تعاطي الكبتاغون في السعودية .. من أوساط الأغنياء إلى أوساط العمال

Access to the comments محادثة
بقلم:  يورونيوز
 السلطات السعودية صادرت 119 مليون حبة العام الفائت، وهي تعلن عن مصادرة آلاف الحبوب أسبوعيا وأحيانا يوميا.
السلطات السعودية صادرت 119 مليون حبة العام الفائت، وهي تعلن عن مصادرة آلاف الحبوب أسبوعيا وأحيانا يوميا.   -   حقوق النشر  FAYEZ NURELDINE/AFP or licensors   -  

يتعاطى السائق السعودي فيصل مخدر الكبتاغون منذ فترة لتمدّه بالطاقة والقوة اللازمة للعمل لساعات إضافية وتحقيق دخل أكبر يساعده على سدّ ديون زواجه في أقرب وقت.

ويقول إنّ الحبة الدائرية الصغيرة التي تسبّب الإدمان ساعدته على المواظبة على القيام بعمله كحارس أمن في مناوبة ليلية في مستشفى خاص والعمل نهاراً كسائق على تطبيق سيارات الأجرة في الرياض.

ويضيف الشاب النحيل الذي فضّل إعطاء اسمه الأول فقط لحساسية الأمر "نصحني أصدقائي بتعاطي الحبوب لتبقيني يقظا والعمل لساعات أطول".

ويتابع فيصل (27 عاما) الذي ارتدى عباءة داكنة فوقها سترة بيضاء واعتمر الشماغ التقليدي "أنهي عملي الأول منهك القوى في ساعات الصباح الأولى ولكنني بحاجة ماسّة للعمل على تطبيق سيارات الأجرة".

وانتشر مخدّر الكبتاغون خلال السنوات الماضية على نطاق واسع في الشرق الأوسط حيث تشكّل السعودية أكبر سوق له. وصادرت سلطات المملكة 119 مليون حبة العام الفائت، وهي تعلن عن مصادرة آلاف الحبوب أسبوعياً وأحيانا يومياً.

ورغم ذلك، فالمعلومات شحيحة حول من يتعاطى هذه الحبوب ولماذا.

ويصف مسؤولون سعوديون أحيانا الكبتاغون بحبوب الحفلات، ما يتجاهل حقيقة أن الطبقة العاملة باتت من زبائنها، فرجال مثل فيصل يتعاطونها لزيادة ساعات عملهم وبالتالي مدخولهم.

ويؤكّد مدير مؤسسة السكينة لعلاج الإدمان في القاهرة فراس الوزيري أنّ "الشباب والميسورين يتعاطونه للحصول على السعادة والمزاج الجيد خصوصاً في الإجازات، لكنّ العمال يتعاطونه لتحقيق ساعات عمل إضافية".

وتوضح المحللة كارولين روز من "معهد نيولاينز" للأبحاث الذي يتخذ من واشنطن مقراً والذي نشر قبل أشهر، دراسة مفصّلة عن تجارة الكبتاغون، لوكالة فرانس برس "بسبب الطبيعة المزدوجة للكبتاغون كعقار ترفيهي فضلاً عن كونه يعزز الإنتاجية، فهو عقار جذاب لكل من الطبقات العليا والعاملة".

ولم يرد مسؤولو اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات السعودية على طلبات فرانس برس التعليق على الموضوع.

العمل "بلا توقف"

الكبتاغون أساساً هو التسمية التجارية لعقار نال براءة اختراع في ألمانيا في أوائل الستينات من القرن الماضي، مؤلّف من أحد أنواع الأمفيتامينات المحفزة ويدعى فينيثلين، ومخصّص لعلاج اضطرابي نقص الانتباه والأرق من بين حالات أخرى.

وتمّ حظر استخدام العقار لاحقاً ليتحوّل مخدراً يتم إنتاجه واستهلاكه بشكل شبه حصري في منطقة الشرق الأوسط.

وباتت سوريا حالياً المصدر الرئيسي لصناعة الكبتاغون والذي قُدرت تجارته في 2021 بأكثر من 5,7 مليار دولار، حسب دراسة أصدرها معهد "نيو لاينز" مؤخراً.

ويطلق على الحبوب في السعودية اسم "أبو قوسين" و"أبو زهرة" و"لكزس" نسبة إلى الرسومات المنقوشة عليها. ويتراوح سعرها بين 25 و100 ريال (6-27 دولارا) حسب "الجودة"، حسب ما أفاد مروّج في الرياض فرانس برس.

وأوضح المروج الذي يبيع بشكل أساسي الطلاب والعمّال، أنّ الحبوب البيضاء ذات جودة أعلى والحبوب الصفراء والرمادية ذات جودة أقل.

وبالنسبة لفيصل، فقد كان الكبتاغون عاملاً مساعداً لمواجهة ديون زواجه البالغة أكثر من 120 ألف ريال (32 ألف دولار). وأفاد الشاب الذي ينفق أكثر 100 ريال أسبوعيا (26 دولارا) على هذه الحبوب، "أستطيع العمل ليومين أو ثلاثة بلا توقف وهو ما ضاعف من مكاسبي وساعدني على تسديد ديوني".

لكنّه يوضح أن آثاراً سلبية ترافق تعاطيه للحبوب، ويقول "نعم، أعمل ليومين أو ثلاثة دون توقف، لكنني أفقد تركيزي أحياناً وأحتاج أحياناً أخرى للنوم ليوم كامل".

ويسبب استخدام الكبتاغون باستمرار آثاراً جانبية أخرى من ضمنها عدم وضوح الرؤية وصعوبة التنفس واضطراب في ضربات القلب وتقلب المزاج.

تغيير "للأسوأ"

قدّم عمال التقتهم فرانس برس روايات مختلفة عن مدى ارتباطهم بهذه الحبوب.

ويوضح سائق سوداني يعمل على شاحنة كبيرة تنقل مواد غذائية بين المدن السعودية، أنّه يتعاطى هذه الحبوب قبل الرحلات الطويلة فقط، ويقول "أتعاطاها حين أضطر للقيادة لأكثر من 10 ساعات يومياً على الأقل. لا يمكنني البقاء يقظاً لهذه المدة الطويلة دون حبوب".

ويتابع الرجل الأربعيني الأسمر النحيل "الكبتاغون يبقيني متيقظاً على الطريق ويجعلني قادراً على تفادي الحوادث".

ووجد العامل المصري الثلاثيني محمد الذي اشترط استخدام اسم مستعار، نفسه متعاطياً للكبتاغون رغما عنه.

ويروي الشاب أنّ "صاحب العمل اعتاد على إذابة حبوب الكبتاغون في الشاي أو القهوة التي يقدمّها لنا قبل وأثناء العمل"، مضيفاً "كنا نعمل فعلاً لساعات إضافية ونستفيد مادياً وننجز الأعمال في أيام أقل، ويستفيد صاحب العمل".

ورغم تغييره لعمله، يقول محمد بحسرة "أصبحت وزملائي مدمنين على هذه الحبوب".

وبحسب كارولين روز، فإن الأبحاث حول الكبتاغون محدودة للغاية لدرجة أن الخبراء في حيرة حتى بشأن التركيب الكيميائي للعديد من أنواعه.

وتقول "المحظورات المتعلقة بتعاطي المخدرات بالإضافة إلى قلة الوعي بشأن الآثار الصحية للكبتاغون وأصله، تسهم حسب رأيي، بشكل كبير في نقص البحوث حول هذه التجارة".

بالنسبة لفيصل، بات الكبتاغون جزءاً من حياته اليومية رغم تباين مشاعره تجاهه، ويقول "سأظل أتناوله حتى أستطيع سداد كامل ديوني.. رغم حقيقة أنه غيّر (روتين) حياتي للأسوأ".

ما هي حبوب الكبتاغون؟

الكبتاغون تسمية قديمة لعقار يعود إلى عقود مضت، لكن تلك الحبوب، وأساسها الأمفيتامين المحفّز، باتت اليوم المخدر الأول على صعيد التصنيع والتهريب وحتى الاستهلاك في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

في الأصل، لم يكن الكبتاغون سوى إحدى التسميات لمادة الفينيثلين، أحد أنواع الأمفيتامينات المحفزة، وقد طرح في الأسواق للمرة الأولى من شركة شيميفرك هامبورغ في العام 1961.

نال العقار براءة اختراع وبات يوصف لعلاج اضطراب نقص الحركة وفرط الانتباه، كما النوم القهري، وإلى حد ما أيضاً لعلاج الاكتئاب.

في العام 1981، أعلن المخدّر مادة خاضعة للرقابة في الولايات المتحدة، ثم تم إدراجه من منظمة الصحة العالمية كإحدى المواد ذات التاثير العقلي، وذلك برغم محدودية استهلاكه لأغراض غير طبية في حينه.

في العام 1986، تم حظر استخدام الكبتاغون في غالبية الدول، لكن مادة الفينيثلين كانت لاقت رواجاً واسعاً في الدول الخليجية، وباتت حبوب الكبتاغون تصنّع بشكل غير شرعي في البداية في ما كان يُعرف بيوغوسلافيا، كما في بلغاريا.

اليوم، باتت سوريا المصنع الأساسي لحبوب الكبتاغون، يليها لبنان، ويجري تصنيع مئات ملايين الحبوب سنوياً في البلدين، وتقدّر قيمتها السنوية بمليارات الدولارات.

العوارض الجانبية

إن الاستهلاك الكثير لمادة الفينيثلين قد يؤدي إلى الاكتئاب المزمن، وعدم وضوح الرؤية، كما قد يسفر عن مشاكل في القلب والأوعية الدموية.

وتجدر الإشارة إلى أن حبوب الكبتاغون المصنعة اليوم في مختبرات صغيرة في سوريا ولبنان، لم تعد تحتوي بالضرورة على مادة الفينيثلين، وباتت تركيبة تلك الحبوب متنوعة.

تحتوي غالبية الحبوب على مادة الأمفيتامين، وهي مادة مخدرة ومنبهة، لكن لائحة المكونات تضمّ أيضاً الباراسيتامول والكافيين والكوينين ومواد منبهة أخرى، وكلّها قد تكون مؤذية.

ومن شأن الاستهلاك الدائم للأمفيتامين أن يسفر عن أضرار في الجهاز العصبي، ومشاكل في القلب والعضلات، كما أن كلّ المواد المستخدمة في تصنيع الكبتاغون تؤدي إلى أضرار صحية خطيرة.

ويصنّف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الكبتاغون اليوم على أنه أحد أنواع "الأمفيتامين المنشّط"، ويمكن مقارنته بأديرال، وهو أيضاً منشّط يحتوي على الأمفيتامين.

في بعض الحالات، وجدت آثار مادة الميثامفيتامين، وهو منشّط اصطناعي آخر، بفعالية أعلى من الأمفيتامين، في حبوب من الكبتاغون.

الاستهلاك

عادة يتم تناول الكبتاغون على شكل حبوب، لكن من الممكن أيضاً طحنها وشمّها.

تُعزّز مادة الأمفيتامين أنشطة الدماغ، وبالتالي يمكن أن تعطي دفعاً من الطاقة والثقة وترفع مستوى التركيز، لكنها أيضاً قد تؤدي إلى كبت الشهية والأرق.

ويُعد استهلاك تلك الحبوب المخدرة شائعاً بين الطلاب الراغبين في الاستيقاظ ليلاً للتحضير للامتحانات، أو سائقي الأجرة والشاحنات خصوصاً الذين يعملون في وظيفتين أو يقودون مسافات طويلة ليلاً، كما بين الموظفين الراغبين بالحفاظ على أكبر قدر من النشاط والتركيز لساعات طويلة.

وتُعدّ المملكة العربية السعودية المستهلك الأكبر لحبوب الكبتاغون، إذ إن استهلاكها شائع بين الطبقة الغنية خصوصاً خلال الحفلات التي تستمر حتى ساعات الصباح، كما تستخدمها بعض النساء لتخفيف الوزن كونها تكبت الشهية.

ويلجأ اليها الكثير من العمال للعمل ساعات إضافية.

وكونه ينظر إليه كمادة منشطة مرتبطة بشكل أساسي في السعي لزيادة الإنتاج، يبدو استهلاك الكبتاغون أكثر سهولة، كما أنه لا يعتبر من المحرمات الرئيسية مثل الكوكايين على سبيل المثال.

في الشكل

وإن كان التغيير المستمر في تركيبة حبوب الكبتاغون جعل محاولات إحباط الاتجار بها صعباً، إلا أن نقش حرفي "C" متشابكين على الحبة، في إشارة إلى الحرف الأول من الكلمة باللغة الإنكليزية، بات كافياً للكشف عنها.

وباتت تلك الحبوب المنقوشة بحرفي "c" تعرف بـ"أبو هلالين" أو "أبو قوسين".

لكن النقوش على الحبة تنوعت كثيراً مع توسّع سوق الكبتاغون، ومن بين الأكثر انتشاراً خلال السنوات الماضية الحبوب المنقوشة بإشارة "لكزس"، وأيضاً علامة "رانج روفر" و"لاكوست"، وفي بعض الأحيان "هلال ونجمة" أو حتى "صليب معقوف".

كما من الممكن أن يختلف لون الحبة بحسب المختبرات المصنعة لها، والتي من الممكن أن تكون عبارة عن ورش ومستودعات ضخمة أو مجرد شاحنة صغيرة.

وتعتبر الحبوب البيضاء الأكثر انتشاراً، وينظر إليها على أنها النوعية الأفضل، وتصدّر بشكل أساسي إلى دول الخليج. لكن من الممكن أيضاً أن تكون الحبوب صفراء اللون أو حتى وردية.