عاجل

عاجل

كيف غيرت صفقة الإفراج عن أمراء قطريين شكل الصراع في الشرق الأوسط؟

تقرأ الآن:

كيف غيرت صفقة الإفراج عن أمراء قطريين شكل الصراع في الشرق الأوسط؟

أمير قطر في استقبال الأمراء المفرج عنهم في العراق لجى وصولهم الدوحة
© Copyright :
رويترز
حجم النص Aa Aa

في نيسان/أبريل، عام 2017، وبعد مرور 16 شهرا على اختطافهم في العراق، وصل 26 قطريا، من ضمنهم أفراد من عائلة آل ثاني الحاكمة، إلى العاصمة الدوحة.

قبل إطلاق سراحهم بأيام، وتحديدا في 15 نيسان/أبريل، وصل إلى مطار بغداد مسؤول قطري رفيع، يرافقه 14 شخصاً، ويحملون معهم 23 حقيبة، تحوي 360 مليون دولارا أمريكيا.

ذلك المبلغ، الذي دفعته الدوحة للإفراج عن المعتقلين، كان جزءا صغيرا ضمن صفقة ضخمة ومعقدة، تضمنت إحداث تغييرات ديموغرافية ومناطقية في سوريا، ساهمت، وأثرت، بشكل كبير، على شكل الصراع في منطقة الشرق الأوسط.

تفاصيل القصتين، قصة اختطاف القطريين في العراق، وقصة الصفقة التي تضمنت الإفراج عنهم، بقيت، من حينه، طي السرية، إلى أن أفرجت عنها مجلة "نيويورك تايمز"، في تحقيق مطول، يوم 14 آذار/مارس الجاري.

صيد الحُبارى

بحسب المجلة، فإن الصفقة ساهمت في تحقيق إيران بعض طموحاتها المتمثلة في الهيمنة على المنطقة، بما في ذلك أهدافها في سوريا والعراق واليمن ولبنان، وضربة، بالمقابل، لإدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التي تسعى إلى تحديد دور إيران في المنطقة. كما ذهبت بمعاناة السوريين وآلامهم إلى المجهول.

وتقول المجلة إن عشرات الأشخاص القطريين، من بينهم تسعة من العائلة الحاكمة، يرافقهم خدمهم، غادروا الدوحة أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، برّا، داخل عدد كبير من السيارات.

كانت وجهتهم الصحراء الجنوبية للعراق، وتحديدا منطقة المثنى شبه الخالية من السكان، بهدف صيد طير الحبارى؛ وهو طائر أشبه بالنعام لكنه أصغر حجما، والذي يهوى ملوك وأمراء الخليج تتبعه واصطياده باستخدام الصقور، بحسب المجلة.

الاختطاف

فجر يوم 15 كانون الأول/ديسمبر، داهم مجموعة من الرجال المدججين بالسلاح مخيم الصيادين، وحاصروا خيامهم بعربات ثقيلة وسيارات مسلحة، بحسب ما تنقل المجلة عن أحد مساعدي الأمراء، (رفض الكشف عن اسمه).

كان مع المسلحين قائمة بأسماء محددة، ضمت جميع أفراد عائلة آل ثاني، اقتادوهم خارج خيمهم، وجمعوهم مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين في الخارج، قبل أن يضعوهم داخل العربات. وتنقل المجلة عن المساعد أنهم اعتقدوا، في البداية، أن المسلحين من عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية". لكن، خلال الطريق، وجه أحد الخاطفين عبارات وشتائم "طائفية" محددة إلى المخطوفين، ولاحقا، بعد توقف السيارات في مكان به أصوات طائرات، يُعتقد أنها قاعدة عسكرية، سمع الخاطفون عبارات مثل "يا حسين"، فأدركوا أن الخاطفين ينتمون لإحدى المليشيات الشيعية.

لاحقا، تم اقتياد المخطوفين إلى قبو منازل، حيث بقوا هناك مقيدين ومعصوبي الأعين. وتقول الصحيفة أن أحد المخطوفين عرض دفع مبلغا من المال على الخاطفين، فجاء الرد: "هل تعتقد أننا نريد أموالكم؟".

للمزيد:

قطر: فدية الافراج عن المختطفين القطريين كانت بعلم السلطات العراقية

الدور القطري في المنطقة

وتشير المجلة إلى الدور الذي لعبته الدوحة في المنطقة، بشكل عام، وكيف أنها، برغم صغر حجمها، لعبت أدوارا كبيرا، بفضل ثراء البلاد الكبير نتيجة احتواء أراضيها على الغاز، ووجود القاعدة العسكرية الأمريكية الأكبر على أراضيها.

وبشكل خاص، تتحدث المجلة عن الدور القطري في الربيع العربي، لا سيما عبر دعم الإخوان المسلمين في المنطقة، الأمر الذي أغضب السعودية والإمارات.

دعم آخر تشير إليه المجلة، يتمثل في تمويل بعض فصائل المعارضة في سوريا، بما في ذلك الفرع المحلي لتنظيم القاعدة، أي "جبهة النصرة".

إلا أن ذلك، بحسب المجلة، ارتد ضد قطر، عبر خلق أعداء لها داخل طرفي الانقسام الطائفي في المنطقة.

المختطفون في قبضة الجنرال

بعد أيام من اختطاف الأمراء في العراق، أدرك القطريون أن الخاطف هو الجنرال الإيراني الأقوى في المنطقة: قاسم سليماني. هذا الأخير، بحسب وصف مجلة "وايرد" عام 2012، هو "أخطر رجل في العالم".

سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني، وهي فرقة تابعة للحرس الثوري الإيراني. على علاقة مباشرة مع المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، ويمتلك شبكة هائلة من العلاقات والتحالفات في المنطقة.

وبحسب المجلة، لسليماني دور كبير في عرقلة السياسات الأمريكية في المنطقة إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، والأولوية بالنسبة له، في عملية الاختطاف، هي سوريا.

العلاقات الإيرانية السورية، التي بدأت في الثمانينات، تعتبر ركيزة للسياسات الإيرانية في المنطقة، وشكل اندلاع انتفاضة عام 2011 في سوريا تهديدا كبيرا لهذه العلاقات.

فبالنسبة للسعودية وحلفائها، تقول المجلة، فإن الحرب في سوريا فرصة ذهبية للإطاحة بالأسد ودفع سوريا إلى الجانب السني وعزل إيران، أما بالنسبة لسليماني، أي إيران، فهي صراع وجودي للحفاظ على حليف بلاده الموثوق.

البيادق

ضمن هذه اللعبة الجيوسياسية، بحسب وصف المجلة، فإن الرهائن القطريين كانوا بيادق ذوي قيمة كبيرة لسليماني وحلفائه في حزب الله اللبناني، إذ كانوا يبحثون، عام 2015، عن طرق جديدة لتعزيز نفوذهم حول العاصمة دمشق.

وكانوا يسعون، ليس فقط لطرد مقاتلي المعارضة، بل حتى لإخلاء المدن والبلدات من السكان. خطة "التطهير العرقي" هذه، حال نجاحها، يمكن أن ترسخ النفوذ الإيراني في سوريا على المدى الطويل.

قبيل اختطاف القطريين، وفي اجتماع سري عُقد في إسطنبول برعاية أممية، في سبتمبر/أيلول عام 2015، سعت خلاله طهران لإحداث تغيير الديموغرافي، حيث عرض مبعوث سليماني اتفاقا عُرف لاحقا باسم "صفقة البلدات الأربع"، وبموجبه، يُنهي حزب الله حصاره لاثنين من معاقل المعارضة السنية قرب الحدود اللبنانية، هما مضايا والزبداني، التي يشكل سكانها تهديدا مباشرا لحكومة دمشق، مقابل أن تنهي فصائل المعارضة، المدعومة من قطر، حصارها لبلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين، شمال غرب سوريا.

لاحقا، عرضت إيران أن يتم التبادل بين أهالي المناطق، حرفيا، إلا أن المتحدث باسم المعارضة رفض في البداية، واصفا الأمر بأنه "إعادة تشكيل نسيج سوريا الطبيعي، من ديانات ومجموعات عرقية، بحسابات طائفية".

وجود المخطوفين بيد إيران، منح الأخيرة نفوذا أوسع، وأعاد إحياء المحادثات حول صفقة البلدات الأربعة.

لأجل تحقيق ذلك، أرسل سليماني مبعوثا من حزب الله إلى الدوحة، على اعتبار الحزب جهة موثوقة لدى جميع الأطراف، وكانت الشروط واضحة: إطلاق الرهائن مقابل مساعدة قطر في إنهاء صفقة البلدات الأربعة، بحسب ما نقلت المجلة.

كان الهاجس الأكبر لقطر هو سلامة المخطوفين، لذلك وافقت على استطافة محادثات بين إيران وحزب الله من جهة، وفصائل المعارضة من جهة أخرى. (لم يشارك النظام السوري فيها).

مفاوضات شاقة وطويلة، انتهت بالاتفاق على نقل الأهالي إلى مناطق آمنة، فيما لعب المال دورا كبيرا في إزالة العقبات والخلافات، بحسب المجلة.

للمزيد:
- الجيش السوري يدخل الزبداني بمساعدة مسلحي حزب الله

- سوريون يشقون طريق العودة إلى الزبداني ومضايا

- المراسل السوري هادي العبد الله يدلي بشهادته حول إجلاء السكان من حلب الشرقية

الرجل المناسب

عدم وجود جدول زمني لإطلاق سراح الرهائن القطريين، عقد الأمور كثيرا، وصولا إلى أوائل نيسان/أبريل عام 2017، حيث تمكن القطريون، في النهاية، من العثور على الرجل المناسب، وهو وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي، لما للرجل من علاقات عميقة مع المليشيات الشيعية.

أشار الأعرجي إلى معرفته بالجهة المسؤولة عن الخطف، وهي كتائب حزب الله العراقية، التي تأسست قبل عشر سنوات وبإشراف وتدريب مباشرين من الحرس الثوري الإيراني. واشترط الأعرجي، بحسب الصحيفة، أن يكون هو وسيط عملية الإفراج عن الرهائن.

بعد أسبوع، وصل وفد المفاوضين القطريين إلى بغداد، وبحوزتهم 23 حقيبة تحوي الأموال المطلوبة لإطلاق الرهائن، والتي أرسل رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، فرقة خاصة لتأمينها ونقلها إلى قبو البنك المركزي، بحسب المجلة، الأمر الذي هدد الصفقة التي قضى الأطراف أشهرا عدة في رسمها.

وخلال عملية تسليم حقائب الأموال، كانت الفصائل السورية المدعومة من قطر، جبهة النصرة وأحرار الشام، ترافق أهالي كفريا والفوعة خارج مناطقهم، (حصل الفصيلان على مبلغ 50 مليون دولار لقاء ذلك)، بالتوازي، خرج أهالي الزبداني ومضايا برفقة مليشيات حزب الله.