عاجل

عاجل

تعرف على الرجل الذي حال دون وقوع حرب نووية

تقرأ الآن:

تعرف على الرجل الذي حال دون وقوع حرب نووية

حجم النص Aa Aa

في 14 أيلول/سبتمبر، نشرت صحيفة “فاز” الألمانية، أن ستانيسلاف بيتروف توفي في شقته في ضواحي العاصمة الروسية موسكو، وهو الضابط السوفياتي السابق، الذي كان يترتب عليه إعطاء الأمر في العام 1983، بتوجيه ضربة نووية إلى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه تمكن من تفهم الموقف ولم يفعل ذلك.

يعتبر بيتروف أحد أهم أبطال “الحرب الباردة، كتبت عنه الكتب وصورت قصته أفلاما، كما تم تقليده وسام في مقر الأمم المتحدة.

لكن، اتضح أن بيتروف كان قد قضى في أيار/مايو من العام 2017، هذا ما علمه بالصدفة أحد معارفه القدماء من ألمانيا، الذي يكن الاعتراف بالجميل لبيتروف، إذ حال دون وقوع حرب نووية.

في ليلة 26 أيلول/سبتمبر من العام 1983، ستانيسلاف بيتروف كان هو الضابط المناوب في مقر قيادة منظومة إنذار الهجوم الصاروخي في موقع “سيربوخوف-15” العسكري السري في ضواحي موسكو.

في الساعة 0:15 أعطى الكومبيوتر إشارة، تلك الإشارة التي كان يخشاها العسكريون الروس أكثر من غيرهم، تقضي بأنه تم إطلاق صاروخ بالستي من أراضي الولايات المتحدة باتجاه الاتحاد السوفياتي.

تبعا للتعليمات، كان يجب على بيتروف إخبار القيادة بذلك فورا، وتلقي الأمر بتنفيذ إطلاق جوابي، لكنه لم يفعل ذلك.

يتذكر بتروف في إحدى مقابلاته: “كان الجهاز يشير إلى أن مستوى صحة المعلومات عال جدا. وعلى الحائط، تضيء أحرف كبيرة ملونة بالأحمر: “إطلاق“، ما يعني أن الصاروخ انطلق فعلا.

نظرت إلى لوحة المهمات والواجبات في حالات الإنذار. حتى أن هناك من قفز من مكانه، وبصوت مرتفع، أمر بالتوجه إلى مواقع التمركز الحربية على الفور. كان يجب التأكد من كل شيء. إنه أمر لا يصدق، أن هذا صاروخا برأس نووي حقا…”

منذ لحظة إطلاق الصاروخ المعادي حتى اتخاذ القرار بإطلاق جوابي، كان لدى قيادة الاتحاد السوفياتي مهلة لا تتجاوز 28 دقيقة. أما بالنسبة لبيتروف فـ 15 دقيقة لاتخاذ القرار الصحيح.

ساوره الشك في أن الولايات المتحدة الأمريكية قررت فعلا توجيه ضربة نووية ضد الاتحاد السوفياتي. وكان قد جرى تزويده بالتعليمات، كما الضباط الآخرين، أنه في حال هجوم حقيقي، فإنه كان يجب أن تطلق الصواريخ من عدة قواعد معادية. أخبر بيتروف، عن طريق خط الاتصال مع الحكومة، أن هناك عطل في جهاز الكومبيوتر. بعد تقصي الوقائع، اتضح أن أجهزة الرصد السوفياتية أعطت رد فعل على أشعة الشمس التي انعكست من خلال الغيوم، على اعتبار أنها إطلاق صواريخ أمريكية.

يذكر بيتروف فيما بعد، أنهم كانوا ينوون شكره على شجاعته، حتى أنهم وعدوه بوسام. لكنهم، بدلا عن ذلك، وجهوا له إنذارا، لعدم تنفيذه التعليمات الحربية.

في العام 1984، تقاعد بتروف وأقام مع عائلته في بلدة فريازينو في ضواحي موسكو. وأصبحت حادثة تشرين الأول/أكتوبر في قاعدة “سربوخوف-15” العسكرية، سرا من أسرار الدولة حتى العام 1993. ولم يعرف أحد شيئا عن تلك المناوبة حتى زوجة بتروف نفسها.

في سبتمبر/أيلول من العام 1998، صانع التوابيت والناشط السياسي كارل شوماخر من بلدة أوبرهاوزن الألمانية، قرأ منشورا صغيرا في صحيفة “بيلد“، تحدث عن بتروف. ذكر شوماخر أن المنشور: “تحدث أن هناك إنسان حال دون وقوع حرب نووية، يعيش في شقة فقيرة في بلدة فريازينو، معاشه التقاعدي لا يكفيه لسد رمقه، وقد ماتت زوجته إثر إصابتها بمرض السرطان”.

شوماخر وجه دعوة إلى بتروف لزيارته، وقد أراد أن يروي بتروف تلك الحادثة عن حقبة “الحرب الباردة” للسكان المحليين.

استجاب بتروف للدعوة، وحال وصوله، أجرت قناة التلفزيون المحلية مقابلة معه. وغطت زيارته مجموعة من الصحف المحلية.

هكذا أصبحت قصة ستانيسلاف بتروف معروفة عالميا. بعد تلك الرحلة إلى أوبرهاوزن، تحدثت عنه كبريات وسائل الإعلام العالمية، منها: “شبيغل” و“داي فيلت” و“داي زايت” و“سي بي إس” و“راديو 1” و“واشنطن بوست” و“ديلي ميل”.

الآن، تعتبر مناوبته تلك، أحد أهم الأحداث الرمزية لحقبة “الحرب الباردة“، كما زيارة التلميذة الأمريكية سمانتا سميث إلى الاتحاد السوفياتي في العام 1983 أو المباحثات الأولى بين الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي ميخائيل غورباتشوف والرئيس الأمريكي رونالد ريغان عامي 1985-1986.

قصته كتبها دافيد هوفمان بالتفصيل في كتابه “اليد الميتة“، الذي يعتبر أحد أهم الأعمال عن حقبة “الحرب الباردة”.

في 19 كانون الثاني/يناير من العام 2006، جرى تقليد ستانيسلاف بتروف تمثالا من الكريستال، على شكل يد تمسك بالكرة الأرضية، في مقر الأمم المتحدة. نقش على التمثال إهداء: “إلى الإنسان الذي حال دون وقوع الحرب النووية”.

في 17 شباط/فبراير من العام 2013، نال جائزة درسدن، المخصصة للذين يساهمون في منع الصراعات المسلحة. والشخص الوحيد من روسيا، الذي سبق ونالها، هو ميخائيل غورباتشوف في العام 2010.

في العام 2014، ظهر الفيلم الروائي-الوثائقي: “الإنسان الذي أنقذ العالم”. ووفقا لما روى بتروف في مقابلته مع الصحيفة الروسية “كومسمولسكايا برافدا“، أن كيفين كوستنر، الذي لعب أحد الأدوار في هذا الفيلم، حول له مبلغا بقيمة (500 دولار) وشكرا، لأنه لم يطلق الصواريخ ذات الرؤوس النووية.

في المقابلة التي أدلى بها بتروف لوسيلة الإعلام الروسية، ذكر أنه لم ينقذ العالم، موضحا أنه كان هذا مجرد موقف صعب في سياق العمل.

هكذا، قضى بتروف حياته في فريازينو. ويعود في ذاكرته إلى نهاية التسعينات، إذ كان عليه أن يذهب إلى مناوبته في العمل في أحد مواقع البناء في جنوب غرب العاصمة موسكو، حيث كان يعمل حارسا، بعد إحالته على التقاعد.

توفي ستانيسلاف بتروف في 19 أيار/مايو من العام 2017، ولم تعلن خبر وفاته أية وسيلة إعلام روسية أو عالمية. لماذا تحدث الأمور على هذا النحو؟ من الصعب الإجابة.

“ميدوزا” حاولت الاتصال بإبن بتروف، لكنها لم تتمكن من العثور عليه. لم يرفع سماعة هاتفه المنزلي أحد. صديق بتروف الألماني كارل شوماخر علم بنبأ وفاته صدفة. إذ أنه اعتاد الاتصال ببتروف سنويا في 7 أيلول/سبتمبر ليهنئه بيوم ميلاده، لكن في هذه المرة، أخبره إبن بتروف أن والده توفي، وأن هذا حدث في أيار/مايو المنصرم.

شوماخر نشر نعيا في مدونته على الإنترنت في 14 أيلول/سبتمبر، ونشرت صحيفة “فاز“، أحد أكبر الصحف الإقليمية، مقالة له “إحياء لذكرى بتروف“، ثم دخل شوماخر إلى صفحة بتروف على “ويكيبيديا” باللغة الروسية، وأضاف تاريخ وفاته.

روى شوماخر لـ “ميدوزا”: “لقد هزت قصته أعماق روحي. عشت في ألمانيا الغربية 35 سنة. حقا، كنت أشعر بخطر الحرب الباردة. كنت على يقين بأنه لو أطلق الاتحاد السوفياتي الصواريخ، فإنها ستسقط على بيتي. أعتبر أن ستانيسلاف كان يستحق جائزة نوبل للسلام، أكثر من أي شخص آخر. أعترف لكم، أني كنت أود تنظيم مراسم تقليد جائزة له، لكن ستانيسلاف قال لي: إن هو حصل على جائزة نوبل، فإنه لن يشهد لحظة راحة في حياته بعد ذلك”.