عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

عن كثب-"سيريالية مالية" .. لبنانيون يفضلون البيرة على البنوك

بقلم:  Reuters
عن كثب-"سيريالية مالية" .. لبنانيون يفضلون البيرة على البنوك
عن كثب-"سيريالية مالية" .. لبنانيون يفضلون البيرة على البنوك   -   حقوق النشر  Thomson Reuters 2021
حجم النص Aa Aa

من ديفيد باربوشيا

بيروت (رويترز) – في مواجهة الاختيار بين إبقاء المدخرات معطلة في البنوك أو استثمارها بخسارة كبيرة يختار بعض اللبنانيين اللجوء إلى البيرة حلا للمعضلة. فبالنسبة لهم إنها الخيار الوحيد المعقول في نظام مالي شوهته الأزمة.

فقد حال انهيار الليرة اللبنانية واضطراب النظام المصرفي في أواخر 2019 وسط احتجاجات سياسية واسعة بين أصحاب المدخرات وبين ودائعهم الدولارية إلى حد كبير.

وأصبح بعضهم يرى في الاستثمار في شركات يتركز نشاطها على التصدير وسيلة للوصول إلى العملة الصعبة والاستفادة بشكل من الأشكال من الدولارات المحتجزة في مصارف لبنان والتي أصبح البعض يسمونها “لولارات”.

ويلقى خيار مصدري المشروبات الكحولية رواجا بما في ذلك مصنعي البيرة وتجار مشروب الجن.

قال كمال فياض الرئيس التنفيذي لشركة بيرة 961 المتخصصة في تصدير البيرة اللبنانية “إذا استثمرت معي اليوم الدولارات المحتجزة سأردها لك دولارات جديدة”.

وبمقتضى القيود غير الرسمية على الأموال، يمكن للمودعين كتابة شيكات على حساباتهم المقومة بالدولار الأمريكي لكن لا يمكن استخدام هذه الشيكات في الخارج وإذا بيعت محليا فإنها تفقد 75 في المئة على الأقل من قيمتها.

ويعكس هذا الفرق الكبير محنة امتلاك دولارات محتجزة في مصارف لبنانية. وتفرض البنوك التي انخفض بشدة ما لديها من سيولة دولارية قيودا على تصرف زبائنها في أموالهم وتسمح لهم الآن بالسحب من الودائع الدولارية بالعملة اللبنانية بسعر 3900 ليرة مقابل الدولار أي حوالي ربع قيمة الدولار في السوق السوداء.

قال فياض إنه يجري محادثات مع مستثمرين لجمع ما يعادل أكثر من مليون دولار من بينها ما يتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين “لولار” من الدولارات المحتجزة.

وأضاف أن “المستثمرين يفضلون قبول المخاطرة معي بدلا من الاحتفاظ بالمال في البنك. على الأقل أنا أفيد الصناعة. أنا أكثر أمنا اليوم بالنسبة لهم من المصرف”.

ويعكس الاستعداد لقبول الخسارة المالية يأسا من خروج لبنان من مسار الأزمة الذي تسده خلافات سياسية فاقمها الانفجار المدمر الذي وقع في مرفأ بيروت العام الماضي.

وزج الانهيار الاقتصادي بنصف السكان البالغ عددهم ستة ملايين نسمة في براثن الفقر ومحا قيمة المدخرات وخفض القدرة الشرائية لدى المستهلكين بشدة.

وقد قال المانحون الدوليون إنهم لن يمدوا يد العون إلا إذا نفّذ لبنان إصلاحات كبرى لمكافحة فساد واسع النطاق غير أن جمودا مستمرا منذ قرابة عام بسبب خلافات على تشكيل حكومة جديدة يعني أن هذه الإصلاحات لا تزال بعيدة المنال.

قال توفيق غاسبار الخبير الاقتصادي الذي عمل مستشارا بصندوق النقد الدولي ومستشارا لوزير مالية سابق في لبنان “هذه فعلا سيريالية سياسية ومالية”.

وأضاف “إذا رفض المريض أن يأخذ الدواء على مدى 20 شهرا فماذا نتوقع أن يحدث له؟ بالطبع ستتدهور صحة المريض. وهذا بالضبط هو ما نشاهده في لبنان، تناقص الاحتياطيات ومزيد من الانخفاض في قيمة العملة ومزيد من أزمات نقص السلع الأساسية”.

ولم يرد مكتب كل من وزير المالية ووزير الاقتصاد على طلبات التعليق.

* أزمات الاستيراد

يعتمد لبنان على الاستيراد وظل المصرف المركزي يساعد منذ سنوات في تمويل العجز التجاري بعرض أسعار فائدة مرتفعة على الودائع الدولارية في البنوك التجارية. وطبقت البنوك هذه الأسعار على زبائنها فاجتذبت طوفانا من الودائع والأرباح الوفيرة للنظام المصرفي الذي تضخمت أصوله لما يصل إلى 167 في المئة من الناتج الاقتصادي للبلاد عام 2015.

وانهار النظام عندما تخلفت الحكومة عن سداد دينها العام الماضي. وانخفضت الاحتياطيات الخارجية لدى المصرف المركزي من أكثر من 30 مليار دولار قبل الأزمة إلى حوالي 15 مليارا في مارس آذار كما أن برنامجا باهظ الكلفة لدعم أسعار الواردات يدفع الاحتياطيات القابلة للاستخدام إلى الحد الذي تكاد معه أن تنفد.

وامتد أثر نقص الواردات الآن إلى الحياة اليومية للمواطن اللبناني العادي. وأدى تشكل طوابير طويلة انتظارا للحصول على الوقود إلى وقوع اشتباكات في شمال لبنان بينما شهدت الصيدليات إضرابا لمدة يومين الأسبوع الماضي لنفاد الأدوية.

وقال هاني بحصلي نقيب مستوردي السلع الغذائية والمنتجات الاستهلاكية والمشروبات إن كثيرين من المستوردين يواجهون تأخيرات في مدفوعات الدعم من المصرف المركزي الأمر الذي أثر سلبا على تدفقات السيولة المالية.

وأضاف “من مجرد الحديث مع التجار يمكنني القول إن هناك ما بين 50 مليون دولار و100 مليون دولار من الفواتير غير المسددة عن واردات غذائية. البضائع وصلت وتم بيعها لكن المصرف المركزي لم يتول تغطيتها”.

وقال إن مثل هذه التأخيرات أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا لأن المستوردين لا يعرفون متى سيحصلون على المال ولا يمكنهم الاعتماد على المصارف في تمويل الواردات.

وأضاف “تحتاج لتمويل مشترياتك من قدرتك المالية باستخدام أموال من حساباتك الشخصية، أو بدولارات جديدة تأخذها من حسابات أجنبية”.

ولم يرد المصرف المركزي على طلب للتعليق.

وتتطلع الحكومة لإصلاح نظام الدعم غير أنها امتنعت عن إنهاء العمل به لحين موافقة البرلمان على نظام بديل يقوم على الدعم النقدي.

* مزيد من الركود

تبخرت الثقة في المصارف، التي كانت في يوم من الأيام ركيزة الاستقرار، منذ تخلف الحكومة عن السداد وأصبحت فروع البنوك المحصنة بألواح معدنية هدفا للاحتجاجات.

ويقدر أن خسائر القطاع المالي أكبر دائن في الدولة تجاوزت 80 مليار دولار وفقا لتقديرات الحكومة المستقيلة العام الماضي وهو رقم يتضاءل إلى جانبه الناتج الاقتصادي السنوي في لبنان.

وحاول كثيرون من اللبنانيين، خوفا على مدخراتهم، نقل أموالهم من البنوك من خلال سداد ديون على أفراد وعلى شركات.

وقال مدير تنفيذي في شركة للخدمات المالية مقرها بيروت، مشترطا عدم الكشف عن هويته، إنه شهد ارتفاعا في طلب المستثمرين على تمويل المصدرين والمصنعين مما أسفر عن إغلاق بعض الشركات لتسهيلاتها الائتمانية المصرفية.

وقد شهد أندريه ملاك من شركة “ثري براذرز” اللبنانية المنتجة لمشروب الجن زيادة بنسبة 30 في المئة في استثماراتها الخارجية منذ الأزمة.

وأضاف “بدأنا نشهد زيادة في الاهتمام منذ بداية الركود عندما كان الناس يريدون نقل أموالهم من البنك”.

وقال مايك عازار المستشار المالي في بيروت إن نظام لبنان المالي شهد تخفيض قيمة الديون بأكثر من 20 مليار دولار منذ أكتوبر تشرين الأول 2019 وساهم استخدام الدولارات المحتجزة في سداد ديون مستحقة في تخفيض قيمة العملة إذ أن بيع الشيكات مقابل دولارات أمريكية يرفع الطلب على إمدادات لا تفتأ تتقلص.

من ناحية أخرى ينوي المصرف المركزي السماح للمودعين بسحب جزء من دولاراتهم المحتجزة من خلال خطة جديدة بحد لا يتجاوز 800 دولار شهريا نصفها بالدولار والباقي بالليرة اللبنانية بسعر صرف حكومي يبلغ حوالي 12 ألف ليرة للدولار.

وسيمثل ذلك خفضا لقيمة أموال المودعين لأن سعر الصرف في السوق السوداء يبلغ حوالي 15 ألف ليرة للدولار كما أنه يرتفع يوما بعد يوم.

وقال عازار “المصرف المركزي يريد خفض الالتزامات الدولارية في النظام وإن كان يفعل ذلك بطريقة لا تقلل الخسارة لكنه يجعلها تتبلور في شكل تخفيض في قيمة العملة ومزيد من التخفيض في قيمة الودائع الباقية ومزيد من الركود للاقتصاد الحقيقي”.