سياسة "صفر كوفيد" الصارمة في الصين تدفع المغتربين إلى المغادرة

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
أشخاص يصطفّون في طابور لاختبار الإصابة بفيروس كورونا  في موقع جمع المسحات في أحد شوارع  العاصمة الصينية، بكين، 25 أبريل 2022.
أشخاص يصطفّون في طابور لاختبار الإصابة بفيروس كورونا في موقع جمع المسحات في أحد شوارع العاصمة الصينية، بكين، 25 أبريل 2022.   -   حقوق النشر  AFP   -  

قضى كولين تشان أكثر من عقد وهو يبني حياته في الصين، لكن بعد معايشته قواعد كوفيد المتغيّرة وقضائه خمسة أسابيع في الحجر، بات المواطن السنغافوري مقتنعا بأن وقت المغادرة حان.

ويعجّل تردد الصين في التخلي عن سياستها الصارمة المعروفة بـ"صفر كوفيد" مغادرة المغتربين من ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، بينما تحذّر دوائر المال والأعمال من أن القواعد التي لا يمكن التنبؤ بها تدفع بالأجانب للابتعاد.

وعندما عاد تشان إلى الصين قادما من سنغافورة أواخر شباط/فبراير، كان مستعدا للخضوع لحجر صحي طويل في شنغهاي قبل أن يكون بإمكانه العودة إلى بكين، إذ تراجع عدد الرحلات الدولية المباشرة إلى العاصمة بشكل كبير جرّاء كوفيد.

لكن في غضون أيام على وصوله إلى بكين، طُلب منه أن يلزم منزله لأسبوعين آخرين، فيما تم تثبيت جهاز على باب منزله يصدر إنذارا إذا تم فتحه.

قال تشان الذي غادر الصين هذا الشهر بعدما أكمل فترات حجر متعاقبة "كانت القيود تتغير طوال الوقت".

ويعد من بين عدد كبير من المغتربين الذين غادروا أو يفكرون في مغادرة الصين.

قيود كوفيد

وأفادت أكثر من 80 في المئة من الشركات التي استطلعت غرفة التجارة الأميركية آراءها الشهر الماضي، بأن سياسات الصين في التعامل مع الفيروس أثّرت على قدرتها في جذب الموظفين الأجانب أو المحافظة عليهم.

وذكرت غرفة التجارة البريطانية الأربعاء بأن الخطر على الأعمال التجارية عند "أعلى مستوى له منذ 2020"، عندما كان الفيروس يتفشى سريعا في الصين في بدايات انتشار الوباء.

ونجحت استراتيجية الصين القائمة على فرض تدابير إغلاق سريعة وقيود مشددة على السفر، وفترات حجر صحي مطولة في التخفيف من حدة انتشار الفيروس في العامين الأولين من أزمة كوفيد، وسمحت للسكان بالمحافظة على حياتهم الطبيعية إلى حد كبير.

لكن تفشي المتحورة أوميكرون سريعة الانتشار أحدث هزة، إذ سارعت السلطات لاحتواء الموجات الوبائية عبر فرض مجموعة قيود تتغيّر بشكل متسارع، شكلت اختبارا لمدى قدرة حتى المغتربين المقيمين منذ فترة طويلة على الصمود.

وأفادت أكثر من ثلث الشركات التي استطلعت غرفة التجارة الأميركية آراءها في آذار/مارس، بأن أعداد موظفيها الأجانب انخفضت بعشرة في المئة على الأقل بسبب قيود كوفيد منذ بدء الوباء.

"اتجاه مجنون"

ولعل شنغهاي أبرز مثال على ذلك، إذ يرزح سكانها البالغ عددهم 25 مليونا تحت وطأة إغلاق مستمر منذ أسابيع، تسبب بنقص في الغذاء وتظاهرات متفرّقة وموجة انتقادات عبر الانترنت.

وتتباهى المدينة، التي تعد مركزا اقتصاديا عالميا، باستضافتها جالية أجنبية كبيرة تعد حوالى 164 ألف نسمة، بحسب بيانات إحصائية نشرت العام الماضي. ويعمل هؤلاء في مختلف القطاعات من التكنولوجيا والمال وصولا إلى التعليم في المدارس الدولية. لكن المؤشرات تدل على أن حتى الأكثر تحمّلا بينهم قد يقررون المغادرة.

وكشف بريطاني يقيم في شنغهاي منذ وقت طويل لفرانس برس أنه يخطط للمغادرة، جراء المخاوف من أن الإغلاق الأخير يمثّل بداية "اتّجاه مجنون حقا" في سياسات احتواء الفيروس.

وقال الرجل الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرا إلى أنه لم يبلغ مكان عمله بخطته، "صفر كوفيد بات أشبه بمعتقد الآن، معتقد راسخ حقا"، وتابع أنه بالنسبة للسلطات الصينية "لا يهم حقا إن كان كوفيد لم يعد بهذه الخطورة (الآن).. علينا الوصول إلى صفر" إصابات بأي ثمن.

بدوره، حذّر ينس هيلدبرانت من فرع غرفة التجارة الألمانية في شمال الصين، من أن تدابير الإغلاق "ستترك أثرا على الأمد الطويل".

وبالفعل، أدت القيود المشددة على الدخول إلى البلاد إلى مواجهة الشركات متعددة الجنسيات صعوبات على مدى أشهر، في جلب خبراء جدد بعد مغادرة الموجودين. ويفاقم ذلك أيضا مشاكل سلاسل الإمداد.

وفي رسالة وجّهتها مؤخرا إلى مجلس الدولة الصيني واطلعت عليها فرانس برس، حذّرت غرفة التجارة الأوروبية من أن أوميكرون تمثّل تحديات يبدو تجاوزها غير ممكن، باستخدام "الأدوات القديمة المتمثّلة بالفحوص الواسعة والعزل".

وذكرت الرسالة أن "التكاليف الاجتماعية والاقتصادية.. لتحقيق ذلك تزداد سريعا.. يؤثر ذلك أيضا بشكل مؤسف في صورة الصين أمام باقي العالم".

واجتمع ممثلون عن مجموعات تجارية أجنبية مع وزير التجارة وانغ وينتاو الأسبوع الماضي لطرح المشاكل التي تواجهها الشركات، لكن ما زال غير واضح إن كانت السلطات ستقرر تخفيف القيود.

"كارثة تامة"

وأفاد الرئيس الصيني شي جينبينغ في منتدى بوا (الشبيه بدافوس) الخميس بأن السيطرة على الوباء ما زالت تحتاج إلى "جهود مضنية". ويفيد الحزب الشيوعي بأن استجابته للوباء ساعدت في تجنب أزمة صحية عامة كما حصل في دول أخرى، لكنها في المقابل أنهكت كثيرين.

ورأى المستشار التعليمي البريطاني روري غرايمز (40 عاما) الذي يقيم في الصين منذ تسع سنوات، أن إغلاق شنغهاي كان "كارثة تامة".

ينام غرايمز على سرير مؤقت منذ ثبتت إصابته بالفيروس قبل أيام، ويقيم حاليا في صف في مدرسة تم تحويله إلى منشأة للحجر الجماعي، وقال لفرانس برس: "لا تشعر بأنك في مكان لتخضع إلى العلاج.. لا توجد منشآت طبية هنا.. بات الأمر مرتبطا بتحقيق أهداف أكثر من ارتباطه بالمنطق".

المصادر الإضافية • أ ف ب