عاجل

عاجل

هل تفوز يوتوبيا أنغلا ميركل في اختبار الولاية الرابعة؟

المتغيرات السياسية وارتفاع نسب التصويت لليمين المتطرف في أوروبا تصب في دائرة سياسية واقتصادية جديدة يتصارع فيها الإستارت أبارز مع السيناتورز أو شيوخ السياسية.

تقرأ الآن:

هل تفوز يوتوبيا أنغلا ميركل في اختبار الولاية الرابعة؟

حجم النص Aa Aa

هل تفوز يوتوبيا أنغلا ميركل في اختبار الولاية الرابعة؟

بقلم د/محمد عبد العظيم

ماذا حدث لألمانيا؟
حذر وزير الخارجية الألماني، سيجمار غابرييل، من التصويت لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا قائلاً إن التصويت لهم يعني “إعادة النازي إلي الرايخستاغ”(*) فلماذا تجاهل الألمان هذه التحذيرات؟ أما يوم الاقتراع وحينما أًعلنت نتائج الانتخابات الألمانية، كانت هناك شرفة أحد المنازل الألمانية في برلين تكتظ بعدد لا بأس به من أنصار حزب اليمين الشعبوي، الرافض لأوروبا والمناهض للمهاجرين والعرب. وفي أحد الساحات بالقرب من الحزب، تجمع حشد كبير من الشباب ليعرب عن الصدمة السياسية التي يشعر بها الجيل الصاعد. الجميع كان يندد بحصول حزب اليمين المتطرف على نسبة تسمح بأن يكون له ما يقارب المئة عضو في البرلمان الألماني، البوندستاغ، للمرة الأولي منذ عام 1945.
المتظاهرون ضد حزب البديل كانوا يتبادلون التساؤلات عن ماذا حدث لألمانيا، وكان أنصار حزب اليمين الشعبوي، ومن شرفة المنزل، يرسلون القبلات من أعلي إلى أسفل تجاه المتظاهرين الغاضبين في حضور أمني مكثف أمام المبني. وبات الألمان يعرفون أن بلدهم، رائدة الاتحاد الأوروبي، أمست بلادً أخرى. وبدأت المخاوف ترتاد العديد من البلدان الأوروبية، أكثر من أي وقت مضي، على مصير الأمور مستقبلياً. (1)
وبدأ الشك يرتاب القلوب من أن تصل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا إلى مقاليد الحكم في مستقبل قريب. والمؤشرات التي تثير المخاوف كثيرة، في مرحلة تدخل فيها أوروبا دائرة الأزمات الاقتصادية، أول عوامل عدم الاستقرار الاجتماعي وصاحبة كل الاضطرابات. من تلك المؤشرات ارتفاع نسبة التصويت لأحزاب اليمين المتطرف في النمسا وفي هولندا وفرنسا، بالإضافة إلى موجة رفض المهجرين والأجانب من العالم العربي في العديد من دول شرق أوروبا مثل المجر وبولندا.
قبلات أنصار حزب البديل من شرفة المنزل في برلين تحث كل زعماء أوروبا وعلى رأسهم جون كلود جونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، باتخاذ طرق أًخري لإيجاد حلول جذرية لملف المهجرين العرب، من العراق وسوريا وليبيا، ولملف البطالة في العديد من دول الاتحاد.

ميركل، بين هِلموت كول وكونراد أديناور
أصحاب حكم السنوات الستة عشر هم قلائل في ألمانيا. فعندما هُدمت ألمانيا، إبان الحرب العالمية الثانية، وصل الألمان إلى مقولة رددوها خلال عقود: لن يعود النازي إلي حكم ألمانيا مرة أُخري. فبعد دمار الحرب واجهت ألمانيا فترة البناء وكان أديناور هو رمز إعادة الإعمار وصار أول مستشار لجمهورية ألمانيا الاتحادية من سنة 1949 إلى عام 1963. فهو من تولى الحكم عندما كانت بلاده جريحة وتعاني تحت سيطرة القوات المنتصرة إذ يعود الفضل لأديناور في تحقيق النهضة الاقتصادية والمعروفة بالمعجزة الاقتصادية. (2)
مثل أديناور جاء هلموت كول كمستشار ألمانيا بين 1982 و1998. وشهد كول تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة فصار العقل المدبر لإعادة توحيد ألمانيا. وبعدها ومع الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتيران، كان مهندسا لمعاهدة ماستريخت، التي أسست الاتحاد الأوروبي وعملة اليورو. (3)
فوز أنغيلا دوروتيا ميركل ورغم أن حزبها، الاتحاد الديموقراطي المسيحي، (سي دي يو) احتل المركز الأول فإنه خسر الكثير من الأصوات مقارنة بالانتخابات الماضية. فهي الآن ثالث شخصية سياسية ألمانية بين أصحاب السنوات الستة عشر. إلا أن رابع فترة ستتسم تاريخياً بصعود حزب البديل من أجل ألمانيا (أيه إف دي) للمركز الثالث وشبه انهيار للحزب الاشتراكي الديمقراطي الاجتماعي، (أس بي دي) والذي يتزعمه مارتن شولتس، رئيس البرلمان الأوروبي. أما رفض شولتس تشكيل الائتلاف مع ميركل وتصريحاته بأن يلعب دور المعارضة أمامها في البوندستاغ، فسيرغم المستشارة الألمانية على البحث عن شركاء سياسيين وستحتاج اللجوء إلى الأحزاب الصغيرة مثل حزب اليسار (دي لينك)، أو حزب الخضر أو كما فعلت بعد انتخابات 2005 والاتلاف مع الحزب الديموقراطي الحر (أف دي بي). (4)
كل هذه المتغيرات ستؤثر على خيارات ميركل فيما يخص التعامل مع ملف الهجرة في ألمانيا وأوروبا وستضعف موقف المرأة الفولاذية، الآتية من ألمانيا الشرقية، والتي فتحت ذراعيها للنازحين العرب وواجهت الكثير من الانتقادات في استقبالها لهم.

الهايبر الانتخابي
حزب البديل هو حديث العهد ومن المستجدات على الساحة السياسية الألمانية إذ تم تأسيسه قبل أربعة أعوام فقط. فدخوله إلى البوندستاغ من شأنه تغيير المعطيات السياسية التقليدية في ألمانيا وإثارة حفيظة الألمان حول مسألة المهجرين هناك. ظاهرة الأحزاب الجديدة التي تكسب الانتخابات سوآءا في إيطاليا أو في إسبانيا أو فرنسا تجعلنا نتساءل عن هذه الظاهرة ودراستها، كما فعل ميشال دوفيرجيه عن الأحزاب السياسية في ستينات القرن الماضي. (5) ويجب المقارنة بين معطيات ما بعد الحرب العالمية الثانية ومعطيات بداية الألفية الثالثة التي تنذر بتفكيك كامل للأحزاب التقليدية وظهور منتج سياسي جديد يتماشى مع الفيس وتويتر وسناب شات.
الأحزاب السياسية التقليدية تواجه موجة فتاكة ونوع جديد من الحروب الغير مرئية علي شاكلة حرب المعلوماتية أو السيبروور. فلم يعد أحد يتحدث عن السيبرنطيقا السياسية أو عن أحلام الطبقة الكادحة أو المتوسطة وصارت الأحزاب تتصارع من خلال لوحة المفاتيح لفتح أبواب اللامنطق المبني على مفهوم الهايبر الانتخابي لأن الناخب ليس لديه متسع من الوقت للوقوف علي تفاصيل مستقبله. ومن المخيف هنا أن يقف وراء هذا السوبر ماركت الانتخابي منتجعات الشركات عابرة القارات التي تنادي بسرعة الاختيار وسرعة المكسب في حسابات تتجاهل أي عواقب وخيمة من وصول اليمين المتطرف إلى مقاليد الحكم يوما ما.

عالم من الإستارت أبارز
قد تجد أنغلا ميركل صعوبة في تشكيل ائتلاف موسع ولكن خبرتها تسمح لها بأن تقتع أحزاب اليمين واليسار بالتعايش في جو سياسي جديد للتكاتف وايجاد الحلول للأسباب التي دفعت بثلاثة عشر بالمئة إلى التصويت لصالح حزب البديل الذي يعتبر كإشارة أولي وإنذار يهدد الاستقرار المجتمعي في ألمانيا. الحملة الانتخابية التي قامت بها ميركل كانت صعبة ومليئة بالمناوشات وكان أنصار حزب البديل في انتظارها أينما ذهبت لإثارة القلق بين مناصريها. ولكن المرأة التي يقال إنها “صُنعت في ألمانيا الشرقية” كانت في كل مرة تخرج من المأزق دون أن تتأثر بصفار أو شتائم أنصار حزب البديل.
ميركل صارت أحد الشخصيات السياسية التي تؤثر في مسار الملفات الكبرى أوروبياً مثل ملف ديون اليونان أو ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت) وهي تعتبر حلقة الوصل بين الأسس التي وضعها هلموت كول مع فرانسوا ميتيران في ثمانينات القرن الماضي. فوز ميركل سيعزز الصداقة التاريخية بين برلين وباريس التي تنوي ميركل استكمالها مع الرئيس الفرنسي أيمانويل ماكرون.
وصول حزب البديل من أجل ألمانيا إلى البوندستاغ هو خطوة جديدة على طريق المفاجآت التي عشناها ونعيشها منذ أن اختار الناخبون الأمريكيون دونالد ترامب، واختار الناخبون البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي. وكل هذه المتغيرات تصب في دائرة سياسية واقتصادية جديدة يتصارع فيها الإستارت أبارز، أهل ثقافة الهامبرغر، مع السيناتورز أو شيوخ السياسية. فأبناء أرسطو وأفلاطون يصارعون أصحاب الشركات العملاقة مثل عالم غوغل وشِل. فهؤلاء يترحمون علي البؤساء الذين مازالت مقولة حكم الشعب بالشعب والقرار للأغلبية يطاردهم عشية وضحاها. أما أهل الهامبرغر فهم يسخرون من الذين يريدون أن تظل العملية الديموقراطية أساس الوجود في حيز التعايش معاً. فأين سقراط ليقول لنا ماذا نفعل حين يأتي طوفان الكراهية ليكسر التماسك التاريخي الذي بُني علي أطلال الحروب والمعاناة قبل الوصول إلى مقولة: لن تعود الكراهية إلى أوروبا مرة أُخري. وماذا يقول عالم الاجتماع والسياسة الألماني وصاحب نظرية الفعل التواصلي، يورغن هابرماس، عن وصول اليمين المتطرف لأول مرة منذ خمسون عاما وضمور التصويت للاتحاد المسيحي لأول مرة منذ سبعون عاما. أين أنت ياهابرماس وأين ذهبت فلسفة الوعي الألماني؟ (6)

“أُمنيوم ضد أومنِس” (*)
منذ بضعة انتخابات وصارت أوروبا في بلاد العجائب، إن صح لنا اقتباس بعض من ما تخيل الكاتب لويس كارول قبل مئة وخمسون عاما، ففي كل مرة وخلال السنوات الماضية تطل علينا المفاجآت عند الإعلان عن نتائج الاقتراع (7)
. وكما وصفت أليس عندما عبرت المرآة وفي خليط بين السياسة والدين والفلسفة لم تستطع ان تنصح تويدلدين وتويدلديوم إلا بأن يتحدا أمام المارد الذي صار يهدد معيشتهم عل حد سواء. (8) فإذا كانت أليس وقعت في جحر الأرنب فإن أوروبا هي بصدد الوقوع في جحر اليمين المتطرف.
.
وصول البديل إلى البوندستاغ يعلن أن هناك عالم الماضي والذي كان يتحدث عن الروح الألمانية والفيديرالية والأب هابرماس أو هيغل مقابل متعددة الجنسيات سيمنس ومرسيدس في عالم العولمة. فهل هناك إفلاس سياسي لدي أبناء العقلانيون الألمان مثل كارل ماركس مؤلف كتاب رأس المال وماكس فيير صاحب وسائل اختيار أصحاب القرار، أم أن المجال السياسي الجديد هو وليد ثقافة الإستارت أبارز الذين زجوا بالبعض لكي يتحدثون عن الخوف من لبننه العراق ثم التخويف من تعريق سوريا. هؤلاء يجيدون إثارة الزعر حول الأمواج المتلاحقة من نازحي الحروب هناك في وسط سلسلة من الهجمات الإرهابية المتتالية في برلين وباريس مرورا بلندن ومدريد. تلك الاعتداءات الإرهابية، ومن دون أدني شك، ساعدت أحزاب العنصرية في جذب أصوات الناخبين. والأمثلة علي ذلك كثيرة منها وصول مارين لوبان في فرنسا وألكسندر فان دير بيلين في النمسا إلى نهائيات العمليات الانتخابية. ناهيك عن صاحب فيلم الفتنة الهولندي خيرت فيلدرز قبل أن تساعد اليمين المتطرف في ألمانيا على إرسال ما يقارب المئة نائب إلي البرلمان الألماني.

من اليوتوبيا إلي الديستوبيا
في بداية الألفية الثالثة، نحن بصدد الخروج من اليوتوبيا الأوروبية، تلك المدينة الفاضلة التي تحدث عنها توماس مور والتي لا وجود للشر فيها. هذه اليوتوبيا تم ترجمتها في حياة سياسية تقوم على دعائم الحوار والعيش معا في سلام اجتماعي وانسجام في الحكم عن طريق الاقتراع. أما ان تؤدي هذه الحالة التي تتسم بتداول السلطة إلي أن يصل مناهضي العيش معا فهذا ينبئ بعالم آخر والدخول في حقبة الديستوبيا السياسية (9).
فارتفاع نسبة التصويت لصالح اليمين المتطرف في العديد من دول أوروبا هو زحف تجاه تلك المدينة الفاسدة والواقع المرير. فالذهاب إلى الديستوبيا هو العودة إلي حلبة صراع “أُمنيوم ضد أومنِس” أو الكل ضد الكل التي تحدث عنها توماس هوبز. وما من مخرج إلا إذا عادت الطبقة السياسية الأوربية في مجملها إلي ما نصحت به أليس التي عبرت المرآة في مؤلفات البريطاني لويس كارول: لا نجاة إلا بالاتحاد (10).
وهذه الحالة هي ما تطمح إليها كل الأحزاب المتطرفة في أوروبا. فهذه الأحزاب ترنو إلى فبركة عدو وهمي لتضعه أمام الناخب حتى تفوز بالأصوات، أثمن ما يتمناه أي حزب سياسي. ولقد وجدت هذه الأحزاب فريستها في شخص المهاجر حتى يتسنى لها الوجود فيصح لنا العودة إلى تأملات أبو الفلسفة الحديثة، رينيه ديكارت وتطبيق مقولته علي أنصار التطرف السياسي في أوروبا: أنا أكرهُ، إذن أنا موجود.
. —————————————————

محمد عبد العظيم دكتور في العلوم السياسية / ليون-فرنسا
متخصص في العلاقات الدولية، والشرق الأوسط
صدر له العديد من المؤلفات حول الأسلحة النووية ودورها في الحروب بين إسرائيل وجيرانها
وحول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ألآراء التي تعبر عنها مقالات الرأي المنشورة في يورونيوز لا تمثل موقفنا التحريري
———————————————————

  • Vote AfD and you’ll put Nazis back in the Reichstag, says German foreign minister
    http://www.telegraph.co.uk/news/2017/09/11/vote-afd-put-nazis-back-reichstag-says-german-foreign-minister/

1- Jacques-Pierre Gougeon, L’Allemagne dans le XXIe siècle : une nouvelle nation ?: Éléments de réponse, Paris, Armand-Colin, 2009.
2- Richard Hiscocks, The Adenauer era (1975) p. 290.
3- Helmut Kohlmm, Je voulais l’unité de l’Allemagne, Paris, Éditions de Fallois, 1997.
4- Mortimer Chambers, The Western Experience, Alfred A. Knopf, 1974.
5- Maurice Duverger, Les partis politiques, Paris Armand-Colin, 1951.
6- Martin Matuštík, Jürgen Habermas: A philosophical-political profile, Maryland, Rowman & Littlefield, 2001.
7- اسم مستعار للكاتب البريطاني تشارلز دودسن

  • Bellum Omnium contra omnes. جملة لاتينية تعني حرب الكل للكل
    8- Lewis Carroll, Alice au pays des merveilles, Paris, Hachette, 1950. (Traduction de Marie-Madeleine Fayet).
    9- Thomas Morus, Utopie, Paris, Paulin, 1842. Traduction Victor Stouvenel.
    10- Thomas Hobbs, Leviathan, Cambridge University Press, 1991.