المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

تحقيق-"التبوريدة" .. فن الفروسية المغربي ينتعش ويستقطب الجنس اللطيف

Access to the comments محادثة
بقلم:  Reuters

من زكية عبدالنبي

الرباط 16 يناير كانون الثاني (رويترز) – وجدت الفارسة المغربية بشرى نباتا تشجيعا من أبيها وأخيها على ممارسة “التبوريدة“، أو الفروسية التقليدية المغربية، ولم تردعها نظرات الاستهجان وتعليقات بعض الرجال الذين يتحفظون على ركوب النساء الخيل بل ولا كسر يدها فكوّنت فرقتها الخاصة.

تقول المقدمة بشرى، والمقدمة في لغة التبوريدة المغربية هي رئيسة الفرقة، أو “السربة” بلغة هذا الفن أيضا، إنها بدأت ركوب الخيل في 2001 تأثرا بأخيها وأبيها اللذين يمارسان هذه الهواية.

قالت بشرى لرويترز “الرجال أغلبهم يتضايقون ولا‭‭ ‬‬يحبون أن ينافسهم النساء في هذه الهواية لكن الحمد لله المرأة استطاعت أن تفرض نفسها”.

وعلى الرغم من مخاطر ركوب الخيل، إذ سبق وكُسرت يدها بسبب طلقة بارود خاطئة، فقد عادت إلى “المحرك” وهو ميدان إقامة طقوس التبوريدة التي حظيت الشهر الماضي بالاعتراف الدولي بها كأحد فنون التراث العالمي غير المادي.

وكلمة “التبوريدة” مشتقة من كلمة بارود، وهي في ظاهرها تحكي قصة أمجاد مغربية صنعها الأجداد في ساحات الوغى.

فكل طقس من طقوس حركات فرسانها وخيولها يروي قصة نصر، من حوافر الخيل التي تثير الغبار في عنفوان وتحد، إلى صرخات الفرسان وسرعتهم القصوى ليتوجوها بإطلاق “البارود” من “المكاحل“، أي البنادق التقليدية، في النهاية دفعة واحدة.

تتعالى زغاريد النساء وتصفيق الجمهور وحماستهم، في جو يوحي باحتفالات النصر في معارك تاريخية قديمة قدم زخارف السروج ولباس الفرسان و“المكاحل” أو البنادق التقليدية المزركشة والمنقوشة بالفضة أو النحاس وكذلك الخناجر التي يتحزم بها الفرسان وأحذيتهم التقليدية التي يطلق عليها (تماغ).

ولطالما استرعت “التبوريدة” اهتمام الفنانين المحليين والأجانب، وتبقى لوحة للفنان التشكيلي الفرنسي أوجين دي لاكروا في القرن التاسع عشر خير مثال على ذلك.

وقد صنفت منظمة الأمم المتحدة للتريبة والعلم والثقافة (اليونسكو) التبوريدة تراثا عالميا غير مادي، وذلك في مؤتمرها الذي انعقد من 13 إلى 18 ديسمبر كانون الأول الماضي بباريس.

وفي حوار مع رويترز، يقول الباحث المغربي في علم التراث أبو القاسم الشبري عن هذا الفن “الثقافة اللامادية، بصفة خاصة تدخل في المعيش اليومي وتمشي في سيرورة يصعب القبض عليها أو تصنيفها أو تأريخها، (أو) أن نقول أنها نشأت في اليوم الفلاني أو المكان الفلاني”.

فالتبوريدة بالنسبة للشبري “هي تحول للبشرية جمعاء عندما مرت الحروب الإنسانية من مرحلة الحرب مشيا على الأقدام أو الترجل، إلى استعمال الفرس في الحرب بعد ترويضه”.

ويقول الشبري “لما تنتهي الحرب الناس يحتفلون علما أنه في عدد من الحروب ..كان هناك من يرافق المتحاربين لشحذ الهمم ودعمهم شعرا ونثرا بالمزامير والطبول سواء أكانوا نساء أم رجالا، فطبيعي بعد أن تنتهي الحرب ويتحقق الانتصار سيحتفلون”.

وأضاف “وأول المحتفلين هم من كانوا في ساحة المعركة ممتطين خيولهم، إذ سيستعملون الذخيرة من جديد ويرقصون ويزغردون من هنا جاءت احتفالات التبوريدة”.

وقد جاء زمن كان الفرس فيه سيد الدار، وكان المنزل الذي لا يملك فرسا واحدا على الأقل منزلا موحشا لا قيمة له، واستمد الناس ذلك من مكانة الخيل في الإسلام وحديث رسوله “الخيل معقود في نواصيها الخير”.

* نساء على صهوات الخيول

وعلى الرغم من ارتباط التبوريدة في المجتمع المغربي عبر العصور بالرجال، فقد استهوى هذا الفن النساء مع مطلع الألفية الثالثة واقتحمنه على غرار اقتحامهن لمختلف مجالات الحياة.

وتهتم “المقدمة” بشرى بتربية الخيول في منزلها الريفي في إحدى ضواحي الرباط.

وقد كافحت بشرى ودافعت باستماته لتأسيس “سربتها” وجمع فتيات يستهويهن ركوب الخيل كان لأغلبهن فرد أو أكثر من أفراد العائلة يمارس هذه الهواية.

وتقول بشرى التي شجعها أبوها وأخوها على المضي في ممارسة التبوريدة لرويترز “الرجال أغلبهم يتضايقون ولا يحبون أن ينافسهم النساء في هذه الهواية. لكن الحمد لله المرأة استطاعت أن تفرض نفسها”.

وهي تشتكي من غياب الدعم المادي، إذ أن “البارود مكلف ولباس الفارسات والسروج وغيرها” وتقول إنها تنفق من مالها الخاص من أجل الاستمرار.

كما زادت معانتها مع جائحة كوفيد-19، إذ نفق لها جوادان بسبب الحجر لبقائهما في الإسطبل دون حركة.

وتجد بشرى صعوبات وعراقيل في الاحتفاظ بفرقتها وتشجيع باقي الفتيات على التبوريدة. فبالإضافة إلى ضعف الدعم المادي، تعاني الفارسات من أفكار نمطية كما كشفت تصريحاتهن لرويترز.

سناء أكليل (15 عاما) أصغر فارسة في “سربة” بشرى تقول لرويترز “عدد من الناس قالوا لي ‭‭‘‬‬إنت بنت لا يجب أن تنساقي وراء هذه الهواية‭‭‘‬‬. بل هناك من ذهب إلى تحريم ركوب الخيل بالنسبة للنساء”.

وتقول سناء أن أباها وأخاها “عاشقان لفن التبوريدة. كانا يأخذانني معهما إلى مهرجانات التبوريدة. وفي سن العاشرة اشترى لي أبي هاتفا واتصلت بالمقدمة بشرى وقررت الالتحاق بسربتها”.

وعن طقوس التبوريدة تقول بشرى باوطيني، وهي فارسة أخرى في “سربة” بشرى نباتا، “قبل بدء العرض نتوضأ ونصلي ركعتين ونقرأ الفاتحة ونسلم على بعضنا، وهذا من طقوس التبوريدة، كما عند الرجال يذكر بالماضي البعيد قبل أن يخوض الفرسان الحروب”.

وتضيف أنه رغم الوضوء والصلاة فإن هناك من يعتبر النساء لا يصلحن للفروسية، إذ “يقولون لنا العود (الفرس) شريف لا يجب أن تركبه النساء”.

وتقاطعها زميلتها‬‬‬أميمة والعيز (23 عاما)، وهي طالبة حقوق التحقت بسربة المقدمة بشرى حديثا (العام الماضي)، “فقد استمديت محبتي للفروسية من جدي. كان مقدما ومحبا لركوب الخيل وخاصة هذا النوع التقليدي من الفروسية”.

لكنها البنت الوحيدة في العائلة التي تمارس هذه الهواية. وتقول إنها عندما كانت تمتطي صهوة جواد كانت جدتها تقول لها “عيب. البنات لا يركبن الخيل”.

ولا يرى الباحث المغربي الشبري غضاضة في ركوب النساء الجياد وممارسة التبوريدة.

ويرى أن أسباب معارضة الأهل لركوب المرأة الخيل ترجع “ربما لخوفهم عليها، كيف لا وهي من الجنس اللطيف، إذ أن حوادث الفروسية صعبة وأحيانا تكون مميتة”.

كما أن “فرس التبوريدة ليس أي فرس. تكون له علاقة جد خاصة مع فارسه، علاقة أقرب إلى قدسية أو الملائكية”. فالمغاربة يطلقون على “العود” أي الفرس “الدم الكبير” بمعنى (النخوة)، كما يسمونه “الشريف”.

ويقول الشبري “العود” له تربية وعناية خاصة ولا يستعمل إطلاقا ولو لمرة واحدة في أعمال السخرة، وإلا يفسد ولا يبقى صالحا للفروسية أبدا”.

* انتعاش فن التبوريدة

ساهمت الدولة في تشجيع هذا الفن من خلال إقامة مسابقات رسمية خاصة بالتبوريدة تحت رعاية العاهل المغربي محمد السادس وتخصيص جوائز لها، مما شجع “السربات” وساهم في زيادتها.

كما تتلقى المواسم، وهي المهرجانات التقليدية، دعما لتنظيمها.

غير أن المقدمة بشرى تشعر ببعض الظلم تجاه النساء بصفة عامة في المشاركة في مثل هذه المسابقات.

ونفى بدر فاقر رئيس الجامعة (الاتحاد) الملكية المغربية للفروسية إقصاء أحد، وقال إن باب الجامعة مفتوح للجميع.

كما قال إنه ليس هناك أي تمييز في المشاركة في المنافسات التي تنظمها الجامعة بسبب الجنس، “فالنساء اقتحمن مجالات كبرى وتفوقن على الرجال أيضا”.

ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد “السربات” في المغرب، لوجود بعض المناطق والقرى التي لا تسجل فرسانها. ونشرت “الشركة الملكية لتشجيع الفرس” على صفحتها أنها منذ العام 2014 ضمت 309 “سربات“، كما أقامت 21 مسابقة.

لكن مهتمين بالمجال يقولون إن هناك المئات من “السربات” في مختلف أنحاء البلاد.

وتعذر الاتصال بمسؤولي الشركة.

وتقام مسابقات التبوريدة سنويا، لكنها تأثرت بجائحة كورونا ووقف الأنشطة الفنية والثقافية.

ويقول الشبري “هناك قبائل متشبثة بفن التبوريدة عبر العصور. وأخرى تراخت لكننا نلاحظ في العقد الأخير انتعاشا لهذا الفن وتزايد الإقبال عليه”.

* من الاحتفال بالنصر إلى المحاصيل

يقول الشبري إنه مع تطور آليات الحرب عبر التاريخ واستغنائها عن الجمل والفرس أصبحت التبوريدة طقسا احتفاليا بالمحاصيل الزراعية في نهاية الصيف وانتهاء مواسم الحصاد، والتفرغ للاحتفالات العائلية من أعراس وحفلات ختان وعقيقة بعد زيادة الدخول.

ويضيف “كأنه احتفاء بالمحاصيل والجانب الجمالي في الحياة والاستمتاع به، مع خلق أجواء من المتعة والفرجة”.

وتظهر هذه الاحتفالية في الاحتفاء بالفرس نفسه بوضع سرج خاص عليه، مطرز بخيوط الذهب ومنمق بشكل جمالي رفيع، وكذلك في لباس الفارس التقليدي بالإضافة إلى محفظة جلدية صغيرة من الجلد يحملها الفارس معه فيها إما مصحف أو أذكار، مع خنجر فضي يتحزم به الفارس.

ويشرح الشبري طقوس التبوريدة وأبعادها الحربية والاحتفالية الجمالية “فالمقدم أو “العلام” أي رئيس “السربة” التي تضم من 11 إلى 15 فارسا يمر بجانب الفرسان كأنه يتفقدهم تماما كما يفعل قادة الجيوش.

ويقول “هناك آداب الوقوف. يتفقد لباسهم وبندقيتهم (المكحلة). ينطلقون رويدا رويدا متبخترين، وليس دفعة واحدة. يبدأ المقدم بالكلام مع فرسان سربته، صائحا: واا الخيل! (يعني أن تكون الخيل على أتم استعداد للانطلاق) والمكاحل (يعني رفع البنادق إلى الأعلى). فينطلقون ببطء ليصلوا إلى السرعة النهائية التي يجب ألا تتعدى 100 متر، ومع خط الوصول يضغطون على الزناد لخروج البارود (العمارة)”.

ويجب أن يكونوا مدربين لإطلاق البارود مرة واحدة فتنطلق 15 طلقة وكأنها طلقة مكحلة واحدة، “دون أي تفاوت في الطلقات ولو لثانية. وهذا أهم شيء ليرضى المقدم والجمهور” على حد قول الشبري.

ويرى الشبري أنه كان من الطبيعي أن يتراجع هذا الفن مع مشاكل المناخ كالجفاف، وغزو المدنية لمختلف المناطق بما فيها البوادي وتخلي بعض المناطق عن التقاليد إلا أن “المبادرات الأخيرة كتشجيع الدولة لهذا الفن وإقامات مسابقات وجوائز له وتصنيفه كتراث عالمي لا‭ ‬مادي من طرف اليونسكو ستساهم في الحفاظ عليه من الانقراض”.

‭‬