ماذا لو هُزم بوتين في أوكرانيا؟ هل يسقط الأسد؟ كيف ستؤثر خسارة موسكو على سوريا والحليف في دمشق؟

Access to the comments محادثة
بقلم:  Mariam Chehab
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد   -   حقوق النشر  أ ب

وسط دوّامة من الأخبار المتناقضة ورسائل سياسية مبهمة بين دول العالم الكبرى وعلى رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة، وروسيا من جهة أخرى، وفي ظل التحليلات الغربية التي تؤكد تعثر الجيش الروسي في حربه ضد الجارة الجنوبية، ومواجهته مقاومة أوكرانية شرسة، يبقى مآل هذه الحرب ونتيجتها على الأرض يثير الكثير من التكهنات والترجيحات. 

ولا يزال ميزان القوى إلى حد كبير لصالح بوتين الذي أكد مرارا وتكرارا أن عمليته العسكرية تسير "بحسب الخطة" الموضوعة لها، لكن ماذا لو كذّب الميدان ما تقوله موسكو، وهُزم بوتين في أوكرانيا؟ 

وعلى ضوء تداعيات هذه الحرب والعقوبات الاقتصادية الشديدة التي أصابت روسيا في مقتل، ماذا سيكون مصير الأسد أبرز حلفاء بوتين ونظامه إذا ما مُنيت موسكو بالهزيمة؟

علاقة وطيدة

بعيدا عن العلاقة الوطيدة التي جمعت الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف، ومعاهدات الصداقة والتعاون التي تم توقيعها بين الجانبين في 8 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1980 لمدة 20 عاما، دفعت المصالح العسكرية والاقتصادية روسيا في أيلول/سبتمبر 2015 إلى التدخل مباشرة في سوريا وكان لها دور رئيسي خلال هذه الحرب ونجح هذا التدخل في تحويل دفة الصراع لصالح الأسد وانقلاب الأمر على المعارضة الساعية للإطاحة به.

ومنذ اندلاع النزاع في سوريا في مارس/آذار 2011، والذي أسفر عن سقوط أكثر من نصف مليون شخص ونزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها، تعتبر موسكو الداعم الرئيسي لدمشق على المستوى الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي.

ويؤكد مقاتلون في صفوف المعارضة السورية، أنهم صمدوا في وجه الحصار والهجمات لسنوات عدة قبل أن تصل القوة الجوية الروسية لدعم الأسد عام 2015، ليبدأ مشروع انهيارهم بعد أن أصبحت جيوب المعارضة المسلّحة تتساقط الواحدة تلو الأخرى.

ومذّاك، بدأت دمشق تتلقى طائرات، وآليات، وخبراء، من الحليف الروسي الذي واظب على دعمه لسوريا ورئيسها ولم يتراجع يوما. ويعتبر البعض أن هزيمة الأسد كانت تعني خسارة روسيا لقاعدتها في طرطوس، التي تعتبر القاعدة البحرية الروسية الوحيدة خارج الاتحاد السوفييتي السابق والتي تعتبر منفذا لموسكو إلى المياه الدافئة في المتوسط.

ووجد بوتين في البلد الذي تحوّل إلى مناطق نفوذ تتقاسمه روسيا مع تركيا وأمريكا، ورقة مهمة وأبدى في الكثير من المرات عدم استعداده للتخلي عن هذه الورقة.

موقف داعم للغزو الروسي

وكانت آخر دلالات هذا الترابط المتين بين الجانبين، موقف الأسد من الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي جاء بعيدا كل البعد عن المواقف العربية الأخرى التي تراوحت بين محايدة و مستنكرة للقصف الروسي.

واعتبر الأسد أن الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا هو "تصحيح للتاريخ" وفق تعبيره.

وقال وفق بيان صادر عن الرئاسة السورية، "ما يحصل اليوم هو تصحيح للتاريخ وإعادة للتوازن إلى العالم الذي فقده بعد تفكك الاتحاد السوفياتي"، معتبراً أن "روسيا اليوم لا تدافع عن نفسها فقط وإنما عن العالم وعن مبادئ العدل والإنسانية".

وبناء على ما سبق، فإن هزيمة بوتين في هذه الحرب الطاحنة التي بدأت قبل أسبوعين قد يكون لها تداعيات مباشرة على الحليف السوري ونظامه.

هزيمة بوتين في روسيا تعني تفكك الاتحاد الروسي

وعن هزيمة بوتين في أوكرانيا، يقول الخبير والمحلل العسكري اللبناني، العميد أمين حطيط، في حديث لـ "يورونيوز"، "لا بد من التأكيد من منظور عسكري واستراتيجي أن بوتين لا يمكن أن يقبل بالهزيمة وبالتالي عندما لوّح باستخدام سلاح الردع النووي، فهو أراد أن يبعث برسالة واضحة أنه لم يذهب لأوكرانيا من أجل أن يهزم، لأن الهزيمة الروسية في أوكرانيا، تعني المسّ بالوجود العام للاتحاد الروسي، وكما أن هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان كانت من أسباب تفكك هذا الاتحاد". ويضيف حطيط قائلا: "إن هزيمة الاتحاد الروسي في أوكرانيا ستكون أحد الدوافع الكبرى لشطب روسيا الاتحادية عن خريطة القوى العظمى الدولية، إذا من منطلق استراتيجي ووجودي، أقول لا يمكن أن يقبل بوتين الهزيمة ومن غير الوارد أن يرجع مهزوما من أوكرانيا".

وتابع الخبير اللبناني: "هناك 3 احتمالات نناقشها كعسكريين وهي الانتصار وتحقيق الهدف، واحتمال المراوحة في الميدان، واحتمال الهزيمة".

من الناحية الاقتصادية يقول حطيط، إن "خسارة روسيا وإن كانت تسد بعض الثغرات لن تؤثر كثيرا على سوريا، لأنه بحال تكللت مفاوضات فيينا بالنجاح، واسترجعت إيران أصولها وأموالها، فقد تلجأ سوريا إلى تعويض هذه الثغرات من مصادر أخرى، وتحديدا من إيران"، الحليف على المقلب الآخر.

وتابع: "أما من الناحية العسكرية، وهنا تكمن الأهمية الكبرى، إن الهزيمة الروسية وإن حدثت في أوكرانيا ستمتد إلى خارج الميدان الأوكراني لتؤثر على الفضاء الحيوي الاستراتيجي لروسيا، ونحن نعلم أن روسيا اليوم اتخذت من وجودها في سوريا جزءا من هذا الفضاء الحيوي الاستراتيجي، وبالتالي سيكون هذا الفضاء بحالة انقباض، وقدرات روسيا التي تضعها لصالح الحكومة السورية ستتراجع".

وأكد أن "التراجع العسكري الروسي سينعكس سلبا على سوريا وسيطيل أمد الحرب أكثر، لكنه لن يبدل المشهد الاستراتيجي الحالي في سوريا".

تلاقي مصالح أميركية روسية عربية إسرائيلية على بقاء نظام الأسد

من جانبه، قال العميد اللبناني المتقاعد خليل الحلو لـ "يورونيوز"، إن فرضية هزيمة بوتين صعبة جدا، قائلا إن "الهزيمة تعني خروج الجيش الروسي من أوكرانيا دون تحقيق أي هدف، وهذا الأمر يعد مستحيلا".

وتابع الحلو، المرشح للإنتخابات النيابية المقرر أن يخوضها لبنان في منتصف شهر أيار/ مايو المقبل قائلا: إنه "حتى هذه الأثناء حققت القوات الروسية التقدم المطلوب، وهناك سيطرة على عدة معابر رئيسية، وهناك توغلات تجاوزت ال 250 كيلومترا في الداخل الأوكراني ومن الصعب على الأوكرانيين القيام بهجوم معاكس لدحر القوات الروسية".

وأضاف العميد المتقاعد: "في المقابل كلما توغل الجيش الروسي، كلما تعرض لحرب استنزاف من قبل الجيش الأوكراني والمجموعات المقاومة التي تقاتل بأعداد صغيرة جدا ومزودة بأسلحة مضادة للآليات"، وقال إن "الأرقام التي وردت تشير إلى أن عدد الصواريخ المضادة للآليات التي سُلمت للجيش الأوكراني تتجاوز الـ 17 ألف صاروخ وهي صواريخ دقيقة جدا وألحقت حتى هذه اللحظة أضرارا جسيمة بالآليات الروسية، ولكن هذا الاستنزاف لا يمنع من أن التفوق هو لصالح روسيا".

وتابع الحلو في مداخلته مع "يورونيوز": إن لم تنجح روسيا في تحقيق أهدافها في الداخل الأوكراني، فإن هذا التعثر لن يكون له تداعيات مهمة على سوريا والأسد، والسبب هو أن الملف السوري لا يتعلق فقط بروسيا، وإسقاط الأسد لم يعد هدف واشنطن أو حلفاءه من العرب، وبالتالي مضايقة سوريا بروسيا قد تحدث عن طريق أعمال عسكرية وعدوانية، ولكن إسقاط نظام الأسد غير مطروح أميركيا وغير مطروح عربيا".

وأشار إلى أن "السبب هو أن سقوط النظام في سوريا يعني سيطرة تركية على دمشق أو حدوث الفوضى وعودة التنظيمات المتطرفة، مما يشير إلى استخدام سوريا كقاعدة عمليات ضد دول الخليج"، معتبرا أن هاجس هذه دول هو السيطرة التركية، وهم وافقوا على بقاء نظام الأسد لأنه يشكل عازلا أمام التركي" على حد قوله.

ويردف العميد أنه "بالنسبة للأميركي فهو يريد بديلا يؤمن نفس الأهداف، ما يعني وجود سد في وجه الأصوليين، لا يستخدم سوريا قاعدة إنطلاق لأعمال معادية في إسرائيل، وبالتالي لا أرى أن هناك توجها لإسقاط نظام الأسد، هناك تلاقي مصالح أميركية روسية عربية إسرائيلية على بقاء نظام الأسد".

ويتابع أنه في أقصى الأحوال، فإن تداعيات الفشل الروسي على الحليف السوري، قد "تؤدي إلى بقاء القوات الأميركية في سوريا وعدم انسحابها، ومضايقة القوات الروسية وعرقلة مشاريع موسكو في تهدئة الأوضاع، إضافة إلى تشجيع تركيا على التسلط في سوريا وعدم إيجاد الحلول"، ويتابع "أنا لا أرى أن هزيمة بوتين قد تلحق الضرر بنظام الأسد، وبحال هزم بوتين سنشهد حكما بديلا في روسيا، وقد يبقى بوتين جزءا من هذا الحكم فالمصالح لا تتبدل بتغير الأشخاص".

12.4 مليون سوري مهددون بالجوع

وبعيدا عن التداعيات العسكرية، ذكر برنامج الأغذية العالمي، إن الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا قد تتسبب في تجويع 12,4 مليون سوري.

كان هذا البلد مكتفيا ذاتيًا من القمح حتى تاريخ اندلاع النزاع فيه، واضطر حينها وبعد التدخل الروسي إلى شراء 1,5 مليون طن من القمح في عام 2021، معظمها من موسكو. وتقول دمشق إنها تعمل الآن على توزيع المخزونات لاستخدامها على مدى شهرين.

ورغم التحذيرات الغربية طيلة أسابيع، أمر بوتين القوات الروسية بغزو أوكرانيا في الرابع والعشرين من الشهر الماضي لتبدأ حرب قلبت رأسا على عقب عقودا من الاستقرار في أوروبا، وأسفرت لغاية الآن عن فرار حوالى مليونين ونصف المليون شخص من أوكرانيا، وفق ما أعلنت الأمم المتحدة الجمعة.