عاجل

عاجل

الكافان، كردستان وكتالونيا، هل الانفصال مؤامرة؟

على غرار إقليم كردستان العراق، تصر حكومة إقليم كتالونيا على إجراء الاستفتاء، على الرغم من حملة الرفض التي تقوم بها الدولة الإسبانية، ولا نسمع عن استخدام النخبة لكلمة مؤامرة في إسبانيا. ماهي الأسباب؟

تقرأ الآن:

الكافان، كردستان وكتالونيا، هل الانفصال مؤامرة؟

حجم النص Aa Aa

الكافان، كردستان وكتالونيا، هل الانفصال مؤامرة؟

د/ محمد عبد العظيم

أحداث في تاريخ الأمم

صوت مجلس النواب العراقي في بغداد مؤخراُ، وبأغلبية أعضائه، على رفض قرار إقليم كردستان العراق بإجراء استفتاء على انفصال الإقليم. الاستفتاء والذي يثير الكثير من التساؤلات والتفسيرات حول الهدف منه في الإقليم الثري بمنابع الذهب الأسود. دوليا، أعلنت كل من الولايات المتحدة وألمانيا وروسيا وإيران وتركيا والاتحاد الأوربي رفضها إجراء الاستفتاء. أما في بعض الدول العربية فالحديث عن مؤامرة جديدة ضد العراق تنتشر هنا وهناك.
في نفس الوقت، أحد الدول الأوروبية، إسبانيا، تواجه نفس المطلب من سكان أحد أقاليمها. ومنذ أيام تظاهر مؤيدون لاستقلال إقليم كتالونيا عن إسبانيا، في مدينة برشلونة أكبر مدن الإقليم دعما لنحو 700 من رؤساء بلديات الإقليم، إذ تتعامل الحكومة مع هذا الملف بكل الوسائل القضائية والحوارية.
على غرار إقليم كردستان العراق، تصر حكومة إقليم كتالونيا على إجراء الاستفتاء، على الرغم من حملة الرفض التي تقوم بها الدولة الإسبانية، ولا نسمع عن استخدام النخبة لكلمة مؤامرة في إسبانيا ولكنها تُتداول في بلدان عربية عدة وتملأ هذه الكلمة صفحات شبكات التواصل على الانترنت.
في مجال تواريخ الأمم، نادراُ ما تتزامن أحداث من هذا الطراز في آن واحد. والمتأمل في أمور العلاقات الدولية وتطورات العلاقات بين الدول ومكوناتها السياسية الداخلية، لا يمكنه تجاهل الكيفية التي تتعامل بها الدول الغربية، وفي أوروبا خاصة، وفي العالم العربي مع تفس الأحداث من طراز الرغبة في الانفصال الذي يؤدي، حتماً، إلى فقدان دولة ما جزء من أراضيها.

أهل المغنى

في العالم العربي، ومنذ بداية الألفية الثالثة، قد ذاع صيت “حدوته” تقسيم البلدان العربية. على غرار ما حدث بعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916(1). وأصحاب نظرية المؤامرة يستدلون على صحة نظريتهم المشؤمة بدلائل عدة، منها مصير الثورة العربية الكبرى التي أطلقها شريف مكة ضد حكم الدولة العثمانية وحتى ثورات الربيع العربي في 2011. ولاتزال الصدمات تتوالى وتعطي لهؤلاء مايحتاجون من الأمثلة ولكنهم لا يعترفون بأن كل هذا نتاج الضعف والاضمحلال الفكري أولاُ والسياسي ثانياُ ناهيك عن الضعف المجتمعي في مواجهة التحديات. الأحداث الكبرى منذ حرب 1948 إلي حرب 2003 على العراق تعطي كل التبريرات لنظرية المؤامرة، مروراُ بهزائم عسكرية وأزمات وانقسامات سياسية لا تعد ولا تحصي. فهل كل هذا هو ناتج الضعف الداخلي أم هو ناتج لعوامل خارجية؟
بطبيعة الحال، العلاقات الدولية تتسم بالفوضى المنظمة، إلا أنه في هذا المضمون كان العالم العربي لديه القابلية للاستعمار ثم أظهر قابلية عالية لأنظمة ديكتاتورية عدة، فجاءت الألفية الثالثة لتثبت بأن العواصم العربية في مجملها ترفض مبدأ العيش في حرية. أفلم يقرأ أصحاب نظرية المؤامرة ما كتب عن الثورات وخاصة غوستاف لوبون؟ وسيعرفون أن الثورات لا يمكن حصرها في كلمة مؤامرة (2). وما التطرف والإرهاب إلا دليل علي كم الكبت الذي تعيش فيه الكثير من الدول العربية. ولطالما كانت نظرية المؤامرة هي سلاح الضعفاء فكل كارثة يتم نسبتها إلي مؤامرة مثل الهزائم أو الانفصال. فانفصال جنوب السودان في عام 2011، هو المثال الذي يدلل به المؤامراتية على أن القائمة طويلة، وكردستان العراق هي المحطة القادمة. (3)

تاريخياُ امتلأ القرن العشرين بالمخاوف التي روجت لها الأنظمة العربية آنذاك وهلل لها المهللون من كل صنف ونوع لتقليص حجم أورام الفجيعة الاقتصادية أو العسكرية. وكان كل هذا كهاجس صنعته وتعيش فيه، بكل ارتياح، معظم الأنظمة القمعية حتى تلتمس عذراُ لدي الشعوب المغلوبة على أمرها واجبارها على أن تستسلم لكي يُفعل –بضم الياء- بهذه المجتمعات كل ما يقال من إهدار حقوق الفرد فيها. منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، ونظرية البارا نويا العامة تسيطر على عقول الملايين الذين يرددونها عشية وضحاها وهم يرتدون ملابس التفكير الجاهزة دون أدني عقلانية. ومن الواجب الوقوف ولو للحظة أمام هذا الطوفان الذي لا يتوقف عن القول بأن العالم العربي مهدد بالتقسيم. والدليل على ذلك الأكراد في العراق وغرب ليبيا وسيناء في مصر، إلى آخر القائمة من البلدان المهددة بالتقسيم. فإذا كان أصحاب نظرية التقسيم هذه يعزفون على الوتر الحساس لدي الشعوب العربية: مثل وتر العواطف ووتر اللامعرفة، فيتوجب تذكيرهم بأغنيات الماضي: “يا أهل المغني دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله.” وكفي نواح لأننا “شبعنا كلام ماله معني … يا ليل ويا عين… ويا آه.”

إعصار في كوب ماء بارد

لماذا كل هذا الإعصار في كوب من الماء؟ ففي تسعينات القرن الماضي تم تفكيك الاتحاد السوفيتي، تلاه موجة جمهوريات يوغوسلافيا الست، ناهيك عن جمهورية التشيك وسلوفاكيا. في كل هذه الأمثلة لم ينتحر أحداً، ولم نسمع عن طبقة النخبة المنوطة بتسويق هاجس المؤامرة في أي من هذه الدول. والأن وفي القرن الواحد والعشرين، وفي قلب أوروبا، التي يتهمها أصحاب نظرية المؤامرة، يصبر وأمام أعينهم، في كتالونيا الإسبانية سيناريو رغبة الانفصال. ففي برشلونة خرج مئات الآلاف من السكان إلى شوارع المدينة، وفي تجمع مذهل، لتأييد انفصال الإقليم عن إسبانيا بعدما أصدرت المحكمة الدستورية الإسبانية قرارا بوقف قانون الاستفتاء على تقرير مصير كتالونيا. وحتى بريطانيا العظمي نفسها طالها سيناريو رغبة اسكتلندا في الانفصال. فلم تكن تفكر، المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، يوماُ في العاصفة التي ستحل بها، حين شقت قواتها الأراضي الإسكتلندية، وإعلان ملك إنجلترا آنذاك إدوارد الأول بداية حكمه لإسكتلندا، ورغم المعارضة فلقد صوت البرلمان الأسكتلندي لصالح إجراء استفتاء آخر من أجل الاستقلال عن بريطانيا. أما آخر الملفات في سجل “ أنا أُريد الطلاق“، فتجري على مستويات عدة: سياسية، قضائية واقتصادية، بين لندن وبروكسل. واختيرت كلمة ال“بريكسيت” العصرية للحديث عن هذا الملف الشائك والمعقد “لانفصال” أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتم الانطلاق الرسمي لعملية خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي دون تهديد أو الحديث عن مؤامرة كونية ضد لندن أو بروكسل لأن كل هذا تم بعد استفتاءات ومباحثات في جو لا يشوبه وعيد من ميليشيات أو تنظيمات ما.

الانفصال أو الفوضى

إعلان مسعود البارزاني رفض تأجيل الاستفتاء هي رسالة إلى الحكومة المركزية في بغداد التي ترفض الاستفتاء ورداُ على الدول الغربية التي طالب من البارزاني تأجيل التصويت. فهناك بعض الميليشيات التي تهدد بانزلاق العراق إلى حرب أهلية بسبب الاستفتاء ودعت قيادة إقليم كردستان وحكومة بغداد إلى الحوار من أجل حل القضايا العالقة بين الجانبين. بلاد ما بين النهرين تعد من أشهر المراكز الحضارية في العالم منذ سومر وبابل وأشور وكلدان (4). فبغداد كانت عاصمة للخلافة العباسية على مدي قرون وحينها كان العصر الذهبي. أما الآن فيعيش العراق، كثائر أغلبية البلدان العربية، أسوأ الظروف. أما في إسبانيا، ورغم استمرار محاولات العاصمة مدريد في حجب الموقع الرسمي للاستفتاء ومصادرة الشرطة الإسبانية 100 ألف منشور عن الاستفتاء، خلال مداهمة في برشلونة، واستمرار تفتيش مكاتب الصحف والمطبوعات، إلا أنه لا يوجد تهديد من ميليشيات أو تنظيمان باندلاع الحرب إن لم يتم الاقتراع. (5)
.
المؤامرة على الانفصال
الانفصال ظاهرة تنتج عن تراكم الشعور بالتهميش والإهمال من طرف الجزء المسيطر في دولة ما. والأسباب قد تكون دينية مثل إيرلندا، وفي باكستان والهند، حيث انفصل المسلمون عن الهندوس. وهناك أيضاً أسباب عرقية مثل انفصال بنغلاديش عن باكستان وانفصال جنوب السودان وإريتريا(7). وفي أوروبا انقسمت دول البينيلوكس وتفككت كما تفككت دول الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا. الأسباب السياسية لها نصيبها أيضاً في التفكك مثل الكونغو وتايوان وتفكك شبه الجزيرة الكورية، وموناكو عن فرنسا أو الفاتيكان عن إيطاليا. ولا ننسي انفصال كوسوفو عن صربيا والتي لايزال موقع انفصالها من الإعراب غير محدد. فمن يقف وراء كل هذه الحركات الانفصالية؟
المخزون السياسي والثقافي في العديد من البلدان العربية مكتظ بكلمة المؤامرة. فهي سهلة الصنع والانتشار بين العامة، وتتعامل مع أحد ركائز العقل البشري التي تصاحبه في كل شأن وهو الشك. وهي تجذب كثيراُ لأنها تعطي لصاحبها كساء من ذا الذي لديه علم بخفايا الأمور وأن “أبو الُعٌريف” مُطلع على الأسرار أو “متشال عنه الحجاب” يعني متخصص في شؤون الشعوذة وتحليل الأحداث التاريخية من منظور واحد لا بديل عنه. فالثورات أكذوبة الكاذبون، والأحداث السياسية مدبرة في كواليس المتآمرين. علماُ بأنه تاريخياُ هذا المفهوم لم يكن له وجود على الإطلاق إلا بعد نهاية الحرب العالمية الأولي حين أزاحت القوات الاستعمارية الامبراطورية العثمانية من الساحة. ومنذ ستينات القرن الماضي، وحين أخذت الأنظمة العربية مقاليد حكم شعوبها اشتهر هذا المصطلح سيئ السمعة حتى دخل القواميس قبل ثلاثة أعوام من نهاية الألفية في سنه 1997. فبأي التفسيرات يمكن النظر إلى انفصال الفرد والانخراط، طوعاً، في عدم الشعور بالانتماء. وكيف ننظر إلى أن يًتهم من يرغب المشاركة في حياة مجتمعه السياسية بأن يًلصق على جبينه كلمة “ناشط سياسي” التي تضفي عليه طابع المتمرد الغير مرغوب فيه؟ ففي كركوك وقبل أسبوع واحد من الاقتراع، تظاهر الآلاف لدعم الانفصال مشددين علي رفض القمع والاضطهاد والتعذيب.
.
الخوف من الأفضل
الأشياء لا تقاس بمقياس ما هو الأفضل بين الانفصال والاتحادية. فتواريخ الأمم هي ذهاب وإياب بين هذا وذاك. والمخاوف ليست في مسألة الانفصال أو عدم الانفصال ولكن الخطر يكمن في الانقسامات الداخلية وعدم الانسجام في المناخ السياسي الذي يؤدي إلى النزاع على السلطة مدمراُ بذلك كل آمال البناء. فالمجتمعات القوية لا تؤثر فيها مشروعات الانقسام. وغاليا ما يكون الانفصال خطأُ تاريخياُ لمن يختر هذا الطريق، فلاتزال المقولة صالحة حين يقال إنه في الاتحاد قوة. وليس هناك مثال أدل على ذلك من أمريكا التي تسمي الولايات “المتحدة”. وقبلها المملكة المتحدة البريطانية وأخيراُ رغبة الدول الأوروبية في تكوين هوية جديدة تتماشي مع العصر. ولكنه يظل الانفصال نتيجة للشعور بخيبة أمل. فمثلا لو كان البشير ناصفاُ ولو كان الخرطوم عادلاُ مع أشقاءه في الجنوب ما فكر سكانه يوما في الانفصال وما كانت جوبا العاصمة لجمهورية ولدت من جهل حكام السودان.

مشاريع التقسيم ليست وليدة اللحظة ولكن جذورها بعيدة منذ أن وضع دونالد رامسفلد خطته في سبعينات القرن الماضي (6). فماذا فعل أصحاب نظرية المؤامرة لتجنب ماحدث وما سيحدث؟ وكيف نقنع دعاة الانفصال بالعدول عن رغبتهم؟ فالعديد من القوي السياسية في كردستان العراق تدعو إلى المضي قدماُ على هذا الطريق والغالبية من أكراد العراق لا يقلقها فكرة الانفصال لأنها، في حد ذاتها، تمثل للكثيرين رمز للأمل في مجال سياسي واجتماعي أفضل. سيناريو الانفصال هو اختيار بعيد عن عقلانية اللحظة التي تتطلب التكتل في شتي المجالات. أما الآمال المشروعة والتي يتوق إليها أكراد العراق فمازالت هشة وقد تنهار أمام أول عاصفة مجتمعية، تاركة المجال أمام الحروب والقتال مع الجار التركي وتفتح الباب على مصراعيه أمام الجهل كمنبر للتخلف المقدس وظهور التطرف أكثر فأكثر. وسيطل أصحاب نظرية المؤامرة يقولون هذا هو نتاج المؤامرة الخارجية. أما العارفون والذين يعلمون، فستظل أصواتهم مطموسة بمباركة المنتفعين من نظرية البارا نويا. فبدلاً من التكتل والالتحام يذهب البعض إلى الوحدانية المًضعفة. أما الملايين من مجتمعاتنا العربية فلا عليها إلا أن تقول هذا ما جناه حاكمي والمؤامراتية علىّ … وما جنيت على أحد.
.
.
محمد عبد العظيم دكتور في العلوم السياسية والعلاقات الدولية/ ليون-فرنسا
متخصص في العلاقات الدولية، والشرق الأوسط
صدر له العديد من المؤلفات حول الأسلحة النووية ودورها في الحروب بين إسرائيل وجيرانها
وحول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
.
ألآراء التي تعبر عنها مقالات الرأي المنشورة في يورونيوز لا تمثل موقفنا التحريري

—————————————

1- James Barr, A Line in the Sand, Britain, France and the struggle that shaped the Middle East, London, Simon&Schuste, 2011.
2- Gustave Le Bon, La Révolution française et la Psychologie des révolutions, Paris, Flammarion, 1916.
3- Olivier Piot, Le peuple kurde, clé de voûte du Moyen-Orient, Paris, éditions Les petits matins, 2017.
4- Jean-Paul Chagnollaud et Pierre Blanc, L’ invention tragique du Moyen-Orient, Paris, éditions Autrement, 2017.
5- Mohamed Abdel Azim, “L’Irak selon Bush”, in “L’Irak : Construction ou déconstruction?”, Eurorient n° 32, Paris, L’Harmattan, 2011.
6- Mohamed Abdel Azim, D’Oussama Ben Laden à Saddam Hussein, La politique de George W. Bush au Moyen-Orient, Paris, L’Harmattan, 2010.
7- David Ambrosetti, Sud Sudan, Conquérir l’indépendance, négocier l’Etat, Politique Africaine, Paris, Karthala, 2011.