عاجل

عاجل

الطبقة الوسطى في مصر تتكيف لتبقى رغم أوجاع التقشف

تقرأ الآن:

الطبقة الوسطى في مصر تتكيف لتبقى رغم أوجاع التقشف

حجم النص Aa Aa

من باترك ماركي ونادين عوض الله

القاهرة (رويترز) – استبدال السيارات الحديثة بأخرى أرخص، الحد من التسوق في متاجر البقالة مرتفعة الأسعار، والتخلي عن قضاء العطلات في الخارج، تلك بعض الاستراتيجيات التي يكتشفها المصريون من الطبقة الوسطى للنجاة من الغرق بعد أن ارتفعت تكاليف معيشتهم ارتفاعا فلكيا بسبب تحرير سعر صرف العملة قبل عام.

حررت مصر سعر الجنيه في نوفمبر تشرين الثاني 2016 في إطار حزمة قرض مع صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، وفقدت العملة نصف قيمتها مما تسبب في تدهور القوة الشرائية ودفع التضخم لمستويات قياسية مرتفعة تجاوزت 30 بالمئة هذا الصيف.

نالت حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي الثناء من اقتصاديي صندوق النقد والبنك الدولي على التقدم المحرز في الإصلاح وإجراءات حماية الفقراء من التداعيات. لكن المصريين من الطبقة الوسطى يقولون إنه عام من خفض الإنفاق وتوفير التكاليف وإدارة الأزمة.

ومن المقرر إجراء انتخابات رئاسية أوائل العام القادم ومن المتوقع أن يسعى السيسي إلى ولاية أخرى. لكن بعض المصريين يجدون أن واقعهم الاقتصادي الجديد لا يدع مجالا للاهتمام بالسياسة في الوقت الذي يواجهون فيه صعوبات في الحفاظ على مستوى معيشتهم.

يتشبث آخرون بموافقهم ويصرون على أنه رغم التقشف فإن السيسي يظل المرشح الوحيد الذي يوفر الاستقرار بعد قلاقل على مدى سنوات منذ انتفاضة 2011 التي أطاحت بحسني مبارك.

وقد يصبح التغلب على لامبالاة الناخبين تحديا إذا ما قرر القائد العسكري السابق الترشح بينما يقول المنتقدون إنه يواجه منافسة محدودة بعد ما وصفته جماعات حقوقية بأنه حملة غير مسبوقة على المعارضين.

كان انخفاض المشاركة الانتخابية مثار قلق في 2014 حين فاز السيسي بأغلبية ساحقة كشخصية ذات شعبية أطاحت بالرئيس محمد مرسي الذي ينتمي للإخوان المسلمين بعد احتجاجات حاشدة في السنة السابقة.

وقال أيمن، مالك إحدى محال بيع الكتب “ارتفاع الأسعار غير الكثير… كنا نأمل في أمور جيدة من الرئيس السيسي.. هو رجل طيب وأنا انتخبته، لكننا لا نشعر بتقدم، كل ما يهمني هو أن يحصل ابني على حياة طيبة وبيت جيد”.

وجاءت الإصلاحات الاقتصادية بوتيرة سريعة.

وتضمن اتفاق صندوق النقد لإصلاحات واسعة للدعم الحكومي لخفض العجز في إطار تعهد السيسي بإنعاش الاقتصاد الذي تضرر بشدة جراء الاضطرابات والتظاهرات وهجمات المتشددين في السنوات الست الأخيرة.

وتقول حكومة السيسي المدعومة من صندوق النقد والبنك الدولي إن الإصلاح سيقود إلى نمو طويل الأجل وعودة الاستثمار الأجنبي. واعتمد المسؤولون برامج لتزويد الفقراء والفئات الضعيفة بالمال ووسائل حماية أخرى.

لكن تكاليف الوقود ارتفعت لمثليها في ظل زيادتين للأسعار المدعمة. وارتفعت أسعار الكهرباء وساعد فرض ضريبة جديدة على رفع التضخم إلى أكثر من 30 بالمئة في يوليو تموز. وتراجع التضخم حاليا إلى 25 بالمئة ومن المتوقع أن ينخفض أكثر قريبا. لكنه كان كفاحا مريرا للبعض.

يقول هشام عز العرب رئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي، أكبر بنك خاص في مصر، إن المنتمين لشريحتي الدخل الوسطى والعليا هم الأكثر تأثرا بالإصلاحات الاقتصادية، لكن تجاوز أثر تلك الإصلاحات سيستغرق بعض الوقت بالنسبة لتلك الأسر.

وقال لتلفزيون سي.ان.بي.سي “رأينا ذلك بوضوح في نمط إنفاقهم، لقد بدأ في التغير… بالنسبة للطبقة الوسطي والعليا هي مسألة وقت قبل أن يبدأ دخلهم في الوصول إلى مستوى ما قبل الإصلاحات”.

وأظهر مسح أجراه البنك الدولي في 2016 أن الطبقة الوسطى شكلت ما يزيد على عشرة بالمئة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 90 مليون نسمة قبل انتفاضات الربيع العربي مباشرة. وكان النشطاء ممن ينتمون للطبقة الوسطى من بين قادة انتفاضة 2011.

* تخفيضات ومساومات

بالنسبة لأصحاب الأعمال مثل كريم، الذي يملك نشاطا تجاريا صغيرا في القاهرة، كان التغير صارخا. فقد ارتفعت فواتير الغذاء الشهرية من 1200 جنيه (67 دولارا) إلى 3200 جنيه (179 دولارا). ويعني ذلك أنه للمرة الأولى سيبدأ السعي لشراء الغذاء بأرخص الأسعار وأن يتخلى عن السلع الكمالية ويقلص استخدام السيارة كي يخفض الإنفاق على الوقود.

يعني ذلك أيضا أن يقوم بزيادة رواتب موظفيه للاحتفاظ بهم بل وبذل تضحيات كي يبقي أطفاله في المدارس.

وقال “الطبقة الوسطى لديها خياران، إما أن تنزلق إلى الطبقة الأدنى، وهو أمر من الصعب عليها القيام به، وإما أن تأخذ بزمام المبادرة… الجميع يحاولون أن يظهروا أنهم مازالوا في الطبقة الوسطى، يريدون أن يقنعوا أنفسهم بذلك”.

وبالنسبة لآخرين، فالحفاظ على نمط حياة الطبقة الوسطى يعني السحب من المدخرات والتخلي عن المطاعم، أو حتى اللجوء إلى الأقارب للحصول على المساعدة لقضاء العطلات العائلية.

وقال إسلام عسكر مالك شركة مقاولات عن الطبقة الوسطى “إنها تنقرض” مضيفا “لا توجد أسرة في مصر لم تتأثر سلبا بانخفاض الجنيه وزيادة الأسعار”.

ويقول الاقتصاديون إن تآكل الطبقة الوسطى يبرز في أرقام مبيعات السيارات وانخفاض أسهم بعض شركات السلع الاستهلاكية وتدفقات السياحة إلى خارج البلاد.

ويتأخر ترتيب السياسة عن الاعتبارات المالية بالنسبة للبعض مثل محمود العبادلي الذي يبحث عن أرخص سعر بين السيارات المعطوبة نتيجة حوادث في متجر لبيع السيارات المستعملة ويقول إن السيارة التي تبلغ قيمتها 300 ألف جنيه (17 ألف دولار) يمكن إصلاحها والحصول عليها بنصف ذلك السعر.

وقال “حين يقع حادث لسيارة، ينخفض سعرها… الجميع يسعون لهذا في الوقت الحالي لأنهم بحاجة للتوفير”.

لكن توقعات التضخم في مصر تتحسن بالفعل بعد عام من تحرير سعر الصرف، لينخفض التضخم إلى 26 بالمئة في نوفمبر تشرين الثاني. وقال وزير المالية عمرو الجارحي إن التضخم سينخفض إلى نحو 14 بالمئة بحلول أغسطس من العام القادم.

لكن الضرر الذي لحق بشعبية السيسي جراء عام التقشف يكتنفه الغموض. ولم يعلن السيسي بعد عن نواياه لكن مؤيديه بدأوا بالفعل حملة جمع توقيعات كي يترشح لولاية ثانية. وبالنسبة لمؤيديه المتحمسين فإن الوقت حان للاحتشاد خلفه على الرغم من الأوضاع الصعبة.

وقال على أبو السعود، مندوب مبيعات، “سأدعم السيسي مرة أخرى للرئاسة حتى مع التضخم وارتفاع الأسعار وحالة الاقتصاد الضعيفة”.

لكن بعض المؤيدين الكبار للرئيس تحولوا ضده لأسباب من بينها الاقتصاد.

ويقول محللون إن مشاركة الناخبين قد تكون مهمة لنيل المصداقية، في الوقت الذي تعيد فيه الحكومة تقديم مصر كرهان أكثر استقرارا للاستثمار الأجنبي بعد سنوات الاضطرابات. وفي 2014 بلغ معدل مشاركة الناخبين نحو 47 بالمئة وهو ما يقل عما دعا السيسي إليه.

ويقول منتقدون إنه في ذلك الوقت كانت شعبية السيسي طاغية لدى الكثيرين لكن قاعدة مؤيديه انكمشت منذ ذلك الحين. غير أن التظاهرات مقيدة حاليا بحكم القانون وجرى القبض على نشطاء توجهاتهم علمانية. ويقول بعض المصريين إن الإنهاك السياسي حل بالبلاد.

وقال زياد بهاء الدين النائب السابق لرئيس الوزراء والخبير الاقتصادي حاليا “لا تزال هناك رغبة قوية للحفاظ على الأمن النسبي… الناس يعانون من التضخم لكنهم يريدون الاستقرار”.

(رويترز)

يورونيوز تقدم أخبار عاجلة ومقالات من وكالة reuters تنشرها كخدمة لقرائها دون إجراء أي تعديل عليها. وذلك لمدة محددة