عاجل

عاجل

تقرير خاص-أمريكا وأزمة سجناء لا تنتهي مع إيران

تقرأ الآن:

تقرير خاص-أمريكا وأزمة سجناء لا تنتهي مع إيران

تقرير خاص-أمريكا وأزمة سجناء لا تنتهي مع إيران
© Copyright :
(Reuters)
حجم النص Aa Aa

من يجانه تربتي وجويل شيكتمان

واشنطن (رويترز) - أذهل باراك أوباما العالم قبل عام من ترك منصبه بإبرام اتفاق مع إيران لتبادل سجناء. فبعد مفاوضات سرية على مدار أكثر من عام أعلن الرئيس الأمريكي إطلاق سراح خمسة أمريكيين في صفقة وصفها بأنها "لفتة لمرة واحدة".

لكن الدبلوماسيين الأمريكيين عادوا إلى مائدة التفاوض حتى قبل خروج أوباما من البيت الأبيض سعيا للإفراج عن سجناء آخرين.

وهاجم دونالد ترامب الرئيس السابق أوباما ووصفه بأنه متساهل مع إيران بل وأطلق وهو لا يزال مرشحا للرئاسة وعدا جسورا عن احتجاز أمريكيين في إيران فقال "هذا لا يحدث إذا توليت الرئاسة".

ولم يوف ترامب بوعده. فقد مر أكثر من عام على توليه الرئاسة ولا تزال إيران تحتجز خمسة على الأقل من المواطنين الأمريكيين والحاصلين على حق الإقامة في الولايات المتحدة. بل إن إيران احتجزت أحدهم بعد أن أصبح ترامب رئيسا.

وامتنع البيت الابيض عن التعليق على هذه المسألة وقالت وزارة الخارجية إن الولايات المتحدة تعمل "بلا كلل" لإطلاق سراح الأمريكيين المحتجزين في إيران.

وتواجه إدارة ترامب واقعا مزعجا: فما من سبيل سهل لمنع إيران من الزج بأمريكيين آخرين في سجونها وهو الأسلوب الذي استخدمته منذ قيام الثورة الإسلامية في 1979.

في ذلك العام احتجزت إيران 52 أمريكيا رهائن في سفارة الولايات المتحدة في طهران. ومن خلال مقابلات ومراجعة لوثائق قضائية وتقارير إخبارية توصلت رويترز إلى أن عدد من احتجزتهم من المواطنين الأمريكيين أو من لهم حق الإقامة في الولايات المتحدة بلغ منذ ذلك الحين 25 فردا على الأقل.

وواجهت إدارات الديمقراطيين والجمهوريين على السواء مصاعب في التوصل إلى رد فعال على التصرفات الإيرانية. واستخدم الرؤساء الأمريكيون أساليب القوة والدبلوماسية والإقناع من ضربات عسكرية إلى استرضاء إيران بصفقات سلاح وبمدفوعات نقدية. ولم يؤد أي سبيل من تلك السبل إلا إلى مزيد من السجناء والتنازلات والتوتر.

وقالت كيلي ماجسمن المسؤولة السابقة بمجلس الأمن القومي التي كانت تتولى الملف الإيراني خلال إدارتي بوش وأوباما "ربما كانت هذه أصعب القضايا التي واجهتها حين كنت أتعامل مع الملف الإيراني في البيت الأبيض... الإيرانيون بارعون جدا في احتجاز الرهائن في الأساس".

ويقول الإيرانيون إن الأمريكيين محتجزون لأسباب قانونية.

فقد قال علي رضا ميريوسفي المتحدث باسم البعثة الدبلوماسية الإيرانية في الأمم المتحدة "المواطنون الأمريكيون الذين احتجزوا في إيران تم القبض عليهم لارتكابهم مخالفات أمنية وغير أمنية جسيمة".

وتحتجز إيران أوروبيين مثلما تحتجز أمريكيين. فقد توصل تحقيق أجرته رويترز في 2017 إلى أن الحرس الثوري ألقى القبض على 30 شخصا على الأقل من ذوي الجنسية المزدوجة خلال عامين.

ومن هؤلاء نازانين زغاري راتكليف البريطانية من أصل إيراني التي تعمل بمؤسسة تومسون رويترز الخيرية. وتنفي أسرتها والمؤسسة الاتهامات الموجهة إليها.

ومنهم أيضا أحمد رضا جلالي العالم السويدي من أصل إيراني المحتجز منذ 2016 بعد أن حضر مؤتمرا في طهران.

وبالنسبة لواشنطن كثيرا ما يتحقق التقدم بثمن باهظ. فاتفاق تبادل السجناء الذي تفاوض عليه أوباما اشتمل على عناصر تكاد تضمن تنازلات أمريكية مستقبلا لإيران بما فيها احتمال الجمع بين تحويلات مالية والإفراج عن مزيد من السجناء. وترك ذلك الاتفاق علامات استفهام مزعجة عن السجناء الباقين في سجون إيران.

ولسبر غور أزمة رهائن أمريكا التي لا تنتهي مع إيران حاورت رويترز 12 مسؤولا حاليا وسابقا من الولايات المتحدة وإيران على دراية مباشرة بحالات السجناء بالإضافة إلى محامين وأفراد من أسر الأمريكيين المسجونين وأصدقائهم.

وتتيح روايات هؤلاء إلقاء نظرة متعمقة على سير المفاوضات المعقدة والمسار الذي يتبعه ترامب في الوقت الحالي.

وفي إطار صفقة التبادل أطلقت إيران سراح خمسة أمريكيين أعلن أوباما أسماءهم وهم جيسون رضائيان الصحفي بجريدة واشنطن بوست والقس المسيحي سعيد عابديني والجندي السابق بمشاة البحرية الأمريكية أمير حكمتي ورجل الأعمال نصرت الله خسراوي والطالب ماثيو تريفيثيك إلى جانب أمريكي من أصل إيراني أخفى البيت الأبيض هويته في ذلك الوقت.

وفي المقابل وافقت إدارة أوباما على الإفراج عن سبعة إيرانيين في الولايات المتحدة أو إسقاط التهم الموجهة لهم. وكان الإيرانيون السبعة متهمين أو مدانين بمخالفة حظر تجاري أمريكي مفروض على إيران. كما وافقت واشنطن على إسقاط الاتهامات الموجهة لأربعة عشر إيرانيا يعيشون في الخارج.

وبعد يوم من إطلاق سراح السجناء في يناير كانون الثاني 2016 أعلنت الولايات المتحدة أنها ستفرج عن 1.7 مليار دولار لإيران كانت محتجزة فيما يتصل بنزاع قديم منفصل على صفقة سلاح.

* ضابط مكتب التحقيقات الاتحادي المفقود ورجل الأعمال المسجون

لم تحل تلك الصفقة أقدم الحالات ألا وهي اختفاء بوب ليفينسون ضابط مكتب التحقيقات الاتحادي السابق الذي اختفى في جزيرة كيش الإيرانية عام 2007 وهو في مهمة لجمع معلومات.

ولم تستطع إدارة أوباما الفوز بإطلاق سراح سياماك نمازي رجل الأعمال الأمريكي من أصل إيراني الذي احتجزته طهران في أكتوبر تشرين الأول 2015 بينما كان الدبلوماسيون يوشكون على استكمال صفقة إطلاق سراح السجناء الآخرين.

وبعد شهور ألقت إيران القبض على باقر والد نمازي المريض بعد إغرائه بالعودة إلى إيران بوعد بزيارة ابنه المسجون.

وفي العام الذي تلى اتفاق التبادل ألقت إيران القبض على خمسة آخرين من مواطني الولايات المتحدة أو المقيمين فيها.

ويثير كل ذلك تساؤلا بين أقارب المحتجزين والمدافعين عن حقوق السجناء الأمريكيين خلاصته كيف أبرم المفاوضون الأمريكيون صفقة مع طهران استبعدت موظفا سابقا بالحكومة الأمريكية وأمريكيا من أصل إيراني تربطه صلات بمعارف من ذوي الشأن في واشنطن؟

تكمن الإجابة عن هذا السؤال في محادثات 2015. فقد أبرزت المفاوضات التي استمرت شهورا تعارضا بين مصالح متباينة للسجناء المحتجزين في إيران وذلك في مسلسل دارت أحداثه خلال مسعى أوباما للوصول إلى اتفاق نووي مع إيران.

وقال مفاوضون أمريكيون سابقون إن ترامب فتح الباب أمام محادثات جديدة رغم أنه لا حركة في هذا الاتجاه الآن. إلا أنه سيتعين أن يحل أي اتفاق تبادل جديد بين وإيران وإدارة ترامب قضية ليفينسون وإلا ستكون هناك مجازفة بإثارة سخط أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية.

وقد اشترط معظم من حاورتهم رويترز من المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين إخفاء هوياتهم نظرا لسرية المفاوضات.

وقالوا إن المفاوضات بعد صفقة 2016 بدأت كمسعى لإطلاق سراح ليفينسون. وعلى مدى سنوات سعى مكتب التحقيقات الاتحادي للإفراج عنه رغم إصرار إيران على أنها لا تعلم شيئا عما حدث له. وتعتقد واشنطن أن إيران اعتقلت ليفينسون في جزيرة كيش الواقعة على مسافة عشرة أميال من الساحل الجنوبي في إيران.

بدأت ويندي شيرمان، التي كانت حينذاك في المركز الثالث في قائمة الدبلوماسيين في وزارة الخارجية الأمريكية، المفاوضات السرية في 2014 بهدف حل قضية ليفينسون وإطلاق سراح السجناء الآخرين.

وقاد بريت مكيرك المسؤول الرفيع بوزارة الخارجية المفاوضات التي دخلت مرحلة الجدية في 2015.

بحلول ذلك الوقت كانت سنوات قد انقضت دون أن يظهر دليل حاسم على أن ليفينسون على قيد الحياة. وقال مسؤولان سابقان إن بعض الدبلوماسيين بوزارة الخارجية كانوا يعتقدون أن على الولايات المتحدة أن تعطي الأولوية للمواطنين الذين تعلم أنهم على قيد الحياة.

غير أن المفاوضين واجهوا ضغوطا من مكتب التحقيقات الاتحادي ومن أعضاء في الكونجرس ومن أسرة ليفينسون لتقديم أجوبة لتساؤلاتهم.

تمثلت تلك الضغوط في ضرورة اكتشاف ما حدث للضابط المختفي وفي الوقت نفسه مواصلة العمل من أجل إخلاء سبيل أولئك الذين سجنوا في وقت لاحق وتأكد أنهم ما زالوا أحياء.

وخلقت هذه الضغوط سلسلة أخرى من التعقيدات في المفاوضات.

فعلى مدى سنوات ظل السؤال عن ليفينسون محورا أساسيا عند قيام ضباط مكتب التحقيقات الاتحادي باستجواب أي إيرانيين يشتبه أنهم انتهكوا العقوبات الأمريكية حتى إن لم يكن هناك أي سبب واضح يشير إلى احتمال معرفتهم بمصيره.

وقال مسؤول على دراية مباشرة بما كان يدور في تلك الجلسات "كان أول سؤال يطرحونه تقريبا عندما يدخلون الغرفة: أين ليفينسون؟"

وأرسل الإيرانيون فريقا كان أحد أعضائه مندوبا من وزارة الاستخبارات. وفي العادة لم تكن الولايات المتحدة على اتصال سوى بوزارة الخارجية الإيرانية.

وظلت مشاركة هذا المسؤول الاستخباراتي الكبير طي الكتمان واعتبرها الجانب الأمريكي مؤشرا قويا على جدية إيران.

ومع تقدم المحادثات بدأ الجانبان في تجميع قوائم بالمحتجزين من كل طرف في سجون الآخر في محاولة للتعرف على مدى استعداد الجانب الآخر لتقديم تنازلات.

ومنذ البداية أبدت الولايات المتحدة استعدادا للنظر في تبادل سجناء إيرانيين يعتبرون مصدر تهديد للأمن القومي ما دامت إيران ستفرج عن ليفينسون أو تعيد جثته أو تقدم دليلا قاطعا على مصيره.

وقال دبلوماسي سابق "قلنا للإيرانيين بكل وضوح أن الحوار سيختلف إذا ما شمل موضوع ليفينسون".

ورد الإيرانيون بعرض مذهل. فقد كانوا يريدون في مقابل تقديم طهران المساعدة في استعادة ليفينسون أن تكشف واشنطن عن مصير علي رضا أصغري الجنرال الإيراني الذي اختفى في تركيا في العام 2007 قبل شهر واحد فحسب من اختفاء ليفينسون.

كان أصغري يمثل بالنسبة للأمريكيين حالة خاصة. ففي الثمانينيات كان يقوم بأدوار قيادية رفيعة في جهاز الأمن والاستخبارات الإيراني في لبنان.

وجعله ذلك طرفا مهما في تأسيس جماعة حزب الله التي قتلت عشرات من الجنود والمدنيين الأمريكيين في تفجيرات في بيروت. وكانت الولايات المتحدة تنفي منذ فترة طويلة أن لها دورا في اختفاء أصغري.

وتواصل الدبلوماسيون الأمريكيون مع وكالة المخابرات المركزية ونقلوا هذا العرض لكن قيل لهم إن ضباط المخابرات الأمريكيين ليست لديهم معلومات عن مصير أصغري. وبدون ذلك أصبح حل معضلة اختفاء ليفينسون غير وارد.

وقال المفاوض الأمريكي السابق "اتضح سريعا أن الإيرانيين غير مستعدين للتزحزح عن هذا الموقف". ولا تزال إيران تصر على أنها لا علم لها بمصير ليفينسون.

ولذا قرر المفاوضون الأمريكيون بحلول أواخر صيف العام 2015 أنهم سيوافقون على صفقة مع إيران لا تشمل ليفينسون.

وفي 16 يناير كانون الثاني 2016، كانت ابنته ستيفاني كاري تدرب فريقا لكرة السلة تشارك فيه ابنتها حين تلقت عشرات الرسائل على هاتفها المحمول من أقاربها كان فحواها أن اتفاقا لتبادل السجناء أبرم مع إيران.

وتتذكر ستيفاني ما دار بخلدها حينئذ إذ راحت تقول لنفسها "يا إلهي، تم الإفراج عن والدي".

ثم أدركت الحقيقة.

وقالت لرويترز "أعجز عن وصف ذلك الشعور حتى لنفسي ولبقية أسرتي".

* "مذاع على التلفزيون"

في ذلك اليوم وعلى مسافة 8000 ميل (ما يقرب من 13 ألف كيلومتر) مرت أسرة أخرى بالتجربة ذاتها من فرحة وحيرة ثم حسرة مريرة. فعندما ذاعت أنباء الإفراج عن خمسة أمريكيين، اتصل باباك نمازي المحامي المقيم في دبي بوالديه وقال لهما إن أخاه سياماك سيعود إلى البيت.

وفي البداية أعلنت وسائل الإعلام الإيرانية خطأ أن سياماك بين المسجونين المفرج عنهم. وسارع باباك إلى والدته يقوله لها "أصبح حرا، أصبح حرا، أصبح حرا".

وروى باباك في لقاء مع صحفيين في العام الماضي أن الأم سألته "هل أنت متأكد؟" فرد قائلا "مذاع على التلفزيون".

وخلال ساعات مرهقة علمت الأسرة أن سياماك ليس على الطائرة ضمن الأمريكيين. وإلى اليوم لا يزال مسجونا في إيران وفي الآونة الأخيرة مر عليه يومه الألف وراء القضبان.

كان الحرس الثوري الإيراني قد ألقى القبض على سياماك، الذي أصبح عمره الآن 46 عاما، وتم في نهاية الأمر توجيه تهمة التجسس لحساب الولايات المتحدة إليه. وعلى مدى أسابيع ظل باباك يتنقل جيئة وذهابا بين دبي وإيران للمطالبة بإطلاق سراحه.

في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة عندما كان الرئيس الإيراني هو الرئيس المعتدل صاحب الميول الإصلاحية محمد خاتمي، كان نمازي يدير شركات استشارية تقدم المشورة للمستثمرين الأجانب عن التعامل في إيران.

غير أنه في العام 2005 تم انتخاب محمود أحمدي نجاد صاحب الفكر المتشدد والمعادي للغرب رئيسا لإيران. وبحلول 2007 غادر سياماك إيران وأقام في الخارج خلال معظم تلك السنوات.

وفي 2009 وخلال اضطرابات كبيرة شهدتها إيران وجهت السلطات تهمة التجسس إلى بيجان خاجهبور شريك سياماك في العمل وصهره وسجنته ثلاثة أشهر.

وفي 2013 انتخب الإيرانيون المرشح المعتدل حسن روحاني رئيسا للبلاد. وداعب الأمل المغتربين والمسؤولين الأمريكيين أن يؤذن انتخابه بوفاق مع الغرب.

وكان سياماك يتلقى تحذيرات من معارفه بين الحين والآخر بأن إيران لا تزال مكانا خطرا لمن يحملون جنسية مزدوجة وخصوصا من تكون لهم اتصالات بمعارف على مستوى العالم.

إلا أن انتخاب روحاني بث الأمل في أن يتمكن سياماك من مساعدة موطنه الأصلي. وفي 2013 أعد تقريرا سجل فيه أوجه النقص في الإمدادات الطبية في إيران نتيجة للعقوبات الغربية.

وبدأ ينظم رحلة في مايو أيار 2015 للقيادات العالمية الشابة في إطار المنتدي الاقتصادي العالمي إلى طهران وتولى تنسيق المؤتمر مع مسؤولين إيرانيين كبار من بينهم محمد نهونديان مدير مكتب روحاني في ذلك الوقت.

غير أنه تخلى عن الفكرة بعد أن عجز بعض المشاركين عن الحصول على تأشيرات دخول إيرانية.

وعقب ذلك تلقى تحذيرا. فقد استجوب ضباط أمن أحد معارفه من الإيرانيين. وفي يونيو حزيران 2015 قال له ذلك الرجل إن من استجوبوه سألوه عن العلاقة بينهما وإن وجوده في إيران يمثل خطرا عليه.

لم يرتدع سياماك. وخلال رحلة إلى إيران في يوليو تموز 2015 منعته السلطات من مغادرة البلاد واستجوبته عدة مرات خلال الشهور الثلاثة التالية. وفي النهاية تم القبض عليه في 13 أكتوبر تشرين الأول 2015 ثم أدين "بالتواطؤ مع دولة معادية" في إشارة إلى الولايات المتحدة.

وأصبح توقيت القبض عليه، قبل ثلاثة أشهر فحسب من الصفقة الكبرى لتبادل السجناء، مشكلة أمام المفاوضين الأمريكيين الذين كانوا قد شارفوا على الانتهاء من المحادثات المعقدة لإطلاق سراح السجناء ورفع العقوبات والتسوية المالية ومن فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني، أي أن الخطوط العريضة للاتفاقات بين البلدين كانت قد تحددت عندما تم القبض على سياماك.

وبعد شهرين، أي في ديسمبر كانون الأول، احتجزت قوات الأمن الإيرانية أمريكيا آخر هو ماثيو تريفيثيك الذي كان يدرس اللغة الفارسية في طهران.

وفي منتصف شهر نوفمبر تشرين الثاني وبعد مرور شهر من القبض على سياماك اتصل مكيرك المفاوض الأمريكي من وزارة الخارجية بقريب سياماك وشريكه السابق خاجهبور وألمح إلى أن من المحتمل إبرام صفقة لتبادل سجناء. وسأل إن كانت العائلة تريد أن تشمل الصفقة سياماك.

وكانت رواية عائلة نمازي عن الرد الذي قدمته لوزارة الخارجية مختلفة عن رواية المسؤولين الأمريكيين الحاليين والسابقين الذين حاورتهم رويترز.

قال خاجهبور "كنا نريد إدراج سياماك (في الصفقة) ولم نتردد حتى في طلب ذلك".

وقال مسؤول أمريكي إن خاجهبور طلب من مكيرك عدم إشراك سياماك في الصفقة خشية أن يلحق الدور الأمريكي الأذى بفرص إطلاق سراحه عن طريق معارف الأسرة في إيران.

وقال ثلاثة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين إن عائلة نمازي طلبت في نهاية المطاف أن يكون سياماك طرفا في صفقة التبادل وذلك في الأيام الأخيرة من المفاوضات.

مع اقتراب يوم التبادل طلب المفاوضون الأمريكيون من وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف الإفراج عن سياماك وتريفيثيك في إطار الصفقة. وقال مسؤولون أمريكيون سابقون إن ظريف أبلغ وزير الخارجية الأمريكي حينذاك جون كيري بأنه لا يمكن ضم سياماك إلى الصفقة.

وقال أحد المسؤولين الأمريكيين السابقين "قيل لنا في الأساس ’لا’ صريحة وإن أي محاولة لضمه إلى الصفقة ستنسف بقيتها. وكان ذلك سيعرض للخطر حياة الخمسة الآخرين الذين كانوا سينالون حريتهم".

واعتبر الإيرانيون تريفيثيك حالة أقل خطورة لأسباب منها أنه لم يكن يحمل الجنسية الإيرانية وأطلقوا سراحه قبل ساعات من سفر السجناء الآخرين من إيران.

وسار التفاوض على صفقة تبادل السجناء في مسار منفصل عن المفاوضات النووية التي قبلت بموجبها طهران فرض قيود على برنامج تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها.

ومع ذلك كانت الصفقتان مرتبطتين من بعض الأوجه. فقد قال مسؤول سابق بوزارة الخارجية إن كيري استغل الاتفاق النووي والتسوية المالية في الإفراج عن السجناء. ولو أن صفقة تبادل السجناء انهارت في الدقيقة الأخيرة لتعرض الاتفاق النووي للخطر.

كانت المخاطر شديدة فقد مر وقت طويل على رضائيان وعابديني وحكمتي وهم وراء القضبان، حيث كان حكمتي مثلا مسجونا منذ أكثر من أربع سنوات. كما تعرضوا للحبس الانفرادي بل والتعذيب في بعض الأحيان.

وقال ميريوسفي المتحدث باسم بعثة إيران لدى الأمم المتحدة إن المواطنين الأمريكيين المحتجزين في إيران "يعاملون وفق اعتبارات إنسانية وإسلامية".

وقال المسؤولون الأمريكيون السابقون إن كيري قبل تعهدا من وزير الخارجية ظريف بالإفراج عن سياماك بعد إتمام الصفقة.

ويختلف المسؤولون فيما إذا كان ظريف قد قدم تعهدا جازما أم اكتفى فقط بالقول إنه سيحاول. إلا أنه بعد المحادثات التي استمرت عامين تقريبا كان الجميع يعتبر وزير الخارجية الإيراني موضع ثقة.

وفي يوم تبادل السجناء رفعت الولايات المتحدة العقوبات السارية على إيران. وفي اليوم التالي أعلن أوباما أن واشنطن بدأت رد مبلغ 1.7 مليار دولار لإيران لتسوية نزاع قديم على صفقة أسلحة يعود تاريخها لما قبل قيام الثورة الإسلامية عام 1979.

وتعتقد عائلة نمازي أن واشنطن ضيعت ما بأيديها من أوراق ضغط. فإلى جانب التسوية المالية أتاح الاتفاق النووي لإيران الحصول على نحو 100 مليار دولار تراكمت في بنوك أجنبية سدادا لثمن مبيعات نفط إيرانية.

وقال جاريد جنسر محامي الأسرة متسائلا "أتفرج عن مئة مليار دولار من الأصول المجمدة ومئات ملايين الدولارات نقدا ثم تعتقد أنك تملك أوراق ضغط في اليوم التالي؟"

وامتنع كيري من خلال مساعده ماثيو سامرز عن التعليق على تفاصيل التفاوض. لكن مساعده قال إن كيري "يود لو أن الجميع تحققت له النتيجة نفسها ويصلي من أجل اليوم الذي تتمتع فيه كل أسرة براحة البال التي تستحقها".

وبدلا من الإفراج عن سياماك نمازي ألقى الإيرانيون القبض على والده المريض باقر بعد ذلك بشهر أثناء وجود الأب البالغ من العمر الآن 81 عاما في طهران على أمل زيارة ابنه.

وأفرج الإيرانيون عن باقر بعد ذلك بعدة أشهر.

   

* تغير الوجوه وتحديات ترامب

مع انتشار أنباء صفقة التبادل أعلن جون بولتون معارضته لها. كان بولتون، السفير الأمريكي السابق لدى الأمم المتحدة، في ذلك الوقت من المعلقين على شؤون السياسة الخارجية الذين يتكرر ظهورهم على شاشات التلفزيون.

وقال بولتون إن الصفقة "رائعة بالنسبة للرهائن الأمريكيين وعائلاتهم" لكنها "هزيمة دبلوماسية" للولايات المتحدة. وتساءل "هل نحن بصدد تقديم الحافز ببساطة لإيران كي تحتجز رهائن آخرين؟"

وأصبح بولتون الآن مستشار ترامب للأمن القومي منذ أبريل نيسان. وهذا يجعله شخصية محورية في البت في أي تنازلات تقدمها الولايات المتحدة لإيران في أي عملية تبادل للسجناء. وامتنع متحدث باسم بولتون عن إتاحة الفرصة لرويترز لإجراء مقابلة معه.

وعلى الرغم من تصريحات ترامب العدائية تجاه إيران فقد قال مسؤول أمريكي إن البلدين بحثا إمكانية إبرام صفقة ثانية لتبادل السجناء. وقال ميريوسفي لرويترز إن هناك 22 مواطنا إيرانيا محتجزون في الولايات المتحدة أو في الخارج تريد إيران إطلاق سراحهم.

إلا أنه بعد سلسلة من البدايات الزائفة والرفض الدبلوماسي تبنت إدارة ترامب نهجا يقوم على الضغط على إيران مثل إلغاء التأشيرات الأمريكية لأفراد عائلات النخبة السياسية الإيرانية.

ثم كان أن خطا ترامب في مايو أيار خطوة أضعفت بشدة الآمال في الإفراج عن المواطنين الأمريكيين المحتجزين في سجون إيران..  فقد انسحب من الاتفاق النووي الذي عمل أوباما على تدعيمه وقال إن الاتفاق لم يحقق شيئا في سبيل وقف الدعم الإيراني للجماعات المتشددة أو منع الدور الإيراني في الصراعات الدائرة في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط.

ويوم الاثنين الماضي قال ترامب إنه مستعد لمقابلة قادة إيران "وقتما يشاؤون" دون شروط مسبقة. لكن مسؤولين إيرانيين كبارا رفضوا العرض استنادا للعقوبات الأمريكية على إيران.

وقال ميريوسفي إن إيران لم تتلق ردا على اقتراح طرحته على الولايات المتحدة قبل عدة أشهر لحل أزمة المسجونين. وأضاف أنه بعد أن تخلت الولايات المتحدة الآن عن الاتفاق النووي أصبح من المستحيل إجراء أي مفاوضات تخص السجناء.

وخلال أول 16 شهرا قضاها ترامب في منصبه لم يعين أحدا في أعلى منصب مسؤول عن العمل على إطلاق سراح الأمريكيين القابعين في سجون بالخارج وترك ذلك المنصب ليشغله أحد أعضاء السلك الدبلوماسي على أساس قائم بالأعمال دون أن يكون على صلة مباشرة تذكر بالبيت الأبيض.

وبسبب كثرة التغيرات في صفوف المسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية أصبحت عائلات المسجونين لا تعرف في كثير من الأحيان من المسؤول الذي يمكنها مقابلته لمعرفة التطورات.

ولم تبد الولايات المتحدة أو إيران في الآونة الأخيرة أي نية جدية لبحث قضية السجناء.

(رويترز)

يورونيوز تقدم أخبار عاجلة ومقالات من وكالة reuters تنشرها كخدمة لقرائها دون إجراء أي تعديل عليها. وذلك لمدة محددة