المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

مسرحية كويتية على مسرح المدينة تنتشل اللبنانيين من دراما الحياة لفترة وجيزة

Access to the comments محادثة
بقلم:  Reuters

من ليلى بسام

بيروت (رويترز) – قدمت الكويت مبادرة مسرحية كسرت عصرا يكاد يكون متوحشا يعيشه اللبنانيون واصطحبتهم إلى دراما على خشبة تنتشلهم من دراما الحياة اليومية عبر مسرحية (آي ميديا) للفنان الكويتي سليمان البسام.

ولثلاث ليال متواصلة يمزج البسام أساطير الإغريق بالحداثة ويقدمها في قالب درامي يحاكي منظومة القمع وعصر الاستبداد على خشبة مسرح المدينة في بيروت.

وتظهر في المسرحية (ميديا) كفتاة مهاجرة عربية مثقفة مسيسة وتجد نفسها في خلاف عميق مع العالم من حولها. وتتحول نقمة (ميديا) إلى صرخات استحالت انتفاضة عارمة بمجرد وصولها إلى مخيمات اللاجئين.

يقول المخرج البسام أن هذا العمل مستوحى من مسرحية يوربيديس التراجيدية اليونانية (ميديا) التي كتبت في الأصل استنادا إلى أسطورة جاسون وميديا.

وتدور أحداثها حول امرأة ساحرة تعيش غريبة ودخيلة على مجتمع يظلمها ويدفعها إلى انتقام شرس.

ويتجسد هذا الانتقام على المسرح عندما تقتل ميديا أخيها وتقطع جثته كي تتمكن من الزواج من حبيبها جاسون لكن جاسون هذا يتركها وحيدة غريبة مع أطفالهما الثلاثة ليتزوج من إبنة الملك كريون طمعا في المال والجاه.

ولا تلبث ميديا أن تحضر لانتقام رهيب من زوجها فتدمر المدينة وتقتل أطفالها الذين يعلق عليهم والدهم آمالا عريضة.

تمكن البسام من ربط خيوط التاريخ ببعضه البعض إذ أن وقائع ميديا لن تبتعد كثيرا عن نسختها اليونانية في عمق بنائها الدرامي لكنها تتأثر بالحداثة ووسائل التواصل والتطورات الإنسانية السياسية الآنية.

وتظهر ميديا الحديثة بصورة امرأة مهاجرة إلى مدينة ساحلية غريبة أسمها كورينثيا التي تستقبل موجات اللاجئين الهاربين من بلدانهم ومن مدن تخضع أنظمتها إلى تحوير وتشويه من خلال تأجيج العنصرية وإثارة النعرات والعمل على الأجندات الشعبوية لحاكمها كريون.

ويرتفع البسام على الخشبة إلى وضع سريالي فائق التراجيدية ويعمل على خلق  فضاء مسرحي يتحرر فيه من قيد القصة الأصلية.

وتطلق ميديا تغريداتها التي تتحول إلى صرخات إنسانية تضامنية مع اللاجئين وبمجرد وصولها إلى مخيماتهم على حواف كورينثيا تردد “أنا ميديا أقول لكم اليوم، إضرابي عن الطعام مستمر إلى أن تنالوا حقوقكم … أنتم من ميديا وميديا منكم”.

وتلعب الفنانة السورية المقيمة في فرنسا حلا عمران دور ميديا المكافحة من أجل النازحين.

وكتب الكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر على وسائل التواصل الإجتماعي “حلا يا حلا عمران…شاهدتك البارحة على خشبة مسرح المدينة . كنت مدينة مسرح على خشبة…تنبعثن كشبح من مقبرة بحرية بلون برتقال بلون الغروب الكوني كالدم. نازحون في مركب مثقوب تحاولين نجدتهم بأوتار صوتك”.

ويشارك في العمل أيضا أعضاء “فريق التنين” الموسيقيين علي حوت وعبد الرضى قبيسي من لبنان والسينوجراف إيريك سواييه ومهندسة الصوت ماتيلد دوسييه من فرنسا ومدير الإضاءة سمير شعراوي من مصر والممثل ومدير الإنتاج أسامة الجامعي من تونس.

أما سليمان البسام وإضافة إلى كتابة النص وإخراجه فيلعب عدة أدوار في العمل مثل دور المؤلف الموجود على الخشبة والزوج الغادر جاسون والملك كريون. فيما يجسد التونسي أسامة جامعي دور أغاديز.

حصد هذا العمل ثلاث جوائز رئيسية بمهرجان قرطاج حيث فاز البسام بجائزة أفضل نص مسرحي، وفازت الفنانة حلا عمران بجائزة أفضل ممثلة عن ذات العمل، وإيريك سواييه على جائزة أفضل سينوجرافيا.

ويقول البسام إن “قراري بإدخال شخصية المؤلف من ضمن شخصيات الخشبة جاء كنتيجة مباشرة لتحليلي للعلاقة بين الكتابة والتمثيل في زمن جائحة كورونا”.

وشرح البسام في كلمة مكتوبة أنه اعتمد في أعماله على خلق فرق مشتركة من بلدان عربية ومن الغرب ومزج عناصر من خلفيات وتجارب مسرحية متعددة. وأضاف “أن لا هوية وطنية للمسرح بل هوية فنية مطلقة عابرة للحدود”.

وعن الرسالة التي يريد إيصالها من تواجده في بيروت قال البسام “اهتم بتقديم العرض في كافة المدن العربية، بيروت محطتنا الثالثة… جئنا إلى بيروت لرغبتنا بالتضامن مع مسرح المدينة، ومع أهل وشباب وناس قد نعرفهم أو لا نعرفهم. لبيروت في وجداننا مكانتها، وهي تمر في مرحلة عصيبة، ونحاول أن نضيء شمعة في ظلامها الداكن”.

ويدير البسام (مسرح سبب)، وهي فرقة مسرحية كويتية تأسست عام 2002، وتضم مجموعة من الفنانين والممثلين والتقنيين الكويتيين والعرب والأجانب. ولطالما عكست أعماله مسائل الهوية بين العالم العربي الإسلامي والغرب. ومن أبرز أعماله (ريتشارد الثالث) عام 2007، و(طقوس الإشارات والتحولات) عام 2014 للمسرحي السوري الراحل  سعدالله ونوس.

تفاعل الجمهور مع المسرحية تصفيقا وقال توفيق الزين بعد انتهاء العرض لرويترز “لقد اشتقنا إلى الحياة وإلى هذا المستوى الشاهق في الأداء المسرحي . ساعة ونيف ولم أشعر بالوقت . متعة حقيقة.التمثيل . الإخراج الديناميكي. إعادة الكتابة لتتماشى الملحمة الإغريقية مع يومنا المتأجج هذا. شيء رائع للحقيقة”.

بدأت العروض على مسرح المدينة في بيروت ليل الجمعة وتستمر لثلاث ليال متواصلة. وقالت سحر الحسين إنها ستعود لتشاهد العرض الأخير الأحد “انظروا إلى هذا العدد الكبير من الناس. لقد مللنا الوباء والفقر والخوف والفراغ. عمل بهذه الضخامة البسيطة يستحق أن نشاهده أكثر من مرة”.