في عذاب
لماذا تغني المطربون بالعذاب في الحب وغني البعض الآخر للبيع والشراء في أرقي مشاعر الانسان؟ وبين المازوشية والمقايضة احتار العشاق مع كلمات شعرائنا. بلور حسين السيد، عام ،1965 حب وعشق العذاب الذي أخاف أن يقال عنه “ماوزوشية” حين تغني بكلماته محمد عبد الوهاب في مقدرش أنساك: تهجرني برضه أحبك، تلاوعني برضه أحبك، تنساني برضه أحبك، ما اقدرش أنساك. فخلافاً عن قصة قيس، ولحسن الحظ، فإن عذاب حب القرن العشرين لم يؤدي بحياة أحد. والسبب في ذلك هو أن مبدأ البيع والشراء أو العرض والطلب التجاري الذي ظهر جلياً في العلاقة بين المحب والمحبوب. فدندن عادل مأمون في “ياللى سامعنى“، بكلمات ألفها صالح جودت ولحنها كمال الطويل فقال: ياللى سامعنى قول يانور عينى، انت بايعنى… ولا شارينى. ان كنت بايعنى، حرام تلاوعنى. وان كنت شارينى، تعالى ورينى معاك نجوم سعدى. ولكن هناك دائما عرض لائق لمدي عمق الحب في البيع والشراء فقال عادل مأمون: وان بعتنى انا بردو شاريك، ياللى مالكش فى قلبى شريك. وهذا يعني أن محبين آخرين لديهم داء الشراكة بوجود امرأة أخري، والعياذ بالله، في حياتهم العاطفية. أما عبد الحليم حافظ في أسمر يا اسمراني، والتي كتب كلماتها اسماعيل حبروك ولحنها كمال الطويل، فقال إنه يشتري هوي الأسمر مهما كان الثمن. أنا شاري هواك يا اسمر، بروحي وفرحتي وعمري. وهناك أيضاً البضاعة التالفة التي يبيعها “بقال” ناصية الحب فحذاري واستمعوا لخطأ صباح التي اشترت منتج “مضروب” تم باعته في أقصي سرعة. ألف الكلمات محمد حمزة: اتخدعنا واشترينا، بس بعد ما اشترينا بعنا، اتخدعنا واشترينا، بس قبل الليل رجعنا، قبل ما نتوه، مع التايهين.

حين لحن بليغ حمدي كلمات عبد الرحيم منصور في السبعينات، دأبت وردة علي تكرار كلمة اشتروني حتى نذهب، وبسرعة، للشراء من أجل أعينها لنريحها لأننا لن نجدها في الأسواق: أشترونى وأشتروا خاطر عيونى… ريحونى. النهارده أنا بين إيديكو، بس بكره هتدوروا.. موش هتلاقونى. أشترونى وأسهروا على راحتى ياما. اشترونى وأعرفوا قيمة غلاوتى، وأسمعونى ياللى مش عارفين حكايتى . اشترونى وأزرعوا بالحب وردة، اشترونى وغيروا حب الزمان ده. اشترونى خايفه لا تحيونى النهارده، وترجعوا من بكرة تاني… تموتوني. جاءت الألفية الثالثة بروح جديدة في العلاقة بين المحب“الملهلب” حبا والملسوع هياما وبين المحبوب المسكين المغلوب على أمره والذي لا يعرف أن عليه أن “يدلع حبتين” الملهلب الذي مازال ينتظر. وهنا يجب الإشارة إلي شعر حكيم “الحلبنتيشي” إذ لديه الحق حين غني: مين حيدلعني لو ماكنتش انت تمتعني. أنا واهب عمري ليك… وبالغالي انا “مشتريك”. ثم يعاتب حكيم المحبوب بكلمة “إفرض”… مثلاً يعني. آه ياني منك آه ياني… بتشكي ليه وانت الجاني. إفرض مثلاً، مثلاً يعني، إني خاصمتك يوم. ما انت تاعبني، ومغلبني… ومنسيني النوم.

ألفية الهشك بشك وعشق “الطماطم”
في حي الشرابية في القاهرة، اختار قاسم اسم شعبان عبد الرحيم، نسبة إلى ولادته في شهر شعبان والمعروف باسم شعبولا. وسطع نجمه داخل سيارات الميكروباض في كل أنحاء مصر عندما تغني بحب عمر موسي في قصيدة شعر عُلِقت على “شاسيهات” سيارات الأُجرة في كل مكان: “أنا بكره إسرائيل“، والتي استوحاها شعبولا من أحداث الانتفاضة الفلسطينية.
.
ويقال في وثائق التاريخ إن الشامتين فيه، ومنهم شبكة سي إن إن، اتهموه بالتحريض على مناهضة التطبيع بين مصر وإسرائيل. فإذا كان عنترة غني لعبلة وغني قيس لليلي ونزار قباني للوطن، فلقد دأب شعبولا، كأديب القرنين، على غناء وسرد قصة ما حدث لأحمد حلمي، الذي “اتجوز” عايدة، حتى يثبت لنا أنها أكتر إثارة من رواية شكسبير وقصة روميو وجولييت. وإذ يغني شعبولا: فيه ناس تغنى للمكروباص، ياناس الفن باظ، اسمع منى كلام شعبان، مفروض يقولوا على الغنا روقان، أحمد حلمي اتجوز عايدة، كتب الكتاب الشيخ رمضان.
وبهذا أراد شعبولا أن يضاهي رواية أوديب الملك لسوفوكليس. والأهم من هذا ما تغني به شعبان عبد الرحيم حين يقول: “ها بطل السجاير، وها اكون انسان جديد. من اول يناير خلاص هاشيل حديد”.
ولأن شعبولا أقلع عن التدخين، الذي كاد أن يدمر خلايا الأدب الشعبوللي، فلقد تم تكريم الفنان شعبولا “اللي ماحصلش”. فتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صورة تكشف منح المركز الدولي لحقوق الإنسان والمدعوم من الإمارات، لقب سفير النوايا الحسنة ولقب “البروفيسير”. إذ أكد رئيس المركز ان تكريم شعبان عبد الرحيم جاء تقديرا لجهوده الوطنية وطرحه للقضايا المحلية والدولية، من خلال فنه.
ويجب الاشارة إلي أن فن شعبولا الذي تغني فيه للبندورة تطرق إلي الهجاء حين يقول “أنا عارفك قاسي وكداب، ومفرق دايماً أحباب، لا يهمك دمعة عشاق، ولا تعمل للعشره حساب، على نارك خليك يا عذول، وبراحتك قول مهما تقول”. ياسلام…

أين أنت ياعنترة، لتخلصنا من هؤلاء الذين يخدمون البلاط التسويقي ويطعنون في قلب الأدب بالتدني الغنائي، وما أكثرهم، إذ يمكننا استعارة أخر الكلمات التي تلفظ بها قيصر الروم حين فهم أن بروتوس ساعد في التآمر على قتله وطعنه: حتى أنت ياشعبولا، ومعذرة لشكسبير.

__________________

محمد عبد العظيم
دكتور في العلوم السياسية / ليون-فرنسا

الآراء التي تعبر عنها مقالات الرأي المنشورة في يورونيوز لا تمثل موقفنا التحريري
__________________